أحمد السيد
أحمد السيد

حين تتحول المعارضة إلى محكمة

عن المكارثية السياسية واختبارات النقاء داخل المعارضة

أخطر ما يمكن أن يحدث للمعارضة ليس أن تخسر انتخابات أو أن تضيق أمامها المساحات؛ فهذه خسائر يمكن تعويضها، الخطر الحقيقي يبدأ عندما تفقد قدرتها على إقناع الناس بأنها مختلفة، فيصبح خطابها عن الديمقراطية أوسع من ممارستها، وحديثها عن قبول الاختلاف أكبر من قدرتها على احتماله، ومطالبتها بالعدالة أشد من استعدادها لتطبيق المعيار نفسه حين يصل الدور إلى حليف أو صديق داخل المعسكر.

عندها لا تعود المشكلة في الخصوم وحدهم، بل في ممارسات المعارضة نفسها، وهنا يظهر السؤال الأصعب، هل نريد فعلاً حياة سياسية تقوم على القواعد، أم نريد فقط أن نكون الطرف الذي يملك حق تعريف الصواب والخطأ، ومنح شهادات المعارضة والوطنية أو سحبها؟.

هناك فارق بين المعارضة التي تستند إلى موقف أخلاقي، والمعارضة التي تتحول إلى محكمة أخلاقية، الأولى تقول إن هناك حقوقًا لا يجوز انتهاكها، وقواعد يجب أن تسري على الجميع، ومواطنًا لا يفقد حقوقه لأنه خصم، أما الثانية فتبدأ من تصنيف الأشخاص بحسب مواقعهم من المعسكر، لا بحسب أفعالهم، هذا معارض حقيقي وذاك مزيف، هذا نقي وذاك ملوث، وهذا يمكن أن نغفر له لأنه منا، بينما لا تكفي الآخر ألف مراجعة لأنه وقف يومًا في المعسكر المقابل.

ومن هنا يبدأ ما يمكن وصفه بالمكارثية السياسية أو الأخلاقية، أستعير المصطلح من التجربة الأمريكية التي ارتبطت بحملات قامت على الشبهة، والذنب بالارتباط، وامتحانات الولاء، وأدت إلى الإقصاء وتشويه السمعة قبل إثبات مسؤولية فردية واضحة، وأستخدمه لوصف عقلية تستبدل تقييم الأفعال بتصنيف الأشخاص، وتحول الاختلاف إلى شبهة، والعلاقات السياسية إلى أدلة إدانة، والمراجعة إلى ذنب لا يسقط.

في هذا المنطق يصبح السؤال عن الموقف سؤالاً عن الولاء، والدفاع عن حق الخصم دليلاً على الانتماء إليه، والصورة مع شخص مادةً للاتهام، والمشاركة في حدث قرينة، والصمت عن بيان تهمة، ومنذ سنوات تحمل الحياة السياسية المصرية أرشيفًا من اختبارات النقاء، أين كنت في يناير؟ ماذا فعلت في 2012؟ كيف رأيت 30 يونيو؟ ماذا قلت عن 3 يوليو؟ هل شاركت أم قاطعت؟ وكأن كل من يدخل المجال السياسي مطالب بأن يثبت أنه اتخذ الموقف الصحيح، في اللحظة الصحيحة، وبالكلمات الصحيحة، طوال سنوات لم يتوقف فيها المجتمع نفسه عن التغير.

لا أقول إن الماضي لا يهم؛ فالمواقف تخضع للمحاسبة، والقرارات لها أثمان، ومن مارس فسادًا أو حرض على عنف أو شارك في انتهاك لا تبرئه مجرد مضي السنوات، لكن هناك فرقًا بين المحاسبة وصناعة صحيفة سوابق سياسية لا تسمح بالمراجعة، فالمحاسبة تسأل عما فعله الإنسان، وتبحث عن مسؤوليته عن فعل محدد، وتقبل أن يعيد النظر في موقفه. أما المكارثية فتسأل عمن وقف معه وإلى أي معسكر انتمى، وتحتاج إلى إبقائه مذنبًا إلى الأبد، لأنها تبني وجودها على استبعاد الآخرين، لا على الاحتكام إلى قاعدة عامة.

وعندما تقع المعارضة في هذا المنطق تضيق دائرتها بيديها؛ فيصبح كل خلاف سببًا لخروج شخص، وكل اجتهاد مختلف انحرافًا، وكل تسوية موضع شبهة، وكل مشاركة محتاجة إلى شهادة براءة، وفي النهاية لا تتكون معارضة واسعة تستطيع جمع المختلفين، بل مجموعات صغيرة ترى كل واحدة منها أنها الأكثر نقاءً ووفاءً للمبدأ.

وربما كانت هذه واحدة من أكبر مشكلات المعارضة المصرية، أنها تتعامل أحيانًا مع السياسة كما لو أن مهمتها إثبات أنها على حق، لا بناء القوة اللازمة لتحويل ما تراه حقًا إلى واقع. فقد تكون على حق وتظل عاجزًا، وتكتب أفضل بيان من دون أن تغير قرارًا، وتتخذ أنقى موقف من دون أن تقنع مواطنًا جديدًا، وقد ترفض كل تسوية حفاظًا على نقاء صورتك، ثم تكتشف أنك لم توسع نفوذك ولم تغير شيئًا خارج دائرتك.

في السياسة لا تكفي سلامة المبدأ وحدها؛ فقيمته تظهر أيضًا في قدرته على أن يجد طريقه إلى الواقع ويصنع أثرًا، وهذه ليست دعوة إلى التخلي عن المبادئ، بل إلى إدراك أن المبدأ الذي لا يملك تصورًا للتنظيم والتأثير وبناء التحالفات قد يبقى موقفًا محترمًا، لكنه لا يصبح مشروعًا قادرًا على التغيير، وعندما تعجز المعارضة عن الإنجاز قد تجد في التفوق الأخلاقي تعويضًا سهلاً، فتفسر الفشل بوصفه ثباتًا، والعزلة بوصفها نقاءً.

أما الوجه الآخر للأزمة فهو ازدواجية المعايير، وهي تقوض أهم ما تملكه المعارضة .. المصداقية، ينبغي أن يصدق المواطن أن اعتراضها على الظلم لا يتغير بحسب هوية من يمارسه، وأن دفاعها عن القانون لا ينتهي حين يصل إلى أحد حلفائها، وأن دفاعها عن حرية التعبير لا يقتصر على حرية من يقول ما تحب سماعه.

المصداقية تبدأ عندما يصبح للمبدأ ثمن؛ حين تدافع عن حق إنسان لا تحبه، وتعترف بخطأ شخص قريب منك، وترفض تجاوزًا يحقق لك منفعة، وتقبل نتيجة داخل حزبك لا تعجبك، وتسمح لصوت معارض داخل المعارضة نفسها بأن يتكلم من دون أن يتحول إلى متهم، أما أن نطالب الآخرين بما لا نقبله على أنفسنا، فهذه ليست معارضة جديدة، بل إعادة إنتاج لثقافة قديمة في ثوب جديد.

ثم تأتي المسألة التي تكشف كل شيء، كيف نتعامل مع الخطأ عندما يكون صاحبه منا؟ خطأ الخصم يكشف عندنا ”طبيعته“، أما خطأ الحليف فله دائمًا سياق؛ الخصم يناور والحليف يراعي الظروف، والخصم يساوم والحليف يمارس الواقعية. المشكلة تبدأ عندما نستطيع توقع موقفنا قبل معرفة الوقائع، فقط لأننا عرفنا اسم الشخص. عندها لا نكون أصحاب معيار، بل أصحاب معسكر.

والناس تفهم هذا التناقض، حتى إن لم تقرأ كل بيان، ومن هنا تتكون الجملة الأخطر، ”كلهم مثل بعض“. وهذه ليست هزيمة لشخص أو حزب، بل هزيمة لفكرة البديل نفسها، فالمعارضة لا تحتاج إلى أن تكون مجموعة من الملائكة، لكنها تحتاج إلى أن تكون قابلة للتصديق، وأن يعرف المواطن أن هناك قواعد لن تغيرها حسب المصلحة.

وهذه هي قيمة الاتساق، لا يعني الاتساق اتخاذ الموقف نفسه في كل ظرف، وإنما استخدام المعيار نفسه في الظروف المختلفة، يمكنك أن تشارك اليوم وتقاطع غدًا، لكن عليك أن تشرح ما الذي تغير، ويمكنك أن تغير رأيك، لكن عليك أن تعترف بأنك غيرته؛ فالمصداقية لا تعني الجمود، بل الصراحة.

والسياسة التي لا تستطيع استقبال المراجعين لا تستطيع التوسع. هناك أفعال لا تسقط بالمراجعة وحدها، وجرائم تحتاج إلى عدالة ومحاسبة، لكن هناك أيضًا أخطاء سياسية، ورهانات فشلت، وأشخاص تعلموا وغيروا مواقفهم. ولسنا في حاجة إلى محو الذاكرة، بل إلى منعها من التحول إلى سجن.

المعارضة التي نحتاجها ليست التي لا تخطئ، بل التي لا تخاف من مواجهة خطئها؛ وليست التي لا تختلف، بل التي تعرف كيف تدير اختلافها؛ وليست التي تجمع الأكثر تشابهًا، بل التي تستطيع جمع المختلفين على قواعد واضحة لا تتغير بتغير الأشخاص.

فالأزمة ليست في أن تستخدم المعارضة خطابًا أخلاقيًا؛ فالسياسة بلا أخلاق تتحول إلى صراع على الغنيمة، الأزمة أن تتحول الأخلاق إلى سلاح نحاكم به الآخرين، ثم نضعه جانبًا عندما يبدأ في محاسبتنا، المعارضة لا تحتاج إلى محكمة جديدة، بل إلى قاعدة، ومؤسسة، ومراجعة، ومعيار لا يعرف أسماءنا قبل أن يصدر حكمه.

هذا هو الاختبار الحقيقي؛ ليس اختبار خصومنا، بل اختبارنا نحن.