
التقى الرئيس الصيني، شي جين بينج، رئيس وزراء كوريا الشمالية، باك تاي سونج، الذي وصل إلى بكين في وقت سابق من يوم الجمعة الماضي، في زيارة تستغرق ثلاثة أيام لحضور فعالية بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لمعاهدة الصداقة بين البلدين الجارين.
وكان “شي” قد سافر إلى بيونج يانج في أول زيارة له إلى كوريا الشمالية منذ سبع سنوات الشهر الماضي، حيث اتفق مع “كيم” على توسيع التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.
وتعد زيارة باك تاي سونج، أول زيارة رسمية لرئيس وزراء كوري شمالي إلى الصين منذ يونيو 2018، حين رافق باك بونج جو كيم، في قمة مع شي، وقبل تلك الزيارة، كانت آخر زيارة منفردة لرئيس وزراء كوري شمالي هي زيارة تشوي يونج ريم الرسمية إلى الصين عام 2011 للقاء نظيره ون جيا باو، وفقًا لموقع “إن كي برو” لتتبع الوفود.

تصريحات الرئيس “شي”
حث الرئيس الصيني شي جين بينج، الصين وكوريا الشمالية على التمسك بـ”العزم الاستراتيجي” في ظل بيئة عالمية مضطربة، وتسريع تنفيذ الاتفاقيات التي توصل إليها مع “كيم جونج أون” الشهر الماضي، قائلاً إن على الجانبين ضمان مواكبة علاقاتهما للعصر، وأكد “شي” على ضرورة حماية البلدين لسيادتهما وأمنهما ومصالحهما التنموية، حسبما أفادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية.
وقال الرئيس “شي” إن التزام الصين بصداقتها التقليدية مع كوريا الشمالية لن يتغير مهما تطورت الأوضاع الدولية، وذلك وفقًا لرسائل متبادلة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، التي نشرتها وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الرسمية “KCNA” يوم السبت.
ونقل عن “شي” قوله:” بغض النظر عن كيفية تغير الوضع الدولي، سيواصل الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية إيلاء أهمية كبيرة للصداقة التقليدية بين الصين وكوريا الشمالية، وسيواصلان دعم القضية الاشتراكية لكوريا الشمالية بقوة تحت قيادة الأمين العام كيم جونج أون، وسيظلان ملتزمين التزامًا راسخًا بحماية المصالح المشتركة لكلا البلدين وبيئة استراتيجية مواتية”.

العلاقات الصينية – الكورية الشمالية
غالبًا ما تصف القيادة الصينية علاقة بكين ببيونج يانج بأنها وثيقة كالشفتين والأسنان، ولكن على الرغم من دفء العلاقات الثنائية الظاهري، إلا أن هذه العلاقة محكومة قبل كل شيء بالضرورة الاستراتيجية.
فلا تزال معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة الموقعة في يوليو 1961، والتي وقعت في عهد رئيس الوزراء الصيني آنذاك “تشو إنلاي”، والزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونج، هي الاتفاقية الدفاعية المشتركة الوحيدة النشطة للصين، كما أنها التحالف العسكري الرسمي الوحيد للصين، مما يؤكد أهمية المعاهدة.
وخلال السنوات الخمس والستين الماضية، تحولت الصين من دولة ثورية فقيرة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بينما لا تزال كوريا الشمالية معزولة وخاضعة لعقوبات مشددة، ومع ذلك صمد تحالفهما أمام ويلات الحرب الباردة، وانفتاح الصين الاقتصادي على العالم، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وعقود من التوتر بسبب برنامج بيونغ يانغ النووي.

أسباب صمود التحالف الصيني الكوري الشمالي
التاريخ المشترك
توطدت العلاقات الصينية الكورية الشمالية خلال الحرب الكورية، عندما تقدمت القوات بقيادة الولايات المتحدة نحو الحدود الصينية عام 1950، وأرسلت بكين مئات الآلاف من الجنود إلى كوريا الشمالية، أطلقت بكين عليهم اسم “المتطوعين” لكنهم قاتلوا تحت القيادة الصينية وتكبدوا خسائر فادحة، ولا يزال هذا التاريخ المشترك محوريًا في الرواية الرسمية، وكثيرًا ما يصف القادة الصينيون والكوريون الشماليون هذه الصداقة بأنها “مختومة بالدماء”.
الإرث الأيديولوجي
كلا الدولتان اشتراكيتان ذات نظام الحزب الواحد، تتشكان بشدة في النفوذ الغربي، وتعارضان وجود القوات الأمريكية في شبه الجزيرة الكورية، وتتهمان واشنطن باستخدام التحالفات والعقوبات والضغط العسكري لاحتواء الدول التي ترفض الاعتراف بسلطتها.
إلا أن التقارب الأيديولوجي له حدود، فالصين تتبنى الاستثمار الأجنبي والمشاريع الخاصة والتجارة العالمية، وتقدم بكين نفسها كشريك دولي موثوق وقائد لدول الجنوب، بينما انعزلت كوريا الشمالية إلى حد كبير عن العالم، كما أن بكين تسعى للاستقرار، بينما تستغل بيونغ يانغ عدم الاستقرار لجذب الانتباه أو كسب النفوذ أو انتزاع التنازلات.
الاستقرار فوق القوة
تسعى الصين إلى وجود كوريا شمالية مستقرة عن وجود كوريا شمالية قوية، كما لا ترغب بكين في انهيار الحكومة الكورية الشمالية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدفق أعداد هائلة من اللاجئين عبر حدودها الممتدة على مسافة 1400 كيلومتر، لذلك تشكل كوريا الشمالية منطقة عازلة استراتيجية بين الصين والوجود الأمريكي في المنطقة، كما لا ترغب بكين أيضًا في الحرب، لأنها ستعطل التجارة في المنطقة، وقد تؤدي إلى أزمة نووية على أعتاب الصين.
تضارب مواقف بكين تجاه بيونج يانج
أيدت الصين في الماضي عقوبات الأمم المتحدة ضد برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية الباليستية، بينما عارضت في الوقت نفسه إجراءات ترى أنها قد تزعزع استقرار الحكومة، كما أنها تواصل توفير شريان حياة اقتصادي حيوي لبيونغ يانغ بصفتها أكبر شريك تجاري لها، وفقاً لوزارة الخارجية الصينية، تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 2.7 مليار دولار أمريكي العام الماضي، وقد شهدت التبادلات عبر الحدود زخمًا متزايدًا هذا العام مع إعادة فتح المعابر الحدودية بالكامل واستئناف رحلات الطيران المدني وخدمات قطارات الركاب الدولية، فالصين تريد احتواء النظام الكوري الشمالي والحفاظ على استقراره، لا أن تحاصره أو تشعره باليأس.

أين تقف بيونج يانج؟
غيرت علاقة بيونج يانج المتنامية مع موسكو موازين القوى، حيث وقعت كوريا الشمالية وروسيا في عام 2024 معاهدة شراكة استراتيجية شاملة، تتضمن بندًا للدفاع المشترك، ومنذ ذلك الحين، تعمق التعاون العسكري والسياسي بين البلدين بشكل كبير، وتمثل موسكو شريكًا قويًا آخر لبيونغ يانغ، ومساحة أكبر للمناورة وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية وموارد الطاقة والعملات الصعبة.
بالنسبة لبكين، يعد هذا الأمر مفيدًا ومقلقًا في آن واحد، فموسكو بإمكانها تخفيف العبء الاقتصادي لدعم بيونج يانج وتعزيز جبهة أوسع في مواجهة النفوذ الأمريكي، لكن توثيق العلاقات العسكرية بين موسكو وبيونج يانج قد يشجع طموحات كيم النووية ويفاقم من عدم الاستقرار في شمال شرق آسيا، تلك المنطقة التي تعتبرها بكين فنائها الخلفي، والأهم من ذلك، أن الصين لا ترغب في فقدان نفوذها على الحكومة الكورية الشمالية لصالح روسيا.

التهديدات المشتركة
يدفع الوضع الأمني الإقليمي بكين وبيونج يانج إلى التقارب، لاسيما مع تعزيز الولايات المتحدة لتعاونها العسكري مع كوريا الجنوبية واليابان.
كما زادت طوكيو من إنفاقها الدفاعي في الفترة الأخيرة، الأمر الذي يثير استياء بكين بسبب مخاوفها التقليدية من توسع اليابان، في الوقت نفسه لا تزال كوريا الجنوبية تستضيف عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، وهو ما تعتبره الصين جزءًا من جهد تقوده الولايات المتحدة لاحتوائها، أما كوريا الشمالية فترى في هذه التحركات استعدادًا للحرب.
ورغم اختلاف تصورات الصين وكوريا الشمالية للتهديدات، إلا أنها تتداخل، ولذلك ركزت بكين على إظهار جبهة موحدة قوية مع بيونغ يانغ، حتى مع توسيع علاقاتها في أماكن أخرى.
تعمل بكين على إعادة بيونج يانج إلى أحضانها بعد أن جمدت جائحة كوفيد-19 التبادلات، وشهدت العلاقات بين الصين وكوريا الشمالية تحسنًا ملحوظًا منذ أواخر عام 2025، حيث كثف الجانبان جهودهما الدبلوماسية واستأنفا خدمات قطارات الركاب والرحلات الجوية المباشرة بين عاصمتيهما.
وبينما تواصل بكين تعزيز نفوذها الدبلوماسي وتسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي نحو نظام ثنائي قطب هجين أو متعدد الأقطاب، تكون الهيمنة للولايات المتحدة وحلفائها أقل، تستغل كوريا الشمالية علاقاتها الوطيدة مع روسيا لجذب الصين إليها، وتوسيع نطاق مناوراتها السياسية والدبلوماسية، لذا على بكين أن توازن بدقة بين الوقوف إلى جانب كوريا الشمالية في معارضة ما تعتبره هيمنة غربية، وبين النأي بنفسها عن السلوكيات التي جعلت من بيونج يانج دولة منبوذة.





