العملة الصعبة تُصرف بسخاء على كل شيء إلا على أنسولين يحتاجه الطفل ليعيش!
حين طالب وزير الصحة المواطن الذي يريد الأنسولين المستورد بأن يجيبه على حسابه من الخارج، بدا الأمر وكأنه مجرد خيار بين اسم تجاري وآخر.
لكن السؤال الأدق لا يتعلق بالاسم التجاري بقدر ما يتعلق بنوع الأنسولين نفسه، وبمن يحتاجه فعلا، وبمكان هذا الدواء في سلم أولويات دولة تستورد سلعًا أخرى بمليارات الدولارات دون أن تصفها يومًا بأنها استنزاف للعملة الصعبة.
من الناحية العلمية البحتة، حجة التكافؤ بين الأنسولين المصري والمستورد لها سند قوي حين تكون المقارنة بين النوع ونظيره تمامًا، مراجعات وتحليلات تلوية منشورة في مجلات طبية محكمة مثل Diabetes, Obesity and Metabolism وBMC Endocrine Disorders وPLOS One فحصت عشرات التجارب السريرية العشوائية بآلاف المرضى، ولم تجد فروقًا ذات دلالة إحصائية بين الأنسولين المثيل والأصلي في التحكم بمستوى السكر أو معدلات هبوط السكر أو التفاعلات المناعية، سواء في الأنواع طويلة المفعول مثل الجلارجين أو قصيرة المفعول مثل اللسبرو. هذا يمنح الوزارة نقطة حقيقية: أنسولين مصري بنفس المادة الفعالة لا يقل كفاءة عن نظيره المستورد.
لكن هذا التكافؤ مشروط بأن يكون النوعان متطابقين فعلًا، وهنا تظهر الفجوة التي يتجاهلها الخطاب الرسمي، ما هو مؤكد تصنيعه محليًا حتى الآن هو الأنسولين البشري العادي وأنسولين الجلارجين الطويل المفعول، بترخيص تكنولوجي من شركة إيلي ليلي الأمريكية. أما الأنواع الحديثة سريعة المفعول جدًا مثل أسبارت ولسبرو، أو طويلة المفعول جدًا مثل ديجلوديك المعروف تجاريًا بتريسيبا، أو الخلطات الجاهزة، فلا يوجد دليل موثق على تصنيعها محليًا حتى الآن.
الفارق هنا ليس تفصيلًا شكليًا، لأن الأنسولين البشري العادي جيل أقدم من نظائر الأنسولين الحديثة من حيث دقة توقيت المفعول، وهذا فرق طبي فعلي لا علاقة له بالبراند.
هذا الفارق يصبح أكثر خطورة عند الحديث عن الأطفال تحديدًا.
وزير الصحة نفسه أعلن في يونيو 2026 أن عدد المصابين بالسكري من النوع الأول في مصر من الفئة العمرية منذ الميلاد وحتى 18 عامًا يقترب من 55 ألف طفل. هؤلاء الأطفال يحتاجون عادة لجرعات مرنة ودقيقة التوقيت لتقليل خطر هبوط السكر الليلي الذي قد يهدد حياتهم مباشرة، وهو ما توفره نظائر الأنسولين الحديثة بدقة أكبر من الأنسولين البشري التقليدي.
وليس من قبيل الصدفة أن أمهات أطفال مصابين بالنوع الأول يقدن منذ عام 2019 وحتى الآن حملات متكررة للمطالبة بتوفير أجهزة قياس السكر المستمر مثل فري ستايل ليبري ضمن التأمين الصحي، وهي أجهزة مكملة لدقة العلاج وليست ترفًا. حين توضع هذه الفئة تحديدًا في مواجهة توجيه بعدم الاستيراد، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل الطفل صاحب الخمس أو الست سنوات مطالب أيضًا أن يذهب ويجيب دواءه بنفسه من الخارج؟.
وهنا تصبح حجة توفير العملة الصعبة بحاجة لاختبار رقمي حقيقي بدل أن تظل شعارًا عامًا. الوزير أعلن أن التكلفة الإجمالية لعلاج مرضى السكري في مصر، بالأنسولين والأقراص معًا، تبلغ نحو 4.2 مليار جنيه سنويًا، أي ما يعادل تقريبًا 85 إلى 90 مليون دولار فقط بسعر الصرف الحالي. في المقابل، استوردت مصر زيت النخيل وحده بقيمة 579.9 مليون دولار خلال أول 4 أشهر فقط من عام 2026، وقطع لحوم أبقار مجمدة منزوعة العظم بقيمة 406.9 مليون دولار في نفس الفترة القصيرة، وماشية حية بقيمة 420 مليون دولار خلال عام 2025 كاملًا، ليصل إجمالي واردات السلع الغذائية إلى 3.89 مليار دولار في 4 أشهر فقط من 2026.

وعلى صعيد السلع غير الغذائية، استوردت مصر ملابس جاهزة من أوروبا وحدها بقيمة 558.2 مليون دولار خلال 8 أشهر من عام 2025، بينما تجاوزت فاتورة استيراد السيارات وقطع غيارها 4.267 مليار دولار في 7 أشهر فقط من نفس العام، أي أكثر من 40 ضعف الإنفاق السنوي الكامل على علاج السكري في مصر بكل أنواعه.
بالإضافة أن الوزارة لم تنشر رقمًا رسميًا منفصلًا بالدولار لقيمة استيراد الأنسولين وحده بمعزل عن الأقراص، وهذا نقص شفافية يستحق الإشارة إليه، لكن حتى مع افتراض متحفظ بأن الأنسولين يمثل نصف تلك الفاتورة، يظل المبلغ أصغر بعشرات المرات من فواتير سلع استهلاكية ليست بنفس درجة إلحاح الدواء.
الخلاصة أن الدولة أمام قصة نجاح صناعي حقيقي يستحق البناء عليه لا التراجع عنه، لكن حصر الأزمة في صورة مواطن عنيد يفضل اسم تجاري بعينه يتجاهل حقيقتين موثقتين بنفس القدر
وهو أن الفجوة الحقيقية في تغطية الأنواع الحديثة تمس تحديدًا 55 ألف طفل مصري مصابين بالنوع الأول من السكري، وأن منطق حماية العملة الصعبة يُطبَّق بصرامة على دواء تكلفته الإجمالية لا تتجاوز 90 مليون دولار سنويًا بينما تستمر فاتورة استيراد الكماليات الغذائية والسيارات في القفز بمئات الملايين شهريًا دون نفس الدرجة من التشديد، الحل الأكثر إنصافًا لا يكمن في مطالبة المريض أو أهل الطفل بشراء الدواء من الخارج على حسابهم، بل في توسيع قاعدة التصنيع المحلي لتشمل النظائر الحديثة كاملة، وإعادة ترتيب أولويات استخدام العملة الصعبة بما يعكس أن دواء الطفل المزمن أولى بالحماية من زجاجة زيت مستوردة أو سيارة إضافية.

