عربي ودوليملفات

سبتمبر يفضح الخريطة الفكرية..من الماسونية إلى الصهيونية.. كيف تشكلت سرديات الاستعمار والاحتلال وصولاً إلى إبراهام؟

سبتمبر.. توقيت متكرر يجمع بين اتفاقيات السلام والتحولات الفكرية

لم يكن سبتمبر شهرًا عابرًا أو مجرد محطة زمنية عادية؛ ففيه تكررت محطات سياسية وتاريخية وفكرية أثارت جدلًا واسعًا حول مسارات السلام والصراع في المنطقة، بدءًا من اتفاقيات كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978، وإعلان أوسلو في 13 سبتمبر 1993، وأوسلو الثانية في 28 سبتمبر 1995، وصولًا إلى توقيع اتفاقيات أبراهام في 15 سبتمبر 2020.

وتتشابه هذه المحطات، رغم اختلاف سياقاتها التاريخية والسياسية، في ارتباطها بمفاهيم مثل السلام والتعايش والإخاء والتطبيع، وهو ما يفتح بابًا للبحث في تطور المفاهيم والخطابات السياسية والدينية التي صاحبتها، وعلاقة ذلك بالتطور التاريخي للماسونية والصهيونية وبعض التصورات المعاصرة حول «الإبراهيمية».

ويطرح هذا التحقيق سؤالًا معرفيًا حول كيفية انتقال بعض النصوص والمفاهيم والرموز القديمة إلى خطابات سياسية ودينية حديثة، وكيف تطورت الحركات والمؤسسات والشبكات المرتبطة بها، وصولًا إلى المفاهيم المعاصرة التي تُطرح تحت عناوين السلام والتعايش والتقارب الديني.

الأفكار والخرائط ومراكز الأبحاث

لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُدار بالسلاح وحده، بل أصبحت الأفكار والخرائط ومراكز الأبحاث والجامعات والمؤسسات الدولية جزءًا من أدوات التأثير وصناعة التصورات المستقبلية.

ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، تطورت أدوات التأثير من التنظيمات الفكرية والجمعيات إلى شبكات بحثية ومؤسسات أكاديمية ومنظمات دولية تنتج الدراسات والتصورات المتعلقة بالمنطقة، بدءًا من قضايا الهوية والحدود، وصولًا إلى مستقبل الإقليم ومشروعات التكامل والتطبيع.

وفي خضم التحولات التي شهدتها المنطقة، عاد إلى الواجهة الحديث عن مفاهيم مثل «الشرق الأوسط الجديد» و«السلام الإبراهيمي» و«التعايش الإقليمي»، بالتوازي مع استمرار حضور مفهوم «أرض إسرائيل» في بعض التيارات الصهيونية الدينية والقومية، وما يثار حول مشاريع التوسع والتصورات الجيوسياسية التي تناقشها بعض مراكز الفكر الإسرائيلية والغربية.

الماسونية

يظهر اسم الماسونية في عدد من الأدبيات التاريخية والسياسية، وقد أثارت طبيعتها وأهدافها جدلًا واسعًا على مدار تاريخها.

ووفق بعض دوائر المعارف الغربية، عُرفت الماسونية باعتبارها جمعيات أخوية تطوعية تستخدم رموز وأدوات البنّائين في تقديم مبادئ أخلاقية، من بينها «أبوة الله وأخوة البشر»، وانتشرت بصورة واسعة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وانضم إليها عبر تاريخها عدد من الشخصيات السياسية والثقافية البارزة.

وتشير مراجع تاريخية إلى عضوية عدد من الرؤساء الأمريكيين في المحافل الماسونية، من بينهم جورج واشنطن وجيرالد فورد، إلى جانب شخصيات أخرى مثل الموسيقار فولفجانج أماديوس موزارت، والممثل جون واين، والجنرال دوجلاس ماك آرثر، فيما كان بنيامين فرانكلين من أوائل الشخصيات التي كتبت عن الماسونية في الولايات المتحدة.

ويرجع المؤرخون نشأة الماسونية الحديثة تنظيميًا إلى بريطانيا في القرن الثامن عشر، خصوصًا مع تأسيس المحفل الأكبر في لندن عام 1717.

شكل لنماذج من الرموز التي تقتبسها الصهيونية و الماسونية ومن بعدها الإبراهيمية
شكل لنماذج من الرموز التي تقتبسها الصهيونية و الماسونية ومن بعدها الإبراهيمية

القدس والرمزية الماسونية

ترتبط الماسونية في بعض طقوسها ورموزها بمفهوم «معبد القدس» أو «هيكل سليمان»، وهو رمز حاضر في بعض التقاليد الماسونية، الأمر الذي جعل القدس حاضرة في المخيال الرمزي لبعض المحافل.

وشهدت فلسطين والقدس وجود محافل ماسونية خلال فترات مختلفة، وضمت أعضاء من خلفيات دينية واجتماعية متعددة، بينهم يهود ومسيحيون ومسلمون ودروز.

ومن المهم التمييز بين المكانة الرمزية للقدس داخل بعض التقاليد الماسونية وبين النشأة التاريخية للماسونية الحديثة، فضلًا عن اختلاف أعداد المحافل وأعضائها وفق الفترات والمصادر التاريخية.

الماسونية والصهيونية.. بين الربط التاريخي والجدل البحثي

انتشرت الماسونية في عدد من الدول العربية، وأقيمت لها محافل تحت شعارات مرتبطة بالأخوة والسلام، قبل أن تتعرض لاحقًا لانتقادات وحملات سياسية ودينية، وصولًا إلى إغلاق محافلها في عدد من الدول خلال القرن العشرين.

وظهرت منذ بدايات القرن العشرين كتابات عربية تربط بين الماسونية والصهيونية، وكان من أبرز النصوص التي استُخدمت في هذا السياق كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، الذي نُشر في روسيا عام 1904 وروّج لفكرة وجود مؤامرة يهودية–ماسونية عالمية، وقد ثبت تاريخيًا أن هذا الكتاب وثيقة مزورة، رغم استخدامه لاحقًا في نشر نظريات المؤامرة المعادية لليهود.

وفي المقابل، يميز الباحثون بين الماسونية كحركة أخوية عالمية متعددة الاتجاهات، والصهيونية كحركة قومية سياسية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر بهدف إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مع اختلاف واضح بين طبيعة الحركتين وأهدافهما وتطورهما التاريخي.

وفي المنطقة العربية، أُغلقت المحافل الماسونية في عدد من الدول خلال القرن العشرين، وسط تصاعد الانتقادات السياسية والدينية، كما صدرت في دول أخرى مواقف دينية وسياسية تنتقد الانضمام إليها.

الباحثة أريج صباغ، المتخصصة في دراسات الاستعمار الاستيطاني وبناء السرديات المرتبطة بالأرض والهوية
الباحثة أريج صباغ، المتخصصة في دراسات الاستعمار الاستيطاني وبناء السرديات المرتبطة بالأرض والهوية

إنتاج المعرفة وبناء السرديات

تركز الباحثة أريج صباغ خوري، في أعمالها المتعلقة بدراسات الاستعمار الاستيطاني، على تحليل السرديات المرتبطة بالأرض والهوية وإنتاج المعرفة.

ويشير هذا المنظور إلى أن دراسة الصهيونية والاستعمار الاستيطاني لا تقتصر على الأحداث السياسية، وإنما تشمل أيضًا المؤسسات الأكاديمية والثقافية وآليات إنتاج الروايات التاريخية التي تشكل فهم المجتمعات للتاريخ والهوية والأرض.

كما يبحث هذا الاتجاه في العلاقة بين القوة والمعرفة، وكيف يمكن للروايات التاريخية أن تُستخدم في بناء تصورات حول الشرعية والسيادة.

من الصهيونية السياسية إلى مراكز الأبحاث والتأثير المعرفي

لا يرتبط تتبع هذه المرحلة بتاريخ التنظيمات وحده، وإنما يكشف عن سؤال أوسع يتعلق بكيفية بناء الأفكار السياسية الحديثة عبر المؤسسات والشبكات.

ومع ظهور الصهيونية السياسية، لم يعتمد المشروع على الخطاب الأيديولوجي وحده، وإنما تطورت مؤسسات سياسية واقتصادية وبحثية عملت على جمع المعلومات ودراسة الجغرافيا والسكان وبناء شبكات العلاقات الدولية.

وفي هذا السياق، يناقش المفكر والباحث العربي عزمي بشارة مفهوم التطبيع وأبعاده السياسية والثقافية والاقتصادية، ويرى أن التطبيع لا يقتصر على إقامة علاقات دبلوماسية، وإنما يرتبط بمسار أوسع من إعادة تشكيل العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي، بما يشمل الثقافة والاقتصاد والتواصل المجتمعي.

المفكر العربي عزمي بشارة
المفكر العربي عزمي بشارة

ويشير عزمي بشارة في تحليلاته إلى أن مفهوم التطبيع يحمل دلالات تتجاوز الجانب الرسمي للعلاقات بين الدول، إذ يرتبط بمحاولات إعادة تعريف طبيعة العلاقة مع إسرائيل داخل المجال العربي، بما يشمل انتقال العلاقات من الإطار السياسي إلى مجالات الثقافة والاقتصاد والتواصل المجتمعي.

من الصهيونية السياسية إلى اتفاقيات إبراهيم.. تحولات الفكرة عبر الزمن

نشأت الصهيونية السياسية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر مع بروز الحركة الصهيونية بقيادة تيودور هرتزل، خاصة بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، حيث طُرحت فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

واستندت بعض التيارات الصهيونية إلى روايات دينية وتاريخية حول «أرض إسرائيل»، بينما قدمتها تيارات أخرى بوصفها مشروعًا قوميًّا حديثًا تأثر بصعود القوميات الأوروبية.

 تيودور هرتزل يلقي خطابًا في المؤتمر الصهيوني الأول بسويسرا عام 1897-1898
 تيودور هرتزل يلقي خطابًا في المؤتمر الصهيوني الأول بسويسرا عام 1897-1898

وتطورت الحركة من إطار سياسي إلى مؤسسات دولية وشبكات دعم سياسية واقتصادية، وصولًا إلى قيام إسرائيل عام 1948.

وبعد عقود من الصراع، ظهرت اتفاقيات إبراهيم عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، برعاية أمريكية، وقدمت خطابًا يقوم على مفاهيم السلام والتعايش والتعاون الاقتصادي.

ويرى باحثون أن دراسة هذا التحول تتطلب تحليل الوثائق والخطابات والمؤسسات لفهم كيفية إعادة توظيف المفاهيم التاريخية داخل سياقات سياسية معاصرة، بما في ذلك استخدام الخطاب الديني في تقديم مفاهيم جديدة للتقارب والسلام.

ومن هنا ينتقل التحقيق إلى مرحلة أخرى تتعلق بكيفية تحول الفكرة الصهيونية من حركة سياسية إلى منظومة من المؤسسات والشبكات المعرفية والاستراتيجية، والدور الذي لعبته مراكز الأبحاث والجامعات والمؤسسات الدولية في إنتاج الدراسات والسياسات المتعلقة بالمنطقة.

أسامة الأشقر: الدعاية تستهدف تقديم إسرائيل كجسم طبيعي داخل المنطقة

يقول د. أسامة الأشقر، المؤرخ والروائي الفلسطيني والمستشار السياسي بمركز الراصد للدراسات، إن ما تنشره الحركة الصهيونية يعتمد على استخدام أساليب مختلفة لبث الدعاية، بهدف تقديم نفسها كجسم طبيعي داخل المنطقة العربية، وذلك عبر توظيف أذرع إعلامية وبحثية وشخصيات مؤثرة لبث الأفكار والترويج لها وجعلها حاضرة في الوعي العام.

د. أسامة الأشقر، الباحث السياسي والمؤرخ الفلسطيني
د. أسامة الأشقر، الباحث السياسي والمؤرخ الفلسطيني

ويضيف أن من بين الأفكار التي يجري الترويج لها ما يُعرف بمفهوم «الديانة الإبراهيمية»، التي تُطرح أحيانًا باعتبارها إطارًا دينيًا جامعًا، بينما يرى منتقدوها أنها تُستخدم ضمن مسارات سياسية وثقافية تهدف إلى إعادة تشكيل التصورات حول الصراع والتطبيع مع إسرائيل وقبول سياساتها في المنطقة.

ويشير الأشقر إلى أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق أهداف متعددة، من بينها تعزيز موقعها كقوة مركزية ومؤثرة في الإقليم، والعمل على جعل وجودها مقبولًا وقابلًا للتعايش من وجهة النظر العربية، عبر بناء علاقات مع مختلف الطوائف والأقليات والمكونات العرقية في المنطقة، مستخدمة في ذلك مجموعة واسعة من الأدوات والوسائل.

ويؤكد اعتماد إسرائيل، بحسب رؤيته، على إمكانات كبيرة في مجالات الإعلام والدعاية الرقمية، إلى جانب حضورها في المؤسسات الدولية وشراكاتها مع شركات التكنولوجيا والإعلام العالمية، بما يمنحها قدرة على التأثير في تدفق المعلومات وصناعة الخطاب العام.

ويوضح الأشقر أن إسرائيل تعمل من خلال منظومتها الأمنية ومراكز الأبحاث التي تقدم دراسات وخططًا لصناع القرار والحكومة، مستفيدة، بحسب قوله، من قدرات أجهزة الاستخبارات العسكرية والتكنولوجية، ومن وحدات متخصصة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحرب الإعلامية.

كما يشير إلى استثمار إسرائيل في مجالات التعليم والتكنولوجيا من خلال تخريج آلاف الطلاب والخبراء والعلماء في مجالات التكنولوجيا الحديثة والإعلام الرقمي وتحليل البيانات وأدوات التأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب بناء شراكات دولية تهدف إلى تعزيز حضورها الإقليمي.

وهكذا، يكشف تتبع المسار التاريخي لهذه المفاهيم والحركات والمؤسسات عن انتقال الصراع من ساحاته التقليدية إلى مجالات المعرفة والخطاب والإعلام، مع استمرار الجدل حول العلاقة بين مفاهيم السلام والتعايش والتطبيع، وبين المصالح السياسية والاستراتيجية التي تحكم تطورات المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى