د. مجدي عبدالحميد
د. مجدي عبدالحميد

وهم الحماية

توجد قناعة راسخة في جميع الدول التي ترزح تحت نظم الحكم السلطوية الاستبدادية بأن الحفاظ علي بقاء النظام واستمراره يتطلب بالضرورة استدعاء القبضة الباطشة، لإسكات الآراء المعارضة، بما في ذلك جميع الرؤي النقدية الساعية إلي تغيير السياسات القائمة من خلال اتباع النهج الإصلاحي والحوار السياسي.

هذا الاعتقاد الذي ثبت واقعياً بعده التام عن الحقيقة من خلال الوقائع التاريخية المتعددة التي تشهدها الكثير من الدول، سواء في العصر الحديث، أو تلك التي روتها لنا كتابات المؤرخين. فقد جاءت جميع التجارب مؤكدة علي النهايات الدرامية لتلك النظم، طال أمدها في السلطة، أم قصر.

إن الاستبداد وانسداد شرايين الإصلاح السياسي يجعلنا نطرح السؤال المباشر التالي: هل انتهي الحديث عن زمن الإصلاح تماماّ في المجتمعات التي تعيش تحت وطأة الحكم التسلطي؟ هل فعلاّ تحمي السلطة المستبدة نفسها من خطر الزوال كما تظن، عندما تسد كل منافذ التغيير السلمي التدرجي؟ أم أنها تدفع المجتمع بأكمله نحو تبني نهج آخر، نهج التغيير الجذري، ليس فقط للسياسات ولكن للنظام كله؟

الحقيقة أنه حين يدرك المجتمع أن سياسات النظام ليست هي المشكلة الوحيدة التي يواجهها، بل أن “بنية السلطة وطبيعتها الأمنية” هي العائق أمام أي تقدم، يتحول العقل الجمعي نحو نهج التغيير الجذري والذي يتجاوز مجرد تغيير الوجوه أو السياسات إلى تغيير مجمل السلطة الحاكمة في البلاد.

آليات السلطة الاستبدادية في خنق نهج الإصلاح: تعمل الأنظمة الأمنية الحاكمة وفق استراتيجية ممنهجة لتفكيك “المساحات الوسطى” في السياسة، ويظهر ذلك من خلال الممارسات التالية:تأميم المجال العام: إغلاق الأحزاب، السيطرة على وسائل الإعلام، وتحويل مؤسسات المجتمع المدني إلى امتدادات للأجهزة الأمنية. هذا يحرم الإصلاحيين من “أدوات العمل” الأساسية.

شيطنة الاعتدال: يتعمد الخطاب السلطوي تصنيف أي معارضة سلمية أو مطلب إصلاحي على أنه “خيانة” أو “تآمر”، مما يفقد الخطاب الإصلاحي شرعيته القانونية والأمنية.

إنتاج إصلاح صوري: خلق معارضة مستأنسة ومؤسسات برلمانية مفرغة من مضمونها، مما يفقد المواطن الثقة في جدوى الصندوق أو الحوار، ويوصل رسالة مفادها: الإصلاح عبر القنوات الرسمية هو مجرد مسرحية.

تداعيات القضاء على الفكرة الإصلاحية: عندما تنجح السلطة في إضعاف قوى الإصلاح وتُصلِب”شرايين السياسة”، تظهر نتائج عكسية ومباشرة على استقرار النظام والمجتمع وتصبح القاعدة التاريخية الشهيرة “من يجعلون التغيير السلمي مستحيلاّ، يجعلون التغيير غير السلمي حتمي.” شاخصة أمام الجميع حيث يتم:

1. خسارة صمام الأمان: قوى الإصلاح والوسطية هي تاريخياً “الوسيط” الذي يمنع الصدام المباشر بين القاع الاجتماعي المأزوم ورأس السلطة، غياب هذا الوسيط يعني أن أي أزمة اقتصادية أو معيشية قادمة ستتحول مباشرة إلى مواجهة صفرية بين الشارع والأجهزة.

2. انقسام المجتمع إلى ثنائية صفرية تتحول البيئة السياسية من التعددية إلى ثنائية قاتلة: إما السلطة المطلقة.. أو الفوضى والتغيير الجذري، هذا الانسداد يصيب مع الوقت النخب الفكرية والشباب بالإحباط من جدوى “النفس الطويل” والخطوات التدرجية.

هل انتهى دور الإصلاحيين؟

الإجابة القاطعة علي ذلك السؤال هي لا، ولكن علي الإصلاحيين أن يعيدوا النظر في طبيعة دورهم بما يمكنهم من مواكبة درجة الشراسة والتحول الأمني للسلطة في النظم الاستبدادية الحديثة. فلم يعد مقبولاّ أن يكتفي الاصلاحيون باستجداء مساحات للحوار من سلطة مغلقة، كما انه لم يعد مقبولاً أيضاً ان تكتفي المعارضة الديموقراطية بالصراخ والندب.

مطلوب إصلاحيون يبحثون عن أساليب جديدة في العمل تكون أكثر إقناعاً للجميع ويسعون إلى إقامة حوار حقيقي مع أطراف داخل النظام، يمكنهم التواصل معهم وإقناعهم بخطورة استمرار نهج القمع السلطوي علي مجمل النظام، وان بقاء الحال علي ما هو عليه سينتهي بالجميع الي ما لا يحمد عقباه.

مطلوب إصلاحيون يعملون علي بناء البديل الفكري والمؤسسي وتقديم سياسات عملية بديلة ورؤي اقتصادية واجتماعية تمنع سقوط المجتمع في الفوضي وتحميه من الانهيار.

خلاصة القول: إن السلطة الاستبدادية، بانسداد شرايينها، تظن أنها تمد في عمرها، بينما هي في الحقيقة توّفر البيئة الخصبة للانفجار العنيف. فالاستبداد هو المغذي الأول للفكر الجذري؛ لأنه عندما يُحرم الناس من حق إصلاح سقف بيتهم، فلن يجدوا مفراً من هدم الجدران لإعادة البناء من جديد.