تحتضن سطوري طيف رمز مصري من الآباء المؤسسين للخروج بالكنيسة المعاصرة إلى النور، ورغم دوره المؤسس والبنائي بامتداد ثلاثة أرباع القرن لم يقتحم دوائر الأضواء، ولم يسع لأن يكون طرفاً في صراع، في عقود كان الصراع عنوانها، وقد أدرك أن عبور منطقة “الإنقطاع المعرفي” وإعادة التواصل مع أرثوذكسية الكنيسة هو الطريق لتحقيق هذا الخروج. ورغم أنه تخرج في كلية الطب، وكان خريجوها كريمة المجتمع تتلقهم دوائر العمل ويحظون بمكانة متقدمة وتفتح أمامهم ابواب التحقق والنجاح والبيوت أيضاً، رغم هذا كان قلبه وعقله قد أختطفا إلى دائرة التكريس والتفرغ لخدمة كنيسته واعادتها لمجدها الذي تستحقه.
بدأت الحكاية مبكراً في تزامن مع إشراقة مرحلة مختلفة في مسارات الكنيسة والوطن مع إطلالة النصف الثاني من القرن العشرين أحسبها مرحلة مفصليه فى تاريخ مصر المعاصر، ليس فقط فى الفضاء العام بل والكنسى أيضاً؛ فما أن تمضي سنتين منها حتي تنفجر ثورة يوليو، وغير بعيد وفي أغسطس من نفس العام يُلقى كتاب “حياة الصلاة” لراهب شاب ـ وقتها ـ الراهب متى المسكين، كحجر فى مياة الكنيسة الساكنة، وفي سبتمبر من نفس العام أيضا يعلن شاب من ذات الجيل وربما العمر، المحامي الغض إبراهيم فهمي هلال قيام جماعة الأمة القبطية، كان عاماً يقع بين تاريخين يشكلان مفتاحين لفهم تحالفات وتشابكات لحظتنا المعيشة اليوم ولسنوات قادمة، بين عامى 1948 حيث رهبنة الدكتور يوسف إسكندر (الأب متى المسكين)، و1954 حيث رهبنة الأستاذ نظير جيد (الأنبا شنودة الثالث)، هو فى مجمله عام حراك الشباب.
غير بعيد عن هؤلاء كانت هناك مجموعة أخرى من شباب الكنيسة تتطلع إلى إجابات لتساؤلات عديدة، وتبحث عن مخرج لأزمتها “فى الداخل صراعات ومن الخارج تربصات”، يتلقفون كتاب “حياة الصلاة”، يكتشفون معه آفاقاً متسعة للكنيسة تتجاوز المحلية، ويدخلهم دوائر تفكير تذهب بهم لتلامس الملكوت، ويجدون فيه إضاءات ترد لهم ثقتهم فى كنيستهم، ويخايلهم حلم بعث الكنيسة من جديد، كانوا فى سنواتهم الجامعية الأخيرة، من كليات مختلفة، نصحى عبد الشهيد ـ كلية الطب، كمال حبيب ـ كلية الآداب، يسرى لبيب، كلية التجارة، وغيرهم، يراودهم حلم التكريس لا الرهبنة، فيقررون التواصل مع الأب متى المسكين، يراسلونه ويطرحون عليه توجههم، ويسألونه عن مصادر ما ورد من أقوال وتعاليم الآباء على تنوعهم بكتابه، ويعرفون منه الطريق إلى مجموعة كتب آباء ما قبل نيقية وآباء نيقية وآباء ما بعد نيقية، Nicene and) Post-Nicene Fathers & Ante-Nicene Fathers)، وتقع مجتمعة بأجزائها الثلاثة فى 38 مجلداً.
عكفوا على قراءتها بنهم وعمق، وما أن يأتى عام 1958 حتى يتفقوا مع أبيهم الروحى على تأسيس “بيت التكريس” فى حدائق القبة بالقاهرة، وبعد عام ينتقلون إلى ضاحية حلوان، فى واحدة من البنايات المتسعة، وهى واحدة من قصور الخديوى توفيق وكان مخصصاً للأميرات بناته، لتنطلق رحلة التكريس، وينضم اليهم العديد من الشباب إيذاناً بتدشين مرحلة جديدة فى الخدمة التى تجمع بين الروحانية الأرثوذكسية والمنهج الأكاديمى والتفرغ الكامل، ويقترب عدد من طلبوا الانضمام إلى مائة شاب، الأمر الذى أزعج جهات عديدة داخل الكنيسة وخارجها.
اختاروا مسمى “بيت التكريس لخدمة الكرازة”، تعبيرا عن منهجهم وهدفهم، وطفقوا يترجمون كتابات الآباء؛ آباء ما قبل مجمع نيقية وآباء مجمع نيقية وآباء ما بعد نيقية، عن اللغات الحية، وينضم إليهم أحد أعمدة اللغة اليونانية الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد، للبدء فى تعليمها لأعضاء بيت التكريس ومريديه.
كان الأب متى المسكين هو الأب الروحى لهذه المجموعة ولبيت التكريس، وكان يرى:
“أن بيت التكريس يجب أن يكون سنداً للكنيسة ومعاوناً لها بصفته مركزاً للخدام العلمانيين فى الكنيسة التقليدية، فنحن نكرِّم الكهنوت ونخضع له ونعاونه فى خدمة النفوس”. وأنا أرى، والكلام مازال للأب متى المسكين” أنه “بدون خدمة العلمانيين (أى من هم من غير الرهبان أو الإكليروس) بهذه الصورة فستنهار خدمة الكهنوت وتنهار كرامتها فى نظر الأجيال القادمة”، لأن الكهنوت ابتدأ من الآن (منتصف القرن العشرين) فى عدم القيام بواجبه. فى الكنيسة الأولى كان الموهوبون من أعضاء شعب الكنيسة هم الذين يقومون بالخدمة، بينما الأسقف هو الذى يرتِّبهم ويرعاهم، وكان الكهنة خداماً للأسرار الكنسية. فلما تشددت الرهبنة ابتلعت الخدمة والخدام من أعضاء شعب الكنيسة يطلق عليهم خطأ اسم “العلمانيين” وهو الإسم الدارج للكلمة اليونانية لاؤس، وهكذا ترك العلمانيون الخدمة للرهبنة. ولما ضعفت الرهبنة ضعفت الخدمة، كما أصبح العلمانيون لا يقومون بعملهم ولا يعرفون مسئولياتهم فى الخدمة”
كتاب “السيرة التفصيلية ـ أبونا متى المسكين” إصدار دير أنبا مقار الطبعة الأولى 2008 ص 155
لم ترحب الرئاسة الكنسية، آنذاك، بتجربة بيت التكريس، فى سياق المواجهة المتوارثة بين الإكليروس والعلمانيين، والتى تفجرت مع أول تشكيل للمجلس الملى (1874م)، وهنا نجد أنفسنا أمام إعادة انتاج للعلاقة الملتبسة بين الدين والمثقف.
لم يكن الأب متى المسكين بعيداً عن استهداف سكرتارية القصر البابوى آنذاك، وتحريضهم على بيت التكريس باعتباره المؤسِّس والموجه والراعى له، ليتصاعد الأمر فى مواجهة البيت من دوائر القيادة الكنيسة ومن خارجها، ويحاصر البيت حتى يغلق أبوابه وتقصد قياداته وبعض من شبابه الدير للرهبنة.
يتمسك الدكتور نصحى عبد الشهيد، ببقاءه علمانياً وبمواصلة البيت لرسالته، فيعود أدراجه إلى مقره القديم بحدائق القبة ليبدأ مرحلة جديدة، وينأى بنفسه وبخدمته وبالبيت، بجَلَد وإصرار، عن صراعات تلك الفترة، ولا يشتبك فى أية معارك، متسلحاً بالصمت المطبق، فقد أدرك مبكراً أهمية رسالة التكريس التى نذر نفسه لها.
يخطو بيت التكريس بقيادة الدكتور نصحي عبد الشهيد خطوة للأمام بأن يضيف إلى اصداراته المترجمة عن اللغات الحية، إصدارات آبائية مترجمة عن “يونانية الآباء”، ويذكر الدكتور نصحى فى كلمته التى القاها فى مناسبة مرور ثلاثون عاماً على تأسيس مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الأبائية الأرثوذكسية، والتابعة لبيت التكريس لخدمة الكرازة، تواصله مع صديقه القديم المطران اليونانى الأب دميانوس رئيس دير سانت كاترين، ومعه الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد، أستاذ اللغة اليونانية، وكان على علاقة وثيقة بحكم التخصص العلمى بالمستشار الثقافى للسفارة اليونانية بالقاهرة، سعياً لتوفير منح دراسية فى جامعات اليونان لطلاب المؤسسة، حيث الجامعات الأرثوذكسية التى تعج مكتباتها وأروقتها الأكاديمية بالمخطوطات والدراسات الآبائية المتخصصة، فينصحهما المستشار الثقافى اليونانى بالتواصل مع مطران دير سانت كاترين، نظراً لأن البعثات الرسمية تحكمها بروتوكولات مع الجامعات المصرية فقط، وقد يجدون عند الأب المطران مدخلاً أخر لطلبهما، وكان المطران صديقاً للدكتور نصحى منذ كان راهبا بالدير وقبل أن يتولى مسئوليته كمطران، فيذهبا إليه، ويتطور الأمر إلى أن يسافر الدكتور نصحى مع الأب المطران، إلى اليونان، (مايو 1980)، وينجح فى ترتيب سفر المبعوثين باتفاق مع الخارجية اليونانية يتوسطه الأب المطران، وبين مؤسسته، التى لم يكن قد مضى على تأسيسها سوى عام واحد (1979)، ويتوالى سفر المبعوثين من شباب الأقباط وعودتهم ومعهم حصيلة دراساتهم وقد حصلوا على إجازات علمية رفيعة “دكتوراة فى العلوم اللاهوتية”. كانت القائمة تتمدد يوماً بعد يوم فضمت:
1980 الباحث ناجى اسحق حنين (أبونا أثناسيوس حنين)، اليونان
1981 الباحث وهيب قزمان، انجلترا
1981 الباحث ميشيل بديع عبد الملك، المانيا
1982 الباحث جوزيف موريس فلتس، أثينا ،اليونان
1983 الباحث مجدى وهبة صموئيل، (القس صموئيل وهبة)، اليونان
1990 الباحث جورج عوض، أثينا، اليونان
1990 الباحث سعيد حكيم، تسالونيكى، اليونان
1995 الباحث جورج ميشيل اندراوس، تسالونيكى، اليونان
2004 الباحث جورج فرج اسحق، اليونان ثم 2009 ستراسبرج، فرنسا
2006 الباحث رأفت موسى، روما، ايطاليا.
وتستمر القافلة فى المسير، ويشكل جنودها كتيبة تنوير يتوالى إنتاجهم الفكرى التراثى المعصرن، ونكتشف معهم الزخم الآبائى الذى يقف وراء التشكل الجنينى لميلاد معاصر للكنيسة، بعيداً عن صخب يدور حولها، وبعضه داخلها، ونستحضر مجدداً، ما خطه قلم الشاب المتحفز “نظير جيد، والذى أعاد كتابته حين صار أسقفاً للتعليم واصطدم مع البابا كيرلس الذى أمره بالعودة إلى ديره، بعد أزمة أدارها بعض من شخوص سكرتارية البابا، فامتثل للأمر، وكتب فى مجلة الكرازة ما كتبه قبلاً فى تقديمه لكتاب حياة الصلاة ، أنه “كأي عمل من أعمال الله، كان لابد أن يصطدم بصعوبات ومعوقات ، وكأى عمل من أعمال الله لابد أن ينتصر على الصعوبات والمعوقات.. ربنا موجود”.
(مجلة الكرازة، الإصدار الأول السنة الثالثة، العدد الثامن ـ اكتوبر 1967 ص 13. )
لندع المعوقات جانباً، ونقترب من هذا العمل الكرازى البنائى المثابر، الذى يقوده بثبات ذلك البنَّاء الصامت، الذى احتفى به البابا البطريرك الأنبا تواضروس الثانى على هامش مؤتمر المعاهد الدينية المنعقد بالأنافورا، (2013) وقدم له “درع المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية”، “تقديراً لدوره الكبير فى إثراء التعليم بالكنيسة القبطية ومجهوداته العظيمة فى نشر تعاليم وكتابات آباء الكنيسة الأولى وإتاحتها للشعب القبطى” و”تأسيسه للمركزالأرثوذكسي للدراسات الآبائية”، وفى اتضاع العلماء أكد الدكتور نصحى “أن التكريم لا يخص شخصه أنما هو اعتراف بفضل آباء الكنيسة الذين حفظوا وسلموا لنا إيمان الأباء الرسل القديسين، وذكر د. نصحي أن الذي حثه علي الإطلاع علي كتابات الأباء هو قراءته لكتاب ”حياة الصلاة الأرثوذكسية” للأب متي المسكين الذي ارشده لمجموعة كتابات الاباء المنشورة بالانجليزية (مجموعة اباء نيقية ).
وجدير بالذكر أن قداسة البابا شنودة الثالث استعان ببعض باحثى المركز للتدريس فى الكلية الإكليريكية بالقاهرة فى حبريته، وهم أيضا وبفعل التلمذة لم يدخلوا يوما فى أية صراعات أو ينحازوا الى طرف دون آخر، وأي كان دعونا من هذا لأننا نطلب من فرقاء اليوم في المشهد الكنسي المبادرة بكسر حالة التربص والتراشق والدعوة إلى مائدة حوار لحساب الكنيسة والأجيال التائهة بينهم، بعيداً عن استعراض القوة وتكسير العظام، بتوسط هذه المؤسسة ـ ومركزها ـ التى يشهد لها الجميع ويشهد لها انتاجها الفكرى اللاهوتى الآبائى؟!.
وننتظر من مجمع الأساقفة اعتماد هذه المؤسسة ضمن المعاهد التعليمية الكنسية، وأن يوفر لها دعماً لوجستياً لتواصل ما انقطع فى مسار البعثات، ويوكل اليها مهمة تنقية التراث ومراجعة التعاليم محل الجدل قياساً على ما توفر لديها من أبحاث آبائية، ودراسات أكاديمية، وخبرات حياتية فى التعامل مع أجيال الشباب، لنصل من خلالها إلى وضع دستور إيمانى وعقيدى وليتورجى موثق ومحقق ومعاصر يدعم انطلاق الكنيسة إلى أجيال متعطشة للتواصل مع كنيسة الآباء.
أدرك أنه عمل شاق ومجهد لكنه بات ضرورياً فى مواجهة طوفان المعلومات التى يبثها الفضاء الإلكترونى بتنويعاته، ويصل إلى كل بيت وإلى اجيال الشباب والذين فى أغلبهم لم يجدوا فى أروقة الكنيسة من يتواصل معهم ويتفاعل معهم، ويقدم لهم منهج الكنيسة وينمى قدراتهم على التفكير واستيعاب حقائق ايمانها.
اليوم وفي الذكري الرابعة لرحيله ( 8 يوليو 2022) نتذكر هذا البناء الصامت والجسور في هدوءه ونذكر له ما قدمه للكنيسة، فكراً وسيرة، وخداماً انتشروا في ربوعها اساقفة وقساوسة ومدنيين ينشرون ما زرعه فيهم من قيم ايمانية ومحبة وتنوير، وندعو أجيال الشباب للتلمذ على ما انتجه وأثرى به المكتبة العربية القبطية.






