اقتصادتحديث الرئيسيةملفات

“حل ساذج” يُهدد حقوق الأجيال القادمة..هل بيع الأراضي والأسهم يحل أزمة الـ 5.2 تريليون جنيه؟

الاستراتيجيات التمويلية تستند إلى أن الأصول هي المحرك التنموي الحقيقي لأي كيان اقتصادي، بينما الديون هي مجرد أداة تنظيمية للتدفقات النقدية يجب إدارتها بحذر، والتخلص من  من الأصول الثابتة والأسهم لسداد القروض يُعد خطوة تفتقر إلى التوازن التمويلي، نظرًا لأن حجم العائد منها غالبًا ما يكون ضئيلاً مقارنة بحجم الأزمة، فضلاً عن الأثر السلبي المباشر على حقوق أجيال الغد.

ويرى الخبير الاقتصادي، هاني توفيق، أن الحل التمويلي الحقيقي يكمن في إطالة الآجال الزمنية للالتزامات، من خلال استبدال القروض قصيرة الأجل بمهل تمويلية طويلة الأجل، وهو ما يحافظ على سلامة الهيكل المالي ويمنح الأصول فرصة للاستمرار في توليد القيمة.

بيع الأرضي والأسهم لسداد الديون

ورفض توفيق في منشور على حسابه بموقع الفيس بوك، بيع الأراضي والأسهم لسداد الديون، لافتًا إلى أن اللجوء إلى بيع الأصول لسداد الالتزامات يمثل معالجة قصيرة الأجل لمشكلة تمويلية هيكلية، إذ إن بيع أصل مملوك للدولة يوفر حصيلة مالية مرة واحدة، بينما تنتهي الالتزامات التي جرى سدادها لتعود الحاجة إلى التمويل من جديد، وهو ما يجعل الاعتماد المتكرر على بيع الأصول غير كافٍ كسياسة لإدارة الدين على المدى الطويل.

وتتزايد أهمية هذا الطرح في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين، التي تمثل أحد أكبر بنود الإنفاق في الموازنة العامة، ما يدفع الحكومة إلى تبني سياسات تستهدف إطالة آجال الاستحقاق، وتنويع مصادر التمويل، وخفض تكلفة الاقتراض، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على تسييل الأصول لسداد الالتزامات.

وقُدرت موازنة العام المالي المقبل 2026-2027 إجمالي خدمة الدين بنحو 5.2 تريليون جنيه، تشمل فوائد وأقساط القروض المحلية والأجنبية، بزيادة 19.2% مقارنة بالعام المالي الحالي. وبحسب البيان التحليلي للموازنة، بلغت قيمة سداد القروض المحلية والأجنبية نحو 2.807 تريليون جنيه خلال العام المالي المقبل، مقابل 2.08 تريليون جنيه في العام الحالي، فيما قُدرت فوائد الدين بنحو 2.419 تريليون جنيه، مقابل 2.298 تريليون جنيه خلال العام المالي الجاري.

2.2 تريليون جنيه فوائد الدين المحلي

وتشير أرقام الموازنة إلى انخفاض فوائد الدين الخارجي بنسبة 13.21% لتسجل نحو 215.7 مليار جنيه، مقابل 248.5 مليار جنيه، في حين ترتفع فوائد الدين المحلي بنسبة 7.5% إلى نحو 2.2 تريليون جنيه، مقابل 2.04 تريليون جنيه. وعلى جانب أقساط الديون، من المتوقع ارتفاع سداد القروض المحلية إلى نحو 1.4 تريليون جنيه، مقابل 832.7 مليار جنيه، بينما ينخفض سداد القروض الأجنبية إلى نحو 337.4 مليار جنيه، مقابل 483.2 مليار جنيه خلال العام المالي الحالي.

وفي هذا السياق، يفرق هاني توفيق بين الديون قصيرة الأجل والديون طويلة الأجل، ويرى أن مواجهة استحقاقات القروض قصيرة الأجل لا تستلزم بالضرورة بيع أصول مملوكة للدولة، وإنما يمكن التعامل معها من خلال إعادة تمويلها بقروض أو أدوات تمويل طويلة الأجل، بما يتيح توزيع أعباء السداد على فترة زمنية أطول ويخفف الضغوط على السيولة.

وحذر الخبير الاقتصادي، من أن التوسع في بيع الأراضي والأسهم والأصول العامة بهدف توفير موارد لسداد الديون  يحمل آثارًا تتجاوز الوضع المالي الراهن، باعتبار أن بعض هذه الأصول تمثل ثروة يمكن أن تستفيد منها الدولة والأجيال المقبلة، سواء من خلال عوائدها المستقبلية أو ارتفاع قيمتها مع مرور الوقت.

35 مليار دولار من رأس الحكمة

وشهدت السنوات الأخيرة توسعًا في برنامج الحكومة للتخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة، سواء من خلال بيع حصص في شركات حكومية أو طرح أسهمها في البورصة أو إبرام شراكات استثمارية على أراضٍ مملوكة للدولة، وذلك في إطار خطة تستهدف توفير موارد بالنقد الأجنبي، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، والاستفادة من قيمة الأصول، إلى جانب المساهمة في خفض أعباء الدين العام.

وتعد صفقة تطوير منطقة رأس الحكمة من أكبر الصفقات التي ارتبطت بإدارة الضغوط التمويلية، إذ بلغت قيمة الاستثمار المعلن عنها 35 مليار دولار.

وأكد صندوق النقد الدولي وقتها أن موارد الصفقة ساعدت في تخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات، وأن السلطات تعتزم استخدام جزء كبير منها لتعزيز الاحتياطيات وحل أزمة الطلب المتراكم على العملة الأجنبية، إلى جانب تحقيق خفض ملموس في الدين الحكومي.

بيع حصص من الشركات المملوكة للدولة

وفي الوقت نفسه، واصلت الحكومة برنامج بيع حصص من الشركات المملوكة للدولة لمستثمرين استراتيجيين أو من خلال الطرح في البورصة، باعتبارها إحدى أدوات توفير السيولة وإعادة هيكلة ملكية الدولة.

ولم يعد البرنامج مقتصرًا على البيع الكامل للشركات، وإنما شمل التخارج الجزئي وطرح حصص في شركات قائمة، بما يسمح للدولة بالحصول على حصيلة من الصفقة مع استمرار احتفاظها بجزء من الملكية في بعض الحالات.

وشملت سياسة التخارج كذلك استغلال الأراضي والأصول العقارية المملوكة للدولة من خلال صفقات استثمارية وشراكات مع القطاع الخاص، بدلًا من الاحتفاظ بها دون استغلال كامل.

جزء من عمليات التخارج موجهًا لتقليل المديونية

ويكتسب برنامج التخارج أهمية خاصة في ضوء الاتفاقات الاقتصادية مع صندوق النقد الدولي، التي ربطت بين حصيلة التخارج ومسار خفض الدين، إذ أصبح جزء من حصيلة عمليات التخارج موجهًا إلى تقليل المديونية، وهو ما يجعل بيع الأصول أحد الأدوات المستخدمة إلى جانب الاقتراض وإعادة هيكلة آجال الدين.

ومن هنا يأتي الجدل الذي أثاره هاني توفيق، حول ما إذا كان بيع الأصول لسداد التزامات قائمة يمثل حلًا مستدامًا، أم أن الأفضل توجيه حصيلة التخارج إلى استثمارات منتجة أو إعادة هيكلة الديون قصيرة الأجل بدلًا من استهلاك أصول الدولة في سداد التزامات متكررة.

زر الذهاب إلى الأعلى