عربي ودولي

حصر السلاح في العراق.. معركة السيادة بين الدولة والفصائل وحسابات النفوذ الإقليمي

20 فصيلًا مسلحًا في دائرة الجدل.. بغداد تسعى لإنهاء السلاح خارج المؤسسات.. وواشنطن تراقب الملف أمنيًا.. والقاهرة تؤكد دعم وحدة العراق

بين رفض السلاح والاندماج.. المرجعية تدعم حصره بيد الدولة ومصر تجدد دعمها لسيادة العراق

مليون وربع المليون عراقي في المخيمات منذ 12 عامًا.. نزوح مستمر وسط تعقيدات العودة وسيطرة الفصائل

 

تتجه قضية حصر السلاح بيد الدولة العراقية إلى مرحلة جديدة، في ظل تأكيدات حكومية على المضي في استكمال الاستحقاقات السيادية، بالتزامن مع تحركات سياسية ودبلوماسية إقليمية ودولية لدعم استقرار العراق وتعزيز مؤسسات الدولة، ويأتي ذلك وسط تباين بشأن الجدول الزمني لتنفيذ عملية حصر السلاح، مع استمرار تمسك عدد من الفصائل المسلحة بشروطها، في وقت تؤكد فيه بغداد التزامها بالمسار الدستوري والقانوني، بينما تواصل القاهرة دعمها لوحدة العراق وسيادته واستقراره.

لماذا يهم مصر هذا الملف؟

 

تكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل تأكيد مصر، خلال استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لرئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، عمار الحكيم، دعمها الكامل لأمن العراق واستقراره ووحدة أراضيه، ومساندتها لمؤسسات الدولة العراقية، في وقت تمضي فيه بغداد في معالجة عدد من الملفات الأمنية الداخلية، وفي مقدمتها ملف حصر السلاح بيد الدولة.

وتمثل قضية استقرار العراق بالنسبة لمصر جزءًا من رؤية أوسع لدعم الدولة الوطنية العربية، إذ يرتبط استقرار العراق بأمن المشرق العربي، وأمن الطاقة، ومسارات التجارة الإقليمية، إضافة إلى دوره في مواجهة الإرهاب ومنع تمدد التنظيمات المسلحة، وهو ما يفسر تأكيد القاهرة المستمر على دعم مؤسسات الدولة العراقية ووحدة أراضيها.

وفي الأسابيع الماضية، نفذ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، سلسلة من الإجراءات الأمنية والعسكرية لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، بالتزامن مع المضي في خطة حصر السلاح.

وفي مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتك” أكد «الزيدي» أن العراق لا يمكن أن يستمر بوجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، مشددًا على أن الفصائل المسلحة أمام خيارين فقط، هما تسليم أسلحتها أو الاندماج ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية.

وجاءت تلك التحركات بالتزامن مع زيارة رسمية أجراها الزيدي إلى إيران على رأس وفد وزاري، لبحث ملفات أمنية واقتصادية، أبرزها إمدادات الغاز والتطورات الإقليمية، في وقت تؤكد فيه بغداد أن ملف السلاح قرار سيادي عراقي، رغم ارتباطه بتوازنات إقليمية معقدة، حيث كان من المقرر حصر السلاح في شهر سبتمبر بينما تم تمديد مهلة تسليم السلاح لمدة ستة أشهر من الفصائل العراقية.

لماذا تأجلت خطة حصر السلاح في العراق؟

رغم إعلان الحكومة العراقية سابقًا نيتها المضي في إنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة خلال العام الجاري، فإن تعقيدات المشهد السياسي والأمني دفعت إلى منح مهلة إضافية تمتد لعدة أشهر، لإتاحة المجال أمام الحوار مع الفصائل المسلحة، والوصول إلى آليات تنفيذ تقلل احتمالات التصعيد، في ظل ارتباط الملف بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة.

وكشف مسؤول في الحشد الشعبي، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، رفضه الكامل لتسليم السلاح، مؤكدًا أن عددا من الفصائل تعتبر أن سلاحها جزء من مشروع “المقاومة”، وليس سلاحًا منفلتًا.

يبرز هذا الموقف بوضوح لدى فصائل مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وحركة حقوق، التي ترى أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في قاعدة حرير الجوية، إضافة إلى الوجود العسكري التركي في معسكر بعشيقة، يمنحها مبررًا للاحتفاظ بالسلاح، فضلاً عن ما تصفه بـ”الإملاءات الأمريكية”، تجعل التخلي عن السلاح أمرًا غير مطروح، وترى أن السلاح يحمل بعدًا عقائديًا وليس مجرد أداة أمنية.

في المقابل، أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، خلال عيد الأضحى الماضي-في بيان رسمي- إدماج جناحه العسكري “سرايا السلام” ضمن مؤسسات الدولة ووضعه تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، داعيًا بقية فصائل الحشد الشعبي إلى اتخاذ الخطوة نفسها.

كما أعلنت فصائل أخرى، بينها منظمة بدر وكتائب الإمام علي وثأر الله وكتائب سيد الشهداء، استعدادها للتجاوب مع إجراءات الحكومة، بينما لا تزال الفصائل الأكثر تشددًا ترفض أي خطوات لنزع السلاح.

وفي ظل التشاورات التوافقيةتؤكد المرجعية الدينية العُليا في النجف، منذ سنوات، على حصر الدولة للسلاح، حيث شدد مكتب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني على ضرورة أن يكون حمل السلاح ضمن إطار القوات الحكومية الرسمية، وعدم السماح بامتلاك الجماعات أو الأحزاب للسلاح خارج مؤسسات الدولة.

20 فصيلاً يسيطرون على مناطق خارج سلطة الدولة

يرتبط ملف السلاح أيضًا بملف إنساني معقد يتمثل في استمرار نزوح مئات الآلاف من العراقيين عن مناطقهم منذ الحرب على تنظيم داعش.

وتشير تقديرات إلى أن نحو عشرون فصيلا مسلحًا يسيطرون على مناطق لا تخضع عمليًا لسلطة الدولة، تبلغ مساحتها 3 آلاف كيلو متر مربع موزعون في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وأطراف بغداد، إضافة إلى مناطق في إقليم كردستان، حيث تمنع بعض هذه الفصائل عودة السكان أو دخول القوات الأمنية إليها.

يقدر عدد النازحين من تلك المدن حوالي مليون وربع المليون عراقي، يسكنون في المخيمات لم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم منذ مايقرب نحو اثني عشر عامًا، وفقًا لمصفوفة تتبع النزوح DTM Iraq.

لماذا أصبح الملف أولوية أمنية واستخباراتية لواشنطن؟

تحول ملف نزع السلاح إلى أولوية لدى الولايات المتحدة، لعدة أسباب، أبرزها استمرار الهجمات التي تنفذها فصائل موالية لإيران ضد القواعد الأمريكية في العراق وسوريا، إضافة إلى استخدام بعض المناطق الخاضعة لسيطرة تلك الفصائل كمواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة.

خلال الأسابيع الماضية، استهدفت الولايات المتحدة مواقع تابعة لفصائل مسلحة في مناطق عدة، بينها جرف الصخر، ردًا على هجمات استهدفت القوات الأمريكية، وأسفرت الضربات عن مقتل عناصر مرتبطين بجماعة الحوثي كانوا موجودين في تلك المواقع، بحسب تقارير إعلامية.

كما حضر ملف نزع السلاح بقوة خلال لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 يوليو الماضي، حيث أشار الزيدي إلى أن العراق تكبد خسائر تقدر بنحو 400 مليار دولار نتيجة الحروب والإرهاب، وأن آلاف العراقيين ما زالوا يعيشون في المخيمات بينما مدنهم مدمرة، مؤكدًا أن حكومته تمتلك خطة لإعادة الإعمار وإعادة السكان.

كذلك ناقش الزيدي الملف مع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، حيث اعتبرت واشنطن أن استمرار وجود مناطق تخضع لسيطرة الفصائل المسلحة يمثل تحديًا مباشرًا لسلطة الدولة العراقية، كما يرسخ النفوذ الإيراني داخل العراق ويهدد أمن القوات الأمريكية.

ماذا عن السيناريوهات المتوقعة!

أوضح أحمد عثمان عبد المجيد، المحلل السياسي العراقي، أن ملف حصر السلاح في العراق يدخل في مرحلة دقيقة، إذ تتراوح السيناريوهات المقبلة بين عدة مسارات، أولها نجاح الحكومة العراقية في الوصول إلى صيغة توافقية تقود إلى دمج الفصائل الراغبة داخل المؤسسات الأمنية الرسمية، أو استمرار التفاوضات وتأجيل التنفيذ، بسبب حساسية الملف، أو الوصول إلى التصعيد في حالة فشل الحوار وهو سيناريو مستبعد لبعض الفصائل التوافقية بينما يبقى بعض الفصائل ترفض تسليم السلاخ أو التمديد لوصول صيغة توافقية أخرى، وهو ما يطيل أمد الملف.

وأشار “عبد المجيد” إلى أن نجاح أي مسار لا يعتمد فقط على قرار حكومي بنزع السلاح، وإنما يحتاج إلى بناء توافق سياسي واسع، وضمانات أمنية، ومعالجة الملفات المرتبطة بإعادة الإعمار وعودة النازحين، بما يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

زر الذهاب إلى الأعلى