قبل أن نحكم على بريكس: ماذا حدث فعلًا في mBridge؟ وماذا يُعني ذلك لمصر؟
في الساعات الأخيرة انتشر حديث واسع عن «انسحاب السعودية من بريكس»، وربط هذا الانسحاب بخروج المملكة من منصة mBridge، ثم بُنيت على ذلك مجموعة من الاستنتاجات الأكبر: أن mBridge هي منصة بريكس البديلة لنظام SWIFT، وأن خروج السعودية يمثل ضربة لبريكس، وأن الرياض أدركت عدم جدوى تجربتها مع التجمع فعادت إلى الولايات المتحدة، وأن هذا التطور قد يعيد تشكيل موازين القوى بين واشنطن وبكين.
المشكلة هنا ليست في طرح هذه الأسئلة للنقاش، وإنما في أن بعض هذه العبارات تخلط بين الخبر والواقع الفني، وبين التحليل والاستنتاج السياسي. ولذلك، فإن التعامل مع ملف بهذا الحجم يحتاج إلى العودة أولًا إلى ما حدث بالفعل، قبل الانتقال إلى تفسيره.
mBridge ليس مشروعًا تابعًا لبريكس
نعم، السعودية أنهت مشاركتها في مشروع mBridge، لكن وصف ما حدث بأنه «انسحاب السعودية من منصة بريكس البديلة لـSWIFT» غير دقيق.
فمشروع mBridge هو مشروع تابع لمركز الابتكار التابع لبنك التسويات الدولية، وشارك فيه بنك التسويات الدولية مع عدد من البنوك المركزية، من بينها الصين وهونغ كونغ وتايلاند والإمارات، وانضم البنك المركزي السعودي إلى المشروع عام 2024. وقد وصل المشروع إلى مرحلة المنتج الأدنى القابل للتطبيق في منتصف عام 2024، بهدف اختبار منصة متعددة العملات الرقمية للبنوك المركزية للمدفوعات والتسويات العابرة للحدود.
إذن نحن أمام مشروع تقني مهم في تطور البنية المستقبلية للمدفوعات الدولية، لكنه ليس مشروعًا تابعًا لبريكس.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة في استخدام المصطلحات. فوجود عدد من دول بريكس ضمن مشروع أو مبادرة مالية دولية لا يجعل هذه المبادرة تلقائيًا «مشروع بريكس».
هل mBridge هو بديل لـSWIFT؟
هذه أيضًا تحتاج إلى قدر من التدقيق.
mBridge يستهدف معالجة بعض أوجه القصور في المدفوعات العابرة للحدود، ومنها ارتفاع التكلفة وبطء التسوية وتعقيد العمليات، من خلال استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية وتكنولوجيا دفتر الأستاذ الموزع.
وهذا يجعل المشروع مهمًا عند دراسة مستقبل النظام المالي الدولي، خصوصًا مع الاتجاه إلى تطوير وسائل دفع وتسوية أكثر سرعة وتنويعًا.
لكن الانتقال من ذلك إلى القول إن mBridge هو «SWIFT جديد» أو «البديل الذي أنشأه بريكس» هو اختزال لتطور تقني ومالي معقد في عبارة واحدة لا تعكس طبيعة المشروع.
ومن المهم هنا التمييز بين إمكانية أن تسهم مثل هذه التقنيات مستقبلًا في تقليل بعض أشكال الوساطة أو تنويع طرق التسوية الدولية، وبين القول إن نظامًا عالميًا بديلًا لـSWIFT قد أُنشئ بالفعل.
وماذا عن «تجميد» السعودية لعضويتها في بريكس؟
هنا أيضًا توجد حاجة إلى التفريق بين المشاركة في أنشطة التجمع وبين استكمال العضوية الرسمية.
السعودية دُعيت إلى الانضمام إلى بريكس ضمن التوسع الذي أُعلن في قمة جوهانسبرج عام 2023، بينما انضمت مصر رسميًا إلى التجمع في يناير 2024. كما أن الوثائق الرسمية لبريكس في فترات سابقة أدرجت السعودية ضمن الدول الأعضاء.
لكن وضع السعودية مرّ منذ ذلك الوقت بدرجة من الغموض فيما يتعلق باستكمال إجراءات العضوية وممارستها بصورة مماثلة لبقية الأعضاء.
ولذلك فإن التعبير الأدق ليس أن السعودية «خرجت اليوم من بريكس» بسبب خروجها من mBridge، لأن الواقعتين ليستا شيئًا واحدًا.
وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن انتهاء مشاركة السعودية في مشروع تقني محدد لا يساوي تلقائيًا انسحابها من تجمع اقتصادي وسياسي أوسع.
هل يعني ذلك أن السعودية أدركت أن بريكس بلا فائدة؟
لا توجد في واقعة mBridge وحدها أدلة كافية تسمح بهذا الاستنتاج.
البنك المركزي السعودي أعلن في يونيو 2024 انضمامه إلى مشروع mBridge للمشاركة في اختبار المنتج الأدنى القابل للتطبيق، بينما يشير توصيف المشروع من جانب بنك التسويات الدولية إلى أنه مشروع تجريبي وتطويري في مجال المدفوعات العابرة للحدود.
وبالتالي، فإن انتهاء مشاركة السعودية في المشروع لا يثبت بمفرده أنها «أدركت فشل بريكس»، ولا يثبت أنها اتخذت القرار بسبب رغبة في العودة إلى الولايات المتحدة.
قد تكون هناك اعتبارات مالية أو تقنية أو مؤسسية أو استراتيجية أوسع، لكن التمييز بين ما نعرفه وما نستنتجه أمر أساسي في أي تحليل اقتصادي جاد.
وهل يمثل خروج السعودية من mBridge ضربة لبريكس؟
هنا أيضًا يجب ألا نخلط بين أهمية السعودية وبين طبيعة المشروع.
السعودية دولة ذات ثقل اقتصادي ومالي كبير، ولذلك فإن مشاركتها في أي مشروع متعلق بالمدفوعات الدولية لها أهمية تستحق المتابعة.
لكن هذا لا يعني أن انتهاء مشاركتها في mBridge يمثل تلقائيًا ضربة لبريكس، لأن mBridge ليس مشروعًا مؤسسيًا تابعًا للتجمع أصلًا.
والأهم أن السؤال الحقيقي ليس: هل خرجت دولة من مشروع واحد؟.
بل: هل تتراجع بالفعل قدرة بريكس على بناء آليات اقتصادية ومالية جديدة؟.
وهذا سؤال مختلف يحتاج إلى مؤشرات أوسع بكثير من واقعة واحدة.
وماذا عن الولايات المتحدة والصين؟
من أكثر الاستنتاجات اتساعًا أن خروج السعودية من mBridge يعني تغير موازين الصراع الأمريكي الصيني لصالح واشنطن.
لكن موازين القوة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين لا يمكن قياسها من خلال مشروع واحد أو قرار دولة واحدة.
فالمشهد الاقتصادي الدولي يتشكل من مجموعة كبيرة من المتغيرات، تشمل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة والتمويل والعملات والبنية التحتية والتحالفات الاقتصادية.
لذلك فإن الانتقال من «السعودية أنهت مشاركتها في mBridge» إلى «موازين القوة تغيرت لصالح أمريكا» يتطلب أدلة وتحليلًا أوسع بكثير.
وهنا تظهر أهمية عدم تحويل كل تطور مالي إلى استنتاج جيوسياسي شامل.
لكن السؤال الأهم ليس عن السعودية… بل عن مصر
بعد كل هذا التصحيح، أعتقد أن هناك سؤالًا أهم بكثير بالنسبة لنا في مصر:
هل تضيف عضوية بريكس قيمة اقتصادية حقيقية لمصر، أم أنها مجرد حضور إعلامي؟
وهنا يجب ألا نبحث عن الإجابة في موقف السعودية أو أي دولة أخرى.
الإجابة يجب أن تأتي من الأداء الاقتصادي المصري نفسه.
فمصر انضمت رسميًا إلى بريكس في يناير 2024، ومنذ ذلك الوقت شهدت العلاقات التجارية مع دول التجمع نموًا واضحًا. فقد ارتفع حجم التجارة بين مصر ودول بريكس من نحو 45 مليار دولار عام 2024 إلى 53.5 مليار دولار عام 2025، بينما ارتفعت الصادرات المصرية إلى دول التجمع من نحو 9.45 مليار دولار إلى 13.77 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
وهذه أرقام مهمة، لكنها تحتاج إلى قراءة علمية دقيقة.
فارتفاع التجارة بعد الانضمام لا يعني تلقائيًا أن العضوية نفسها هي السبب الوحيد وراء هذا الارتفاع؛ لأن التجارة تتأثر بأسعار السلع، وسعر الصرف، والطلب الخارجي، واتفاقيات التجارة، والاستثمارات، والظروف الاقتصادية الدولية، وغيرها من العوامل.
لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن هناك علاقة اقتصادية متنامية بين مصر ودول بريكس، وأن هذه الأسواق تمثل مساحة حقيقية يمكن لمصر أن تعمل على تعظيم الاستفادة منها.
وهنا يصبح السؤال أكثر نضجًا من مجرد «هل بريكس مفيد أم لا؟».
السؤال هو: ماذا حققت مصر بالفعل من عضويتها، وماذا يمكن أن تحقق إذا أحسنت استخدام هذه العضوية؟
العضوية وحدها لا تصنع المكسب
بريكس لا يستطيع أن يصنع صادرات مصرية بدلًا من الشركات المصرية، ولا يستطيع أن يجذب الاستثمار بدلًا من تحسين البيئة الاستثمارية، ولا يستطيع أن يخفض تكلفة التمويل بمجرد وجود اسم مصر في قائمة الأعضاء.
العضوية تفتح مساحة للحركة، لكن تحويل هذه المساحة إلى مكاسب يحتاج إلى سياسة اقتصادية واضحة.
وهنا ينبغي أن نقيس العائد من خلال مجموعة من الأسئلة البسيطة والمباشرة:
هل زادت الصادرات المصرية ذات القيمة المضافة إلى أسواق بريكس؟.
هل نجحنا في جذب استثمارات إنتاجية من دول التجمع؟.
هل تحولت بعض هذه الاستثمارات إلى منصات إنتاج وتصدير من مصر إلى أسواق أخرى؟.
هل حصلت مصر على تمويل لمشروعات تنموية وبنية أساسية؟.
هل ساهم التعاون في نقل التكنولوجيا؟.
هل تحسنت أدوات تسوية التجارة والمدفوعات؟.
وهل انعكست هذه العلاقات على فرص العمل والتنمية المحلية؟.
إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام، عندها نستطيع أن نحكم على العائد الاقتصادي من العضوية بصورة أكثر دقة.
وماذا يعني ذلك بالنسبة للعلاقة المصرية السعودية؟
هنا تحديدًا يجب ألا ندخل في منطق «مع السعودية أم ضد السعودية»، أو «مع بريكس أم ضد أمريكا».
مصر لديها علاقات اقتصادية واستراتيجية مهمة مع السعودية، كما أن لديها علاقات واسعة مع الصين والهند وروسيا والإمارات وغيرها من دول بريكس، إلى جانب علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
ومصلحة مصر ليست في تحويل هذه العلاقات إلى معسكرات متصارعة، وإنما في تنويع الشراكات وتعظيم العائد من كل علاقة.
وإذا كانت مصر تستورد من السعودية أكثر مما تصدر إليها، فإن القضية التي ينبغي أن تشغل صانع القرار المصري ليست فقط متابعة أي تغير في توجهات الرياض، وإنما أيضًا كيفية زيادة قدرة المنتجات المصرية على النفاذ إلى السوق السعودية وتقليل الاختلال التجاري من خلال زيادة الصادرات المصرية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تفقد مصر فرصها في الأسواق والاستثمارات والتمويل والتكنولوجيا التي يمكن أن توفرها علاقاتها مع دول بريكس.
من «هل بريكس مفيد؟» إلى «كيف نستخدم بريكس؟»
ربما يكون هذا هو التحول الأهم في طريقة التفكير.
ليس المطلوب أن نتعامل مع بريكس باعتباره مشروعًا ناجحًا بصورة تلقائية، ولا أن نختزله في كونه مجرد عنوان إعلامي.
المطلوب أن نتعامل معه باعتباره أداة من أدوات السياسة الاقتصادية الخارجية المصرية، ثم نقيس بصورة مستمرة ما إذا كانت مصر تستخدم هذه الأداة بكفاءة أم لا.
فالنجاح لا يقاس بعدد القمم والاجتماعات والبيانات، وإنما بما يتحول منها إلى تجارة واستثمار وتمويل وتكنولوجيا وإنتاج وفرص عمل.
وهنا يمكن لمصر أن تنتقل من مجرد المشاركة في التجمع إلى بناء استراتيجية وطنية واضحة للعائد من العضوية، تتضمن أهدافًا سنوية قابلة للقياس في الصادرات والاستثمار والتمويل ونقل التكنولوجيا والتنمية المحلية.
في النهاية
الدرس الحقيقي من الجدل حول السعودية وmBridge ليس أن بريكس انتصر أو خسر، ولا أن السعودية اختارت معسكرًا ضد آخر.
الدرس الأهم هو أن الاقتصاد الدولي أصبح أكثر تعقيدًا من أن نقرأه بمنطق الاصطفاف الثنائي.
الدول تنوع شراكاتها، وتبحث عن أسواق وتمويل واستثمارات وتكنولوجيا، وتحاول أن تحافظ في الوقت نفسه على أكبر قدر ممكن من المرونة في علاقاتها الدولية.
ومصر أيضًا لديها مصلحة في هذا التنويع.
لذلك، قبل أن نقول إن بريكس «إضافة اقتصادية حقيقية» أو «استهلاك إعلامي»، علينا أن نضع معيارًا واضحًا للقياس.
فالسؤال الصحيح ليس فقط:
هل بريكس يضيف لمصر؟.
بل السؤال الأكثر أهمية:
هل تستخدم مصر بريكس بالقدر الذي يسمح بتحويل عضويتها إلى عائد اقتصادي وتنموي قابل للقياس؟
وهنا تحديدًا يبدأ النقاش الجاد.



