عربي ودولي

البحر الأحمر والقرن الأفريقي إعادة تشكيل النفوذ واختبار الدور المصري 

أفريقيا زمن إعادة الحسابات 

لم تعد التحولات التي يشهدها البحر الأحمر والقرن الأفريقي مجرد أزمات متجاورة يمكن التعامل معها كلُّ على حدة، بل باتت تتداخل ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية للأمن الدولي والإقليمي.

ومن هذه الزاوية، جاء مؤتمر حزب العدل «أفريقيا.. زمن إعادة الحسابات: قراءة في تحولات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومستقبل الدور المصري» ليطرح سؤالًا يتجاوز توصيف الأزمات الراهنة إلى البحث في طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل حول مصر، وما إذا كانت أدوات التعامل التقليدية لا تزال كافية أمام سرعة التحولات الجارية.

واكتسب المؤتمر دلالة إضافية من طبيعة المشاركين والحضور، إذ جمع مسؤولين ودبلوماسيين سابقين، وباحثين ومتخصصين في الشأن الأفريقي، إلى جانب أصوات من داخل الإقليم.

 وشارك في جلساته الدكتور علي يوسف، وزير الخارجية السوداني السابق، والسفير مجدي عامر، مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون دول حوض النيل، والدكتورة أماني الطويل، المتخصصة في الشأن الأفريقي والسوداني، والصحفي الإريتري محمد أبو بكر، والمحلل السياسي السوداني محمد الأمين عبد النبي، والكاتبة الصحفية أسماء الحسيني، إلى جانب عدد من الباحثين والخبراء.

كما شهد المؤتمر حضورًا دبلوماسيًا أفريقيًا ضم ممثلي سفارات إريتريا والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان، إلى جانب قيادات حزب العدل، وفي مقدمتهم رئيس الحزب النائب عبد المنعم إمام، والأمين العام الدكتور أحمد دراج، ونائب رئيس الحزب عبد الغني الحايس، وعدد من قيادات الحزب ونوابه. 

من أزمة منفردة إلى منظومة أزمات

تكشف النقاشات التي شهدها المؤتمر أن أخطر ما يواجه المنطقة ليس وجود أزمة بعينها، وإنما ترابط الأزمات بحيث تنتج كل واحدة منها تأثيرات تتجاوز حدودها الجغرافية، فأزمة سد النهضة ترتبط بأمن المياه، وأمن المياه يتقاطع مع العلاقات المصرية الإثيوبية، بينما تتصل إثيوبيا مباشرة بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر، في الوقت الذي يضيف فيه الصراع السوداني طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.

ومن ثم، فإن التعامل مع هذه الملفات باعتبارها مسارات منفصلة قد يؤدي إلى قراءة ناقصة لطبيعة التحول الجاري، فالمعادلة الجديدة في المنطقة تقوم على تفاعل الجغرافيا السياسية مع الجغرافيا الاقتصادية والأمنية؛ حيث أصبحت الموانئ والمضائق والممرات البحرية ومصادر المياه وأمن الدول الهشة عناصر متداخلة في إنتاج النفوذ.

وتبرز الأزمة المصرية الإثيوبية مثالًا واضحًا على ذلك فاستمرار الخلاف لسنوات يشير إلى أن القضية تجاوزت نطاق التفاوض الفني حول تشغيل السد وإدارة المياه، وأصبحت جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل التوازنات في حوض النيل والقرن الأفريقي.

 ولذلك فإن توصيف الدكتورة أماني الطويل للأزمة باعتبارها أزمة ممتدة «تدار ولا تحسم» يعكس طبيعة نزاع تتداخل فيه المصالح الوطنية مع حسابات القوى الإقليمية والدولية.

السودان.. الحلقة الأكثر هشاشة

إذا كانت إثيوبيا تمثل أحد محاور إعادة توزيع القوة في شرق أفريقيا، فإن السودان يمثل الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المنظومة، فاستمرار الحرب لا يهدد الدولة السودانية وحدها، وإنما يفتح المجال أمام تمدد التفاعلات العسكرية والسياسية عبر الحدود، ويزيد من قابلية المنطقة لاستقبال تدخلات متعددة الأطراف.

وهنا تكتسب رؤية محمد الأمين عبد النبي أهمية سياسية، خصوصًا في طرحه ضرورة الجمع بين التسوية الداخلية والإطار الإقليمي الملزم، فالأزمة السودانية أثبتت أن التسوية السياسية الداخلية قد تصطدم بحدود قدرتها إذا استمرت البيئة الإقليمية المحيطة بالصراع في إنتاج السلاح والدعم والمصالح المتعارضة.

ومن هذه الزاوية، فإن حماية وحدة الدولة السودانية ليست قضية سودانية داخلية فقط، وإنما ترتبط مباشرة بأمن مصر والبحر الأحمر وحوض النيل. 

فكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات تحول السودان إلى مساحة مفتوحة لتنافس القوى الخارجية، وهو ما يجعل استقرار الدولة السودانية عنصرًا من عناصر الاستقرار الإقليمي لا مجرد هدف سياسي منفصل.

الصومال وصوماليلاند.. حين تتحول الجغرافيا إلى أداة نفوذ

في الجانب الآخر من المعادلة، تبرز الصومال وصوماليلاند بوصفهما نموذجًا واضحًا لكيفية تحول الموقع الجغرافي إلى أصل استراتيجي،  فالقرب من خليج عدن وباب المندب يجعل الموانئ والسواحل جزءًا من حسابات القوى التي تسعى إلى توسيع حضورها في جنوب البحر الأحمر.

وهنا لا تبدو مسألة صوماليلاند مجرد خلاف حول الوضع القانوني لإقليم، وإنما تتقاطع معها اعتبارات السيادة، ووحدة الأراضي، والموانئ، والوصول إلى البحر، وتوازنات القوى الإقليمية. 

ولذلك فإن أي تغيير في ترتيبات النفوذ على السواحل الصومالية يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الصومال إلى أمن البحر الأحمر نفسه.

وهذا ما يجعل التحولات في القرن الأفريقي ذات أهمية مباشرة لمصر؛ فالتغير في موازين القوى عند باب المندب لا يبقى محصورًا في محيطه الجغرافي، وإنما يمتد تأثيره إلى حركة الملاحة وقناة السويس والاقتصاد المصري.

البحر الأحمر.. من ممر تجاري إلى ساحة استراتيجية

التحولات في البحر الأحمر تؤكد أن الممر المائي لم يعد مجرد طريق للتجارة الدولية، وإنما أصبح ساحة للتنافس على النفوذ. فمضيق باب المندب، والموانئ، والجزر، والسواحل، والقواعد العسكرية، كلها تحولت إلى عناصر في حسابات القوى الدولية والإقليمية.

ومن هنا جاءت أهمية ما طرحه الدكتور علي يوسف والسفير مجدي عامر حول أمن البحر الأحمر والممرات المائية،  فاضطراب الملاحة في باب المندب يخلق تأثيرًا اقتصاديًا مباشرًا على مصر من خلال قناة السويس، بينما يضيف وجود قوى دولية متعددة في المنطقة طبقة أخرى من التعقيد إلى الحسابات الأمنية.

وتكشف هذه المعادلة أن الأمن البحري المصري لا يمكن فصله عن الأمن الاقتصادي، فحماية قناة السويس تبدأ، في جانب منها، من متابعة ما يجري قبل الوصول إليها بآلاف الكيلومترات، في باب المندب وخليج عدن وسواحل القرن الأفريقي.

من القوة الصلبة إلى تعدد أدوات النفوذ

لكن أحد أهم الاستنتاجات التي يمكن الخروج بها من المؤتمر يتعلق بطبيعة الأدوات المطلوبة في المرحلة المقبلة، فالتنافس في أفريقيا لم يعد يعتمد على القوة العسكرية أو العلاقات الحكومية وحدها؛ بل أصبح النفوذ يُبنى أيضًا عبر الاستثمار والتنمية والإعلام والتعليم والثقافة والشراكات الحزبية والمجتمعية.

ومن هنا تبرز أهمية ما طرحته أسماء الحسيني بشأن إعادة صياغة الحضور المصري في أفريقيا، وتوظيف القوة الناعمة وبناء شراكات تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، فالدولة التي تريد الحفاظ على مصالحها في بيئة إقليمية متغيرة تحتاج إلى أكثر من علاقات رسمية مع الحكومات؛ تحتاج إلى حضور ممتد داخل المجتمعات نفسها.

وهذا لا يعني أن القوة الصلبة فقدت أهميتها، وإنما يعني أن فعاليتها أصبحت مرتبطة بوجود أدوات سياسية واقتصادية وإعلامية قادرة على تحويل القوة إلى نفوذ مستدام.

«إعادة الحسابات».. ماذا تعني لمصر؟

في جوهره، يطرح المؤتمر سؤالاً عن قدرة مصر على الانتقال من إدارة الأزمات إلى التأثير في مسارات تشكلها،  فالتعامل مع كل ملف بصورة منفردة قد يسمح بإدارة المخاطر الآنية، لكنه لا يوفر بالضرورة قدرة كافية على مواجهة التحولات طويلة المدى.

المعادلة الجديدة تتطلب رؤية تربط بين أمن النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتتعامل مع السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا باعتبارها أجزاء متداخلة من بيئة استراتيجية واحدة، دون إغفال خصوصية كل دولة وحساباتها الوطنية.

وفي هذا السياق، تصبح المبادرة المصرية في أفريقيا مسألة تتجاوز الحضور الدبلوماسي إلى بناء شبكات طويلة الأمد من المصالح والشراكات، فكلما اتسعت أدوات الحضور المصري، زادت القدرة على فهم التحولات والتأثير في اتجاهاتها بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

في النهاية، فإن «زمن إعادة الحسابات» لا يعني أن قواعد المنطقة قد تغيرت بالكامل، وإنما يعني أن قواعد إنتاج القوة والنفوذ أصبحت أكثر سيولة وتعقيدًا،  والمنافسة المقبلة لن تكون فقط على الأرض أو الحدود، بل على الموانئ والممرات والمياه والأسواق والشراكات والقدرة على بناء التأثير داخل المجتمعات.


زر الذهاب إلى الأعلى