
تصاعد وقائع الغش..يفتح ملف الرقابة داخل لجان الثانوية العامة
شهدت امتحانات الثانوية العامة 2026 موجة جديدة من الجدل والغضب، بعد تكرار وقائع الغش الإلكتروني وتداول أسئلة الامتحانات وإجاباتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، في مشهد أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول أسباب استمرار الظاهرة، رغم الإجراءات المشددة التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم للحد منها.
وأثارت الصور المتداولة لأوراق الأسئلة، التي ظهر معظمها فوق “مفرش أصفر”، حالة واسعة من الجدل بين أولياء الأمور والطلاب، بعدما تكرر المشهد في أكثر من مادة، من بينها اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والفيزياء، ليتحول هذا المفرش إلى رمز متكرر لوقائع تداول الامتحانات خلال الموسم الحالي.
وزادت حدة الجدل، بعدما أعلنت وزارة التربية والتعليم، في أكثر من واقعة، ضبط مراقبين داخل لجان امتحانات بتهمة تصوير أوراق الأسئلة أو المساعدة في تداولها إلكترونيًا، وهو ما أعاد النقاش حول دور بعض القائمين على أعمال الامتحانات في تلك الوقائع، خاصة أن وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، كان قد أكد في تصريحات سابقة خلال شهر مايو الماضي أن وقائع تداول الامتحانات تصدر من الطلاب فقط، وليس من المراقبين، الأمر الذي دفع كثيرين إلى تداول عبارة “حاميها حراميها” تعليقًا على الأحداث الأخيرة.

المراقب داخل اللجنة.. “حجر الأساس”
ويؤكد خبراء التربية أن التكنولوجيا وحدها لن تكون كافية للقضاء على الغش الإلكتروني، وأن العنصر البشري يظل العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح منظومة الامتحانات أو فشلها.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عاصم حجازي، الخبير التربوي، أن مواجهة ظاهرة الغش لا يمكن أن تعتمد فقط على الإجراءات التقليدية أو الوسائل التقنية، مشددًا على أن الملاحظ والمراقب داخل اللجنة يمثلان حجر الأساس في الحفاظ على نزاهة الامتحانات.
وأضاف حجازي في تصريح خاص، أن عددًا من وقائع الغش تحدث نتيجة تساهل بعض القائمين على أعمال المراقبة أو ضعف التزامهم بواجباتهم، وهو ما يفتح الباب أمام تجاوزات تؤثر بصورة مباشرة في تكافؤ الفرص بين الطلاب.
وأشار الخبير التربوي إلى أن اختيار الملاحظين يجب أن يتم وفق معايير دقيقة، مع توفير الحماية الكاملة لهم أثناء أداء عملهم، حتى يتمكنوا من تطبيق التعليمات دون التعرض لأي ضغوط أو تهديدات.

القضاء على الغش يحتاج لخطة متكاملة.. وليس مجرد إجراءات أمنية
وأوضح حجازي، أن القضاء على الغش يحتاج إلى خطة متكاملة، وليس مجرد إجراءات أمنية أو عقوبات قانونية، موضحًا أن المجتمع بأكمله مطالب بالمشاركة في مواجهة هذه الظاهرة.
ودعا إلى إطلاق حملات توعوية واسعة لإحياء الضمير المهني وقيم الأمانة، بمشاركة رجال الدين، والشخصيات العامة، والفنانين، إلى جانب إنتاج أعمال فنية ودرامية تركز على قيمة الاجتهاد والاعتماد على النفس، بدلًا من ترسيخ ثقافة النجاح بأي وسيلة.
كما شدد على ضرورة توعية الطلاب بأن الثانوية العامة ليست نهاية الطريق، وأن مستقبلهم لا يتوقف على مجموع الامتحان فقط، وهو ما قد يسهم في تقليل الضغوط النفسية التي تدفع بعضهم إلى التفكير في الغش.

الغش في الامتحانات يعود لمجموعة من الأسباب النفسية والاجتماعية المتراكمة
ومن جانبه، قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي، إن الغش في امتحانات الثانوية العامة لا يرتبط فقط بسهولة استخدام التكنولوجيا، وإنما يعود إلى مجموعة من الأسباب النفسية والاجتماعية المتراكمة.
وأشار شوقي إلى أن ضعف الوازع الديني والأخلاقي لدى بعض الطلاب يعد أحد أبرز الأسباب، إلى جانب الضغوط الأسرية التي تجعل الطالب يخشى رد فعل أسرته إذا حصل على درجات أقل من المتوقع.
وأضاف أستاذ علم النفس التربوي، أن اهتمام كثير من الطلاب بالحصول على الدرجات فقط، بدلًا من اكتساب المعرفة، يدفعهم إلى البحث عن أي وسيلة تضمن لهم النجاح، خاصة مع الخوف من الرسوب أو فقدان حلم الالتحاق بالكليات التي يرغبون فيها.
وأوضح شوقي، أن اعتبار الثانوية العامة “معركة مصيرية” يجعل بعض الطلاب يشعرون بأن أي إجابة خاطئة قد تدمر مستقبلهم بالكامل، وهو ما يزيد مستويات القلق والتوتر داخل اللجان.
النيابة العامة تدخل على خط المواجهة
كما لفت إلى أن بعض الأسر تنقل إلى أبنائها توقعات مرتفعة للغاية، وتفرض عليهم الالتحاق بكليات بعينها، مما يضاعف الضغوط النفسية ويجعل الطالب أكثر استعدادًا للمجازفة بالغش.
وأفاد شوقي بأن إهمال المذاكرة طوال العام الدراسي يدفع بعض الطلاب إلى محاولة تعويض ذلك داخل اللجنة، فضلًا عن تأثير بعض الأصدقاء الذين يروجون لفكرة أن “الجميع يغش”، وأن النجاح أصبح مرتبطًا بالغش أكثر من الاجتهاد.
وفي تطور جديد، دخلت النيابة العامة على خط مواجهة وقائع الغش الإلكتروني، بعدما أمر النائب العام، المستشار محمد شوقي، بحبس عدد من المتهمين أربعة أيام على ذمة التحقيقات، في وقائع تتعلق بتسريب الامتحانات وتسهيل الغش خلال امتحانات الثانوية العامة والثانوية الأزهرية.
وأكدت النيابة العامة، في بيان رسمي، تلقيها عدة بلاغات ومحاضر من الجهات المختصة تضمنت رصد وقائع لنشر أسئلة وإجابات امتحانات الثانوية العامة والثانوية الأزهرية عبر تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب محاولات لتسهيل الغش داخل اللجان وخارجها في عدد من المحافظات.
وأوضحت النيابة العامة استمرار التحقيقات في باقي الوقائع، مشددة على أنها ستتصدى بكل حسم لأي محاولات تستهدف المساس بنزاهة الامتحانات أو الإخلال بحسن سير العملية التعليمية.





