الطبقة الوسطى هى التى تقع بين الطبقة العليا(الثرية) والطبقة الدنيا (الفقيرة) كما عرفها ماكس فيبر، وهى صمام أمان المجتمع، ونقطة توازانه، وتشكل الغالبية العظمى من سكان مصر وتنتشر فى كل ربوعها، وتتباين دخولهم حسب نوعية وظائفهم مابين القطاع العام والحكومى والقطاع الخاص والمهن الحرة المختلفة أو كما يطلقون عليهم أصحاب الياقات البيضاء، كما عرفها رايت ميلز. ويعرفها ماركس وإنجلز بأنها الطبقة البرجوازية التى تضم مجموعة من صغار رجال الأعمال وأصحاب المحلات والمهنيين.
وبمعنى آخر من ينتمي إلى الطبقة الوسطى كل من يستطيع تلبية كل متطلباته الأساسية بسبب الدخل المستقر ولا يقع فى دائرة الفقر.
أعباء وأزمات
تحملت تلك الطبقة كثير من الأعباء والضغوط، وفقدت القدرة على تحمل الأعباء المتزايدة أصابت المجتمع المصرعي بعد إن كانت شبة مستقرة فى الفترة الناصرية وجدت نفسها تسعى للهبوط التدريجى بداية من عصر الإنفتاح الإقتصادى فى عهد الرئيس السادات وزادت فية الفجوة بين الطبقات ووصلت فئة جديدة الى طبقة الرأسمالية الغنية فى انفتاح غير منضبط، ودخول أغنياء جدد يملكون المال ويفقدون العلم والثقافة.
ومرورا بعصر مبارك وتنفيذ برنامج الخصخصة وإعادة الهيكلة واشتراطات صندوق النقد الدولى للحصول على قروض لسد الفجوة، واتفاقيات فرضت علينا، وغيرها من الأمور التى أدت إلى تفجير الأوضاع فى 25 يناير 2011، وندائها بعيش حرية كرامة إنسانية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية.
سوء الأوضاع
وزادت الأوضاع سوء بعد ثورة يناير لتجدد الإضطرابات المستمرة (المظاهرات) والاعتصامات وتوقفت عجلة الإنتاج تماما لعدم الاستقرار السياسى وحالة الفوضى العارمة وغياب الأمن الداخلى أدى إلى سقوط كثير من الأسر المصرية التى أصبحت غير قادرة على التكييف مع تلك الظروف الصعبة وفقدانهم مصدر دخولهم الى السقوط تحت مظلة الفقر والعوز، وزاد معها نقمتهم على السياسة والحكومة التى فشلت فى سد احتيجاتهم.
واستمرار للوضع وتفاقم معاناتهم تحت دعوى التحمل من أجل الإصلاح، ومرة بدعوى أزمات طارئة مثل الحرب الروسية الأوكرانية ووقف سلاسل الإمداد والتموين، ومرة بمواجهتها جائحة كورونا وتداعياتها السيئة، وكذلك أخطاء الحكومة فى بعض قرارتها السياسية والإقتصادية وعملية التعويم للجنيه المصرى وما صاحبها من إجراءات وما نتج عنها من توتر وأزمات، فقد الجنيه قيمته أمام الدولار فانخفض دخل الكثيرين مع زيادة كافة الأسعار.
وتشكل تلك الأعباء الواقعة عليها والتى تهدد بقائها راسخة لحفظ التوازن الإجتماعى فى الوطن، أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، فقلة الدخل وعدم قدرتها على تلبية متطلباتها لسوء الأوضاع، ينعكس أثاره السلبية على المجتمع وتدخل فى أزمات مع الحكومة ويؤدى إلى فقدان الثقة فيما بينهما، عوضا على أنها المنوط عليها بناء
فاتورة الإصلاح الاقتصادي
استراتيجية الدولة للتنمية المستدامة وخططتها فى التنمية، أصحبت هى من تدفع فاتورة ذلك الإصلاح الاقتصادى، ولم تحظى بأى دعم من مبادرات الحكومة لأنها لا تقع فى قاعدة الهرم، ووقعت تحت تاثير كل تلك العواقب فاقدة الثقة فى كل شىء، مع أنها التى انتفضت وخرجت فى ثورة 25 يناير و30 يونيو تطالب بالتغيير والإصلاح، وتدافع عن هويتها المصرية الأصيلة الراسخة عندما خطفت جماعة الإخوان الدولة المصرية.
لذا يجب البحث عن أسباب هموم تلك الطبقة وما يهدد بقائها، وبما أنني مواطن من أبناء تلك الطبقة وكرجل سياسى حزبى، يرى أنه صوت الطبقة المتوسطة وداعم لها ويعبر عن جموعها، علينا أن نبحث عن علاج لكل معوقات بقاء تلك الكتلة الغالبة فى المجتمع.
كما ذكرنا أن اعتماد تلك الطبقة على الدخل الثابت من وظائفهم، وسعيهم الدؤب لزيادته سواء بفرص عمل مجزية ومناسبة لسد احتياجاتهم، أصبح لزاما عليهم التكيف مع واقعهم المتغير، والعمل على التوازن بين دخلوهم ومصروفاتهم،فيجب على كل مواطن ان يحدد بدقة أولوياته، ليستطيع بناءا على دخلة مواجهة موجة الغلاء فى الأسعار فى الكهرباء والمياة والمواد الغذائية والدواء والدروس الخصوصية والمأكل والملبس وباقى متطلبات الحياة، ويتنازل عن كل رفاهية كان يقوم بها قبل ذلك فهو فى الأساس وزير مالية أسرته مكافحا الظروف للبقاء.
ويحمل المواطن الحكومة دائما تبعات أخطائها وما يحدث له من انزلاقات قوية فى سد متطلباته، وأنه عليها مقابل ما تحصل علية من ضرائب فإن عليها التزمات يجب الوفاء بها مثل التدخل لضبط السوق، ومراقبة الأسعار، وتوفير رعاية صحية واجتماعية جيدة، وتقليل نسب التضخم، ونسب البطالة، وتوفير فرص عمل، وغيرها من الالتزامات المنوط بها التدخل فيها للحفاظ على هيكل الكيان الإجتماعى الضابط للدولة المصرية، ولأنه لن يستطيع تحمل إخفاقاتها المتتالية وسياساتها الخاطئة، وغياب الأولويات فى طرق إدراتها لموارد الوطن، فيحدث التوتر وعدم الاستقرار والرضا بين الحكومة والمواطنين.
وسنذكر سريعا بعض النقاط السريعة المؤثرة فى تدهور أوضاع الطبقة المتوسطة:
عدم الاستقرار السياسى نتيجة ثورة يناير وما تلاها من احتجاجات له أثار سلبية على الاقتصاد وأدى الى توقف عجلة الإنتاج، وزيادة نسب البطالة، ويؤثر بطبيعة الحال على الناتج القومى ودخل الفرد.
مبادرات الإنقاذ
قلة برامج الحماية المجتمعية التى تقدمها الدولة نتيجة الظروف الصعبة التى تموج بالبلاد، قد يقول البعض أن الدولة أطلقت رؤيتها للتنمية المستدامة 2030 ومن هذا المنطلق أطلقت عده مبادرات للتخفيف عن المواطنيين من مبادرة حياة كريمة لأهالينا فى الريف إلى مبادرة 100مليون صحة ومواجهه أمراض متوطنة مثل فيروس سى، والسعى لتطبيق التأمين الصحى الشامل على مراحل فى ربوع مصر، ومبادرة سكن كريم وتكافل وكرامة وغيرها لمحاولة تعزيز مبدا الحياة الكريمة والإنسانية لمواطنيها، ولكن تبقى كلها مبادرات وقتية ولا تصيب جموع المصريين، وعلى الدولة اتخاذ خطوات جادة لتعزيز الحماية المجتمعية، والعمل على زيادة نهضتها الإقتصادية لزيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل حقيقية.
ارتفاع تكلفة المعيشة وما نعيشة تلك الأيام خير دليل على تفشى غلاء الأسعار بشكل عام من مسكن وملبس وتعليم وصحة وسلع أساسية أصبحت أسعارها خارج السيطرة حتى مع تدخل الحكومة لضبط السوق ولكن يبقى خارج سيطرتهم حتى أصبحت كل الطبقات تعانى بدون استثناء من موجة الغلاء المتوحشة.
فكرة تكوين أسرة جديدة فى وقت وصل طن الحديد إلى 30 ألف جنيها وأسعار العقارات وصل إلى أرقام فلكية فعندما تسمع أسعار الوحدات السكنية يفوق ما تستطيع وظيفة ما أن تتيح لك فرصة الحصول على شقة سكنية، ذلك برغم تدخل الدولة فى تقديم سكن كريم وجنة مصر والاسكان الاجتماعى تبقى فرصة الحصول على وظيفة تؤمن لك السداد حلم لا يحظى به الجميع فلا تكون هناك عدالة فى الفرص.
الثروة البشرية
فكرة تكوين أسرة والزواج فى وقت نطالب فى كل رب عائلة والأهل التفكير خارج الصندوق والتنازل عن بعض العادات الإجتماعية المكلفة من مهر وشبكة وتأسيس منزل بعدد غرف معينة وأجهزة كهربائية فالمغالاه فى المهور والطلبات وكثرة النفقات أصبحت تقف عائق على تكوين أسرة.
غير أن هناك ضغوط أخرى تأتى بعد الزواج فى عدم القدرة فى بعض الأسر على مواجهة متطلبات الحياة من مسكن ودواء وماكل وملبس وغيرها من مستلزمات الحياة الأولية أو فقد الوظيفة وصعوبة الحصول على وظيفة بديلة، فتنتهى الأسرة بالتفكك وتكثر حالات الطلاق والعنف الأسرى وحوادث انتحار وغيرها من الكوارث نتيجة تلك الضغوط.
الزيادة السكانية هى من أهم عوائق التنمية لعدم تحمل قدرة الدولة على تلبية متطلبات تلك الزيادة السكانية، مع العلم أن القوة البشرية هى رأس مال الدولة لو استطاعت إدارة مواردها.
الحوادث الإرهابية التى واجهتها مصر وقد رفعت الدولة شعار لا للإرهاب فقد أثر على جذب فرص استثمارية جديدة ،والتوسع فى الأنشطة القائمة، والسياحة أحد روافد النقد الأجنبى توقفت وفقدت أعداد هائلة وظائفها وقت أزمة كورونا أيضا، وتوقفت بعض الأنشطة الإقتصادية وانسحاب بعض المستثمرين من أعمالهم داخل البلاد وتعثر البعض الأخر، نتيجة التوتر والقلق، ففى نظر أى مستثمر أن البلد غير أمن وغير مستقر.
التأثير العالمي
الأزمات الطارئة التى ضربت العالم، وتأثرنا بها مثل أزمة فيروس كرونا وتوقف الحياة تماما، فقد صمتت عجلة الإنتاج والتزم الجميع العزل، كما كانت الحرب الروسية الأوكرانية له تأثيرها السلبى على اقتصاديات العالم كلة ومنها مصر طبعا التى تأثرت كثير، ونحن نعتمد اعتماد شبة كلى على السياحة الروسية والأوكرانية، كما أن السلعة الإستراتيجية الأولى وهى القمح تأثرت بفعل الحرب وتوقف سلاسل الإمداد والتموين من العوامل المؤثرة .
ما زالت مشكلة سد النهضة قائمة،وأمن مصر المائى فى خطر، والخوف من تأثر حصة مصر، فمع الحصة المقررة هناك فقر مائى فى مصر، وأى تأثر على نصيب مصر سيدخلنا فى صراع حقيقى مع أثيوبيا لحماية لحقوق شعب لدية فى الأساس فقر مائى.
الثورة التكنولوجية
دخول عام الذكاء الإصطناعى والتطورات التكنولوجية وقدمت كثير من الدراسات إنه فى المستقبل سوف يتم الإستغناء عن وظائف كثيرة ويحل محلها الروبوت والتكنولوجيا الحديثة، مما يهدد ببطالة كبيرة مستقبلا وعلية البحث عن حلول للدخول ذاك العالم الرقمى.
سوء التخطيط فى المجال الإقتصادى والاستثمارى يقف عائق دائما أمام خطط التنمية، ويؤثر فى معدلات النمو، ولقد عانينا فى الفترة الأخيرة من بعض القرارات والسياسات الغير مدروسة والتى أُثرت على الإقتصاد، وتعثر استيراد مستلزمات الإنتاج، وتعثر بعض المستثمرين، وغيرها من الأزمات التى يجب على الدولة التدخل لتوفير المناخ المناسب للاستثمار، ودعم المستثمرين المتعثرين، وتقديم حوافز لهم، والعمل من أجل زيادة الإنتاج وجذب استثمارات للإقامة مشاريع جديدة تستوعب الأيدى العاملة العاطلة، كما نتمنى لمبادرة ابدأ النجاح، وأخيرا القرار بالعمل بمستندات التحصيل ووقف القرارات التى صعبت عملية الاستيراد مع ضرورة توفير العملة الأجنبية لدخول البضائع المكدسة بالموانىء.
إعلان الدولة عن تخارجها من بعض الأنشطة وتركها للقطاع الخاص، وإصدارها وثيقة ملكية الدولة، والقيام بعمل مؤتمر عالمى للاستثمار فى 2023 لعرض الفرص المتاحة مع تهيئة مناخ جاذب وتشريع يضمن التوسع فى خريطة الأعمال، مؤشر طيب لما ينتج علية من فرص عمل جديدة وزيادة الدخل وتحقيق الرفاهية، مع العلم عن حاجتنا لعودة وزارة الإستثمار بشكل أساسى ومهم لدورها الحيوى فى ثراء تلك المهمة.
غول التضخم
التضخم الذى يهدد الاستقرار الاقتصادى ويلتهم مدخراتها وأصبحنا نعانى منه تلك الأيام بشكل كبير ،وتراجع القوة الشرائية لنقودة المدخره، وتدنى العملة المحلية أمام الدولار بشكل يدعو الى التشائم والقهر. لذا على الدولة إعادة التوازن المالى للإقتصاد المصرى ومحاصرة التضخم.
المواطن يعيش فى دوامة بين طلبات الحكومة التى تفرضها للحصول على اموال مواطنيها من تراخيص المحال التجارية الى تراخيص المبانى الخاصة السكنية الى ضغط المحليات المستمر على المواطنين بدعاوى عديدة ونحن هنا لا نتجنى عليهم فالفساد فهذا القطاع يتعايش معه غالبية المواطنين وما بين مصاريف تراخيص السيارت وتجديد البطاقة الشخصية وجوزات السفر وتجاوز الحد المسموح فى المبالغ المطلوبة لاستخراج تلك الأوراق الرسمية يمثل عبأ اضافى يجب الحد منه .
فى الختام على الدولة أن تهتم بتلك الطبقة وتراعى أولوياتها ومتطلباتها لأنها أصل المجتمع والقائم عليه، فلا قدر الله لو حدث انفجار لتلك الطبقة سيتفاقم الوضع العام فى الوطن إلى الأسوء.






