في خلال الاحداث الكروية الحالية وصعود منتخبنا الوطنى لدور الـ 16 في كاس العالم 2026، تعرفنا مرة أخرى على معنى القوة الناعمة، وكيف يمكن أن تصل مصر إلى قلوب وعقول الملايين عندما تُحسن استثمارها، ما حققه المنتخب في كأس العالم لم يكن مجرد إنجاز رياضي، بل كان رسالة حملت اسم مصر إلى شعوب مختلفة، وجعلت جماهير من دول عديدة تلتف حول المنتخب وتشجعه وتحترمه.
هذه هي القوة الناعمة الحقيقية؛ ليست فقط في كرة القدم، بل في الفن، والعلم، والثقافة، والرياضة، والسياحة، وحتى في طريقة تعامل المصريين مع الآخرين. عندما نقدم أنفسنا باحترام وثقة، نكسب تعاطفًا وتأثيرًا أكبر بكثير مما تحققه أي حملات دعائية.
أما الخطاب المتعالي، أو نبرة الاستعلاء، أو رسائل التمييز والكراهية التي يروج لها البعض، فهي لا تبني نفوذًا، بل تهدم جزءًا من الصورة التي صنعها ملايين المصريين عبر عقود.
مصر لا ينقصها الموهوبون، ولا التاريخ، ولا الإمكانات. ما ينقصها في كثير من الملفات هو الإدارة التي تعرف كيف تحول هذه المقومات إلى قوة مؤثرة ومستدامة. فحين تُدار موارد مصر البشرية والثقافية والرياضية بكفاءة، يصبح تأثيرها أكبر بكثير من حدودها الجغرافية.
ولعل ما فعله المنتخب أعاد التذكير بأن القوة الناعمة المصرية ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التأثير. فقد كان الفن المصري، بأدبه وسينماه ومسرحه وغنائه، حاضرًا في وجدان الشعوب العربية لعقود، كما كان للأزهر الشريف، وللقراء المصريين، وفنون التلاوة والابتهالات والتواشيح الدينية، أثر تجاوز حدود مصر إلى العالم الإسلامي كله.
ولم تقتصر قوة مصر الناعمة على الفن والرياضة، بل امتدت إلى دورها الحضاري؛ فكانت عبر تاريخها الطويل مقصدًا لطالب العلم، وملاذًا للمظلوم، وأرضًا احتضنت شعوبًا وثقافات مختلفة، واستقبلت من ضاقت بهم أوطانهم أو دفعتهم الحروب إلى البحث عن الأمان والاستقرار.
يجب أن تظل مصر دائمًا مظلة حماية لمحيطها، وأرضًا للفرص، حتى وإن مرت بفترات اضطر فيها كثير من أبنائها إلى السفر بحثًا عن مستقبل أفضل. فالعلاقة بين المصري ووطنه لم تكن يومًا علاقة مصلحة عابرة، بل علاقة انتماء وجذور وهوية. ولهذا عرفت مصر، عبر آلاف السنين، كيف تحتضن الجميع وتحافظ على تماسكها رغم ما مرت به من تحديات وأزمات.
القوة الناعمة ليست رفاهية، بل أحد أهم أدوات النفوذ وبناء المكانة. وتجربة المنتخب أكدت أن مصر، عندما تمتلك رؤية واضحة وإدارة كفؤة، تستطيع أن تستعيد مكانتها الطبيعية، وأن تكسب احترام العالم ومحبة الشعوب، ليس بالقوة، وإنما بما تقدمه من إبداع وعلم وثقافة وإنسانية.






