مقالات

اللاجئون بين مقصلة الحروب وقسوة الشعوب


في الأيام الأخيرة، أشاهد البعض يتحدث عن اللاجئين وكأنهم استيقظوا ذات صباح وقرروا ترك بيوتهم وأعمالهم وذكرياتهم، وحمل أطفالهم والعبور إلى بلد آخر بحثًا عن سرير في مستشفى حكومي أو رغيف خبز مدعوم.

تسمع من يقول: «بياخدوا مكان المصريين في المستشفيات»، وآخر يقول: «بيستفيدوا من الدعم»، وثالث يختصر أزمة الاقتصاد وارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات في جملة واحدة: «اللاجئين هما السبب».

وهنا يصبح السؤال ضروريًا: هل فعلًا اللاجئ هو من أوصلنا إلى هنا؟

هل اللاجئ هو من اقترض وأدار الدين العام؟

هل هو من وضع السياسات الاقتصادية؟

هل هو من قرر أولويات الإنفاق؟

هل هو المسؤول عن تراجع مستوى بعض المستشفيات والمدارس والخدمات العامة؟

وهل كانت هذه الخدمات في أفضل حالاتها قبل وصول اللاجئين؟

من السهل جدًا عندما تضيق الحياة بالناس أن تبحث عن شخص أضعف منها وتحمله المسؤولية. والأضعف هنا هو الغريب؛ إنسان بلا نفوذ، ولا سلطة، ولا قدرة على الدفاع عن نفسه، وربما لا يملك أصلًا بيتًا يعود إليه.

وهكذا، بدلًا من أن تتجه الأسئلة إلى الحكومة وسياساتها وإدارتها للاقتصاد والديون والخدمات العامة، تتحول الأنظار إلى اللاجئ السوري أو السوداني أو اليمني أو غيره، وكأن الرجل الذي هرب من الحرب هو الذي وضع الموازنة العامة للدولة.

هذا لا يعني أن ملف اللاجئين بلا تكلفة، ولا أن الدولة مطالبة بفتح أبوابها بلا تنظيم أو حساب لقدرتها على الاستيعاب. من حق أي دولة أن تعرف من يعيش على أرضها، وأن تنظم الإقامة، وأن تحسب تكلفة الخدمات، وأن تطالب المجتمع الدولي بتحمل نصيبه من أعباء استضافة الفارين من الحروب.

ومن حق المواطن المصري قبل كل شيء أن يجد مستشفى محترمًا ومدرسة جيدة ودواءً وخدمة عامة تليق بما يدفعه من ضرائب ورسوم.

لكن حق المواطن لا يحتاج إلى صناعة عدو من اللاجئ. وهنا توجد نقطة أخطر يجب الانتباه إليها:

من المستفيد من تحويل العلاقة بين المصريين واللاجئين إلى معركة كراهية يومية؟

على مواقع التواصل الاجتماعي نرى أحيانًا مقاطع لأشخاص من جنسيات مختلفة يسيئون إلى مصر أو المصريين. هؤلاء موجودون، والإساءة إلى مصر مرفوضة أيًا كانت جنسية صاحبها، ومن يخالف القانون أو يتجاوز في حق البلد الذي يستضيفه يجب أن يتحمل مسؤوليته باعتباره شخصًا، لا باعتباره ممثلًا لملايين البشر.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُنتقى نموذج شاذ، ثم يُعاد نشره عشرات ومئات المرات تحت عناوين من نوع: «شوفوا اللاجئين اللي في بلدنا بيقولوا علينا إيه». فجأة يتحول فرد إلى شعب، وتصرف شخص إلى موقف جنسية كاملة.

ثم يأتي الطرف الآخر بمنشور أو فيديو مسيء من مصري، ويقدمه بالطريقة نفسها، فتبدأ دائرة لا تنتهي: إساءة يقابلها تعميم، والتعميم يولد إساءة جديدة، وكل طرف يجمع أسوأ ما لدى الطرف الآخر ليؤكد لنفسه أنه كان محقًا في كراهيته.

وهنا علينا أن ننتبه جيدًا؛ لأن هناك دائمًا من يمكنه الاستفادة من تعميق الخلافات بين الشعوب، سواء كانت حسابات تبحث عن الانتشار والتفاعل، أو حملات منظمة، أو أطرافًا لها مصالح سياسية. ولا ينبغي أن نتحول، دون أن ندري، إلى أدوات مجانية لأي أجندة تستفيد من ضرب علاقة مصر بمحيطها العربي والأفريقي.

مصر لا تخسر فقط عندما يكرهها الآخرون؛ مصر تخسر أيضًا عندما تفقد قدرتها على التأثير فيهم.

قوة مصر تاريخيًا لم تكن في حدودها وجيشها ومؤسساتها فقط، وإنما في مكانتها داخل وجدان المنطقة، وفي قدرتها على أن تكون مركزًا عربيًا وأفريقيًا يلجأ إليه الناس في أوقات الأزمات. وتحويل كل وافد إلى خصم وكل شعب إلى عدو محتمل لا يحمي مصر، بل قد يستهلك جزءًا من رصيدها وتأثيرها.

وهذا لا يعني التسامح مع من يسيء إلى مصر. من يسيء يُحاسب، ومن يخالف القانون يُحاسب، ومن يقيم على أرض الدولة يلتزم بقوانينها ويحترم مجتمعها. لكن الحساب يجب أن يكون للفرد على فعله، لا لشعب كامل على جنسية فرد.

إذا كانت هناك ضغوط إضافية على الصحة أو التعليم أو السكن، فالحل هو الإدارة والتمويل والتنظيم، وليس التحريض على إنسان هرب من بلد قد يكون فقد فيه منزله أو عمله أو أحد أفراد أسرته.

والأخطر أن خطاب تحميل اللاجئين مسؤولية كل شيء يمنح الحكومات هدية مجانية؛ فبدلًا من مناقشة أصل المشكلة، ينشغل المواطن واللاجئ في صراع بينهما، بينما يخرج المسؤول الحقيقي عن إدارة السياسات من دائرة السؤال.

المصري الذي يعاني من الغلاء ليس عدوًا للسوداني الذي هرب من الحرب، والسوري الذي فقد بيته ليس المسؤول عن أزمة الدين المصري، واليمني الذي يبحث عن الأمان لم يضع السياسات الاقتصادية التي نعيش نتائجها اليوم.

كلهم في النهاية بشر تحاصرهم أزمات لم يصنعها معظمهم.

قد نختلف حول أعداد اللاجئين، وطريقة إدارتهم، ومن يتحمل تكلفة وجودهم، وهذه مناقشة مشروعة وضرورية. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تقول: «نريد سياسة هجرة ولجوء واضحة تحفظ حقوق المصريين وقدرة الدولة»، وبين أن تقول لإنسان هارب من الحرب: «أنت سبب فقري». الجملة الأولى سياسة. أما الثانية بحث عن كبش فداء.

نحن شعب عرف معنى أن يفتح بيته للغريب، وعرفت مصر عبر تاريخها معنى أن تكون ملجأً لمن ضاقت بهم بلادهم. وليس مطلوبًا منا أن ندفع ثمن أزمات العالم من قوت أبنائنا، لكن ليس من العدل أيضًا أن ندفع فاتورة أخطاء السياسات من إنسان فقد وطنه.

حاسبوا الحكومة على سياساتها، وطالبوا المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته، ونظموا ملف اللاجئين بما يحفظ حق الدولة والمواطن والضيف. وحاسبوا المسيء على إساءته، لكن لا تسمحوا لأحد أن يحوّل استثناءً إلى قاعدة، أو فردًا إلى شعب، أو فيديو إلى معركة بين أمتين.

فمن هرب من مقصلة الحرب، لا ينبغي أن يجد نفسه تحت سندان شعب يبحث، هو الآخر، عمن يحمّله ثمن أزماته.

ولا تجعلوا خلافًا يصنعه أفراد، أو يشعله أصحاب مصلحة، يحرق رصيد مصر بين الشعوب.

زر الذهاب إلى الأعلى