فن ومنوعات

بدأ مع فاتن حمامة ورحل عن الشاشة بـ«هجمة مرتدة».. رحلة هشام سليم من طفل أمام الكاميرا لنجم الشاشة

لم يكن هشام سليم بحاجة إلى أن يبحث طويلا عن أول فرصة أمام الكاميرا، فقد جاءت إليه وهو لا يزال طفلا عندما وقع اختيار فاتن حمامة عليه للمشاركة في «إمبراطورية ميم»، لكن المفارقة أن هذه البداية المبكرة لم تكن إيذانًا بمسيرة فنية متصلة إذ ابتعد عن التمثيل لسنوات، واتجه إلى الدراسة، قبل أن يعود إلى مصر بخطوات أكثر نضجًا ويبدأ في بناء اسمه بعيدًا عن شهرة والده صالح سليم.

وفي 22 سبتمبر 2022، رحل هشام سليم عن عمر 64 عامًا، تاركًا وراءه رحلة فنية امتدت نحو خمسة عقود، تنقل خلالها بين السينما والتليفزيون والمسرح، وقدم شخصيات جعلته واحدًا من الوجوه البارزة في الدراما المصرية.

كيف غيرت فاتن حمامة مصير هشام سليم؟.. بدأ بأمبراطورية ميم وانتهى بهجمة مرتدة - اليوم السابع

فاتن حمامة كانت البداية.. لكنه لم يخطط أن يصبح ممثلًا

المفارقة الأولى في حكاية هشام سليم أن دخوله عالم السينما لم يكن مشروعًا شخصيًا واضحًا منذ البداية.

بحسب ما رواه في لقاءات سابقة، لم يكن يفكر في احتراف التمثيل، رغم مشاركته في عروض المسرح المدرسي، وجاءت فرصته من خلال معرفته بأسرة فاتن حمامة، التي رأت فيه خامة مناسبة وطلبت مشاركته في «إمبراطورية ميم».

وهكذا وجد الطفل نفسه أمام واحدة من أهم نجمات السينما المصرية، في فيلم أخرجه حسين كمال عام 1972، كان الأمر في البداية تجربة جديدة بالنسبة إليه، لكنه لم يكن قد أدرك بعد أن الكاميرا ستصبح جزءًا أساسيًا من حياته.

وشارك هشام سليم في «إمبراطورية ميم» وهو في الثانية عشرة تقريبًا، وقدم أحد أبناء الأسرة التي تقودها شخصية فاتن حمامة.

وبعد سنوات، تحدث هشام عن تلك المرحلة باعتبارها تجربة أكثر من كونها احترافًا؛ فكان يتعامل مع التمثيل وقتها بصورة مختلفة تمامًا عن نظرته إليه بعد أن كبر ودرس الفن، لكن التجربة تركت أثرًا واضحًا، وجاءت بعدها مشاركته في «عودة الابن الضال»  التي كانت محطة أكثر أهمية في تكوينه الفني.

وداعًا هشام سليم.. بدأ نجما مع فاتن حمامة فى "امبراطورية ميم" .. "عودة الابن الضال" مع يوسف شاهين وضعه على أعتاب النجومية .. عادل سليم البدرى أبرز أدواره في الدراما وختم مشواره

يوسف شاهين.. من «عودة الابن الضال» إلى علاقة فنية أكثر تعقيدًا

جمع هشام سليم بالمخرج يوسف شاهين أكثر من لقاء فني، وكانت البداية من «عودة الابن الضال» عام 1976.

وفي حديثه عن التجربة، أشار هشام إلى أن علاقته بالسينما تغيرت مع هذا الفيل،  ففي «إمبراطورية ميم» كان الأمر بالنسبة إليه تجربة، بينما مع «عودة الابن الضال» بدأ يشعر بأنه يتعلم حرفة التمثيل ويكتشف السينما بصورة مختلفة.

ولم تتوقف العلاقة عند هذا الفيلم، فقد جمعهما لاحقًا «إسكندرية كمان وكمان»، ومن كواليس التجربة الثانية تحدث هشام عن أسلوب شاهين في توجيه الممثل، وروى أنه كان يطلب منه النظر إلى عينيه خلف الكاميرا أثناء التصوير، وهو ما جعله يشعر أحيانًا بأنه مقيد في تعبيراته ولا يملك المساحة التي يريدها للتعبير عن الشخصية.

وهذه التفاصيل تكشف جانبًا مختلفًا من علاقته بيوسف شاهين علاقة لم تكن مجرد تعاون بين ممثل ومخرج، وإنما تجربة ساهمت في تشكيل فهمه لأدوات التمثيل والسينما.

هشام سليم: فاتن حمامة سبب دخولي عالم الفن - الوطن

لماذا اختفى عن الفن سنوات؟

بعد بداياته السينمائية، ابتعد هشام سليم عن التمثيل واتجه إلى الدراسة، تخرج في معهد السياحة والفنادق عام 1981، كما درس دراسات حرة في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية في لندن، قبل أن يعود إلى مصر ويستأنف مشواره الفني.

ولم تكن هذه الفترة مجرد غياب عن الأضواء  فقد كانت مرحلة إعداد طويلة عاد بعدها إلى السينما بصورة مختلفة، وبدأ في تقديم أدوار الشباب، بعيدًا عن صورة الطفل الذي عرفه الجمهور في «إمبراطورية ميم».

أنا صالح سليم إنت مين؟".. هشام سليم يحكي عن علقة ساخنة تلقاها من والده | مصراوي

ابن صالح سليم.. الاسم الذي كان يمكن أن يكون عبئًا

كان هشام يحمل اسمًا يصعب تجاهله، فوالده صالح سليم لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، وإنما شخصية جماهيرية كبيرة، كما كانت له تجربة سينمائية محدودة من خلال أفلام «السبع بنات» و«الشموع السوداء» و«الباب المفتوح»، لكن هشام لم يجعل هذه الشهرة تختصر مشواره، احتاج إلى سنوات من العمل حتى يصبح حضوره مرتبطًا بأدواره هو، لا فقط بكونه ابن أحد أشهر نجوم الرياضة المصرية.

ومع الوقت، أصبح هشام سليم اسمًا قائمًا بذاته في الوسط الفني، له اختياراته وشخصياته وجمهوره، وبعد عودته إلى مصر، دخل مرحلة جديدة في السينما وشارك في عدد من الأفلام، من بينها «تزوير في أوراق رسمية»  و«الوباش» و«الملعوب»  و«عندما يتكلم الصمت»، هذه الأعمال ساعدته على تجاوز مرحلة «الطفل الذي بدأ أمام فاتن حمامة»، وتقديم نفسه كممثل شاب قادر على تحمل أدوار أكثر نضجًا، وبالتدريج، بدأ اسمه يترسخ داخل جيل جديد من نجوم السينما.

وداعًا هشام سليم.. رحيل نجم لم يرفع «الراية البيضا» (ملف خاص) | المصري اليوم

«الراية البيضا».. اللحظة التي اتسع فيها جمهوره

في أواخر الثمانينيات، بدأ هشام سليم حضورًا قويًا في الدراما التليفزيونية، وشارك في أعمال مثل «الراية البيضا»، ثم «ليالي الحلمية» و«أرابيسك»، ومع هذه الأعمال، انتقل من مساحة السينما إلى جمهور أوسع بكثير، لم يعد حضوره مرتبطًا فقط بشاشة السينما، بل أصبح واحدًا من الوجوه التي ينتظرها الجمهور في المسلسلات، خصوصًا مع نجاح الدراما المصرية في تلك الفترة.

وداعا هشام سليم.. عادل البدري يلحق بشقيقه «علي» في ليالي الحلمية | الفن | الطريق

«ليالي الحلمية».. الشخصية التي ثبّتت مكانته

كان لـ«ليالي الحلمية» تأثير كبير في مسيرة هشام سليم، خصوصًا من خلال شخصية عادل البدري، وأصبح المسلسل واحدًا من الأعمال التي ارتبط بها اسمه بقوة، إلى جانب «أرابيسك» و«الراية البيضا».

وتكشف هذه المرحلة عن التحول الحقيقي في مسيرته من ممثل بدأ أمام فاتن حمامة إلى نجم أصبح جزءًا من ذاكرة الدراما المصرية، ومن أكثر الجوانب اللافتة في شخصية هشام سليم الفنية أنه لم يكن يسعى إلى الظهور بأي ثمن.

في حوار صحفي، تحدث عن أسباب ابتعاده عن العمل، وقال إنه يرفض المشاركة في أعمال يرى أنها لا تضيف إلى تاريخه، وانتقد ما وصفه بسيطرة العلاقات والشللية على اختيارات بعض الأعمال.

وفي حديث آخر، أوضح أن احترامه لتاريخه الفني كان أحد أسباب ابتعاده، مؤكدًا أنه لا يريد تقديم عمل يراه مسيئًا لمسيرته.

وهنا يمكن فهم بعض فترات غيابه عن الشاشة باعتبارها جزءًا من فلسفته في العمل وليس مجرد توقف عن النشاط الفني.

رغم ارتباط اسمه بقوة بالدراما، فإن هشام سليم ظل حاضرًا في السينما أيضًا.

شارك في أفلام مهمة مثل «الأراجوز» و«إسكندرية كمان وكمان» و«يا دنيا يا غرامي» و«أرض الأحلام» و«العاصفة» و«كلام في الحب» و«الناظر».

وبذلك حافظ على خط فني متنوع، فلم يتحول إلى ممثل تليفزيوني فقط، وإنما ظل يتحرك بين الوسائط المختلفة وفق طبيعة المشروع والدور.

شريهان تودع توأم روحها هشام سليم برسالة مؤثرة | ET بالعربي

المسرح.. جوانب أخرى من التجربة

لم تقتصر تجربة هشام سليم على السينما والتليفزيون، إذ شارك أيضًا في المسرح، ومن أشهر تجاربه «شارع محمد علي» إلى جانب أعمال مسرحية أخرى.

كما خاض تجربة تقديم البرامج، وهو جانب لم يحظَ بالقدر نفسه من الضوء مقارنة بمسيرته كممثل.

وفي إحدى مراحل حياته المهنية، قدم برنامج «حوار القاهرة» على قناة «سكاي نيوز عربية» في تجربة نقلته من الوقوف أمام الكاميرا كممثل إلى التعامل معها كمحاور ومقدم.

هشام سليم عن دوره فى "هجمة مرتدة".. "رفعت المسيري" نموذج للإخلاص وحب الوطن.. ضباط المخابرات بشر زيّنا.. المسلسل يظهر تضحياتهم الكثيرة من أجل مصر.. والعمل يتناول سنوات مهمة فى عمر مصر من

«هجمة مرتدة».. آخر ظهور درامي

كان مسلسل «هجمة مرتدة» الذي عُرض في رمضان 2021، آخر أعمال هشام سليم الدرامية.

شارك في العمل إلى جانب أحمد عز وهند صبري وصلاح عبدالله وماجدة زكي، وكان من تأليف باهر دويدار وإخراج أحمد علاء.

وبعد هذا العمل ابتعد عن الظهور العام، قبل أن يعلن خبر في صباح الخميس 22 سبتمبر 2022، عن عمر 64 عامًا بعد صراع مع مرض السرطان.

رحل هشام سليم بعدما ترك مسيرة امتدت إلى مرورًا بمحطات سينمائية وتليفزيونية ومسرحية عديدة، لكن أكثر ما يميز حكايته ربما أن مشواره لم يكن مجرد رحلة صعود تقليدية بدأ طفلًا في فيلم مع فاتن حمامة وتعلم مبكرًا على يد يوسف شاهين، ثم ابتعد عن الفن ودرس في لندن، وعاد ليبدأ من جديد، بينما كان يحمل اسمًا عائليًا شهيرًا سبق اسمه الشخصي.

وبعد عقود، لم يعد الجمهور يتذكره باعتباره «ابن صالح سليم» فقط، وإنما باعتباره هشام سليم.. الفنان الذي صنع لنفسه مكانًا خاصًا بين نجوم الشاشة المصرية.

زر الذهاب إلى الأعلى