ملفات

الدستور الإبراهيمي..شعار التعايش لتمرير مشروع سياسي صهيوني في منطقة الشرق الأوسط

تظهر عبر منصات رقمية ووسائل التواصل الاجتماعي حسابات تحمل اسم Know-to-Coexist Platform (KTC)، وتطرح مواد تعريفية وأفكارًا مرتبطة بمفهوم التعايش والإبراهيمية، بدعوى تبني خطاب يدعو إلى الحوار والتعايش بين الأديان والشعوب.

وفي الوقت نفسه، تطرح مقترحات ذات أبعاد سياسية وجغرافية تتعلق بمستقبل الأراضي الفلسطينية ومنطقة الشرق الأوسط.

وتشمل هذه التصورات، بحسب ما تطرحه بعض المواد والوثائق محل الفحص، قضايا تتعلق بمستقبل الأراضي الفلسطينية، وانتشار مشروعات التهويد، وتصورات للتمدد الإسرائيلي في المنطقة تُربط أحيانًا بفكرة «من النيل إلى الفرات»، إلى جانب استمرار الاحتلال الإسرائيلي تحت مسميات أو أطر جديدة تُقدَّم باعتبارها مسارات للتعايش والسلام.

وفي هذا التقرير المعمق، نرصد ونفكك المعلومات والبيانات الصادرة عن المجموعة المزعومة لنشر «الإبراهيمية» تحت مسميات جديدة، والأغراض الدينية والسياسية وراء مسميات «الإبراهيمية» ومشروعاتها السياسية والجغرافية.

وتكشف المعلومات والبيانات عن طرح مبادئ مرتبطة بالإبراهيمية تحت مسميات مختلفة، وفقًا لما يظهر في المواد المنشورة تحت شعار السلام وحوار الأديان والإخاء والتعايش بين الديانات السماوية الثلاث، في محاولة للترويج لفكرة أنه لا جدوى من السلام إلا من خلال هذا الإطار، بما قد يُستخدم، وفقًا لهذه الطروحات، لتمرير مخطط الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني من النيل إلى الفرات بمسميات جديدة، وانطلاقًا من قطاع غزة كوطن قومي بديل وجديد لليهود بأغلبية فلسطينية.

تحليل معلومات مزاعم «الدستور الإبراهيمي» انطلاقًا من غزة كوطن قومي لليهود

ووفقًا لمراجعة الوثائق والبيانات والمواد والمعلومات الصادرة عن مجموعة تسمي نفسها KTC، والتي تقدم نفسها كإطار مدني للحوار والتنسيق، فإن المجموعة مرتبطة بطرح مفاهيم تتعلق بـ«دمج الأديان السماوية تحت شعار المساواة والإخاء والتعايش»، وفقًا لسردية الإبراهيمية.

كما تطرح أشكالًا ومسميات جديدة في إطار «ميثاق دستوري إبراهيمي للمستقبل المشترك»، وينطلق «الدستور الإبراهيمي» بآليات انتقالية وجغرافيا جديدة للمنطقة، ونموذج للتعايش بين اليهود والأقباط والمسلمين تحت مسمى السلام.

وفي حين أن «الدستور الإبراهيمي»، وفقًا لرؤيتهم، يشكل نموذجًا جغرافيًا جديدًا لمنطقة الشرق الأوسط، فإن بعض هذه الطروحات تصفه بأنه نموذج مخالف للقوانين الدولية، ومؤيد لـ«تهويد قطاع غزة وتمثيله كوطن قومي بديل لليهود بأغلبية فلسطينية»، إلى جانب شعارات لدمج الاحتلال الإسرائيلي تحت مسميات جديدة، مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية الإسرائيلية-الفلسطينية، انطلاقًا من القدس، تحت إطار الاتفاقيات الإبراهيمية وتوحيد الأديان السماوية الثلاث.

كما تطرح بعض هذه التصورات فكرة انتشار اليهود من نهر الأردن إلى البحر المتوسط ومصر، تحت مسمى الكونفدرالية الإسلامية، والتعايش مع أصحاب الديانات الثلاث، إلى جانب أفكار حول نماذج جديدة للتعايش بين الفلسطينيين واليهود والمسلمين والأقباط في مصر والأردن والحجاز والخليج العربي.

غير أن بعض الصياغات الواردة في هذه المواد، ومنها الإشارة إلى مفهوم «الوطن القومي للشعب اليهودي في غزة ذات الأغلبية الفلسطينية»، تثير تساؤلات سياسية وقانونية حول طبيعة التصورات المطروحة، وحدود الفصل بين خطاب التعايش الديني والثقافي وبين المقترحات المتعلقة بالهوية والسيادة ومستقبل الأراضي الفلسطينية، وقانونيتها دوليًا، حيث تعتبر، وفقًا للنصوص والمرجعيات الدولية المشار إليها في التقرير، مخالفة للاتفاقيات والمواقف التي تؤكد أن غزة جزء لا يتجزأ من فلسطين.

جهات ومنظمات «المسار الإبراهيمي» وتحليل الخطاب الموجه

وتظهر في الوثائق أسماء جهات ومنظمات بدعوى ارتباطها بـ«الاتفاقيات الإبراهيمية»، من بينها Youth Education Development Forum (YEDF) في بيت لحم، وSeven Sanabel Charitable Association في القدس، وتتضمن المواد المتداولة نماذج وشعارات لدمج الاحتلال الإسرائيلي تحت شعارات جديدة، مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية الإسرائيلية-الفلسطينية، تحت إطار الاتفاقيات الإبراهيمية وتوحيد الأديان السماوية الثلاث.

وتستخدم هذه الطروحات آليات مختلفة في مخاطبة المتلقين وجذب المتعاطفين، من بينها استخدام عبارات موجهة إلى «الأمة الإسلامية»، أو استخدام خطاب ديني يتضمن تعبيرات مثل «أمير المؤمنين»، والحديث تاريخيًا عن فترة الخلافة العثمانية، ومسميات أخرى تُطرح بدعوى السلام والتعايش جنبًا إلى جنب.

كما تتضمن بعض المواد طرح فكرة تمدد اليهود من نهر الأردن إلى ضفاف البحر المتوسط ومصر والخليج العربي «الحجاز»، تحت ستار «السلام الإبراهيمي» أو «الاتفاقيات الإبراهيمية» أو «الدستور الإبراهيمي»، والتعايش بين الأديان السماوية الثلاث، انطلاقًا من قطاع غزة كنموذج بديل للوطن القومي لليهود.

وتأتي تلك الدعوة لنشر «السلام الإبراهيمي» في سياق إقليمي حساس، مع استمرار الحرب في قطاع غزة، واحتدام النقاش حول مستقبل القطاع وإعادة الإعمار، بالتزامن مع استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والجولان السورية، والاعتداء على سيادة لبنان.

السلام الإبراهيمي والتأثير على الوعي العام

ومن خلال تحليل ارتباط بعض الجهات أو المنظمات والمبادرات بالقائمين على صياغة «مبادرة السلام الإبراهيمي لتوحيد الأديان للتعايش ووطن قومي لليهود انطلاقًا من غزة»، التي طُرحت تحت شعارات السلام والتعايش، إلى جانب رصد آراء خبراء القانون والدين والسياسة والمحللين حول طبيعة هذه الطروحات وأهدافها، يبرز تساؤل حول مدى تأثيرها على الوعي العام، وما إذا كانت تحمل أبعادًا تتجاوز خطاب التعايش لتصل إلى محاولات إعادة تشكيل الأفكار والتصورات المجتمعية.

كما يثير ذلك تساؤلات حول تأثير الخطابات الفكرية والسياسية المرتبطة بالهوية والدين، وما إذا كانت بعض هذه الطروحات يمكن أن تُستخدم، بحسب منتقديها، في الترويج للتوسع والتهويد والتأثير الفكري على المتلقين.

وعن مسار الوثائق والمعلومات ومدى تأثيرها على الوعي العام لبعض الأفراد، توصل البحث إلى وجود مجموعات على تيليجرام وواتساب تُستخدم لنشر أفكار مرتبطة بهذه الطروحات، وجمع أفراد يتبنون أو يتفاعلون مع هذه الأفكار، بهدف تداول محتويات تتعلق بمفاهيم التعايش والهوية الدينية والسياسية ومستقبل المنطقة في ضوء ما يُطرح تحت مسمى «السلام الإبراهيمي».

التمدد الجغرافي «من النيل إلى الفرات» وانطلاق وطن قومي لليهود في غزة

تتضمن بعض المواد المتداولة أفكارًا مرتبطة بتصورات أيديولوجية حول التمدد الجغرافي من نهر الأردن والبحر المتوسط إلى مصر والخليج العربي، وما يُشار إليه تاريخيًا بمفهوم «من النيل إلى الفرات»، مع طرح تصورات حول امتداد النفوذ الإسرائيلي من سواحل البحر المتوسط إلى نهر الأردن، مرورًا بمناطق تشمل مصر، وتبدأ من قطاع غزة «انطلاقًا للوطن القومي لليهود»، وفقًا لما ورد في تلك المنشورات.

كما تتناول الوثائق المتداولة تصورات حول وجود اليهود والفلسطينيين داخل قطاع غزة والمنطقة، تحت إطار يُقدَّم باعتباره نموذجًا للتعايش بين المكونات المختلفة، مع الإشارة إلى ما تصفه هذه المواد بـ«الدستور الإبراهيمي» كمرجعية لتنظيم العلاقات بين السكان.

وبحسب ما ورد في بعض الوثائق التي تم الحصول عليها، يتم طرح تصور يتعلق بوضع الفلسطينيين داخل الدولة الإسرائيلية في إطار يُوصف بأنه تعايش وأمن مشترك، استنادًا إلى مبادئ مرتبطة بالميثاق أو الدستور الإبراهيمي.

خرائط جديدة وطرح للتوسع الصهيوني وتصورات جغرافية مخالفة للمرجعيات الدولية

كما تتضمن الخرائط والتصورات الواردة في هذه المواد مقترحات بشأن إعادة توزيع مساحات السيطرة والنفوذ الجغرافي، بما يشير، وفقًا لما يظهر في تلك الطروحات، إلى تقليص نطاقات الوجود الفلسطيني مقابل توسع مساحات تُنسب إلى الدولة الإسرائيلية، استنادًا إلى رؤية أيديولوجية مرتبطة بالمشروع الصهيوني.

وتطرح هذه التصورات نموذجًا للتعايش بين الفلسطينيين واليهود ضمن حدود جغرافية جديدة «داخل قطاع غزة بدعوى كونها وطنًا قوميًّا بديلًا لليهود»، يتم تقديمها باعتبارها إطارًا مستقبليًا للسلام.

إلا أن الخرائط المزعومة في «الدستور الإبراهيمي» الجديد تتعارض، وفقًا للمرجعيات القانونية الدولية المشار إليها في التقرير، مع الحدود التي تستند إليها القرارات الأممية والقانون الدولي بشأن الأراضي الفلسطينية، كما تتعارض مع الموقف العربي والفلسطيني المعلن الذي يعتبر غزة جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية.

ووفقًا للمرجعيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، فإن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، تخضع لإطار قانوني دولي محدد، وتُطرح إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967 باعتبارها أحد أسس التسوية السياسية المطروحة دوليًا.

الإطار القانوني الدولي لوضع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية

وفقًا للأمم المتحدة، تُعد الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة جزءًا من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ويُنظر إليها كوحدة إقليمية واحدة في المرجعيات القانونية الدولية. كما تؤكد الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية أن أي تغيير أحادي في الوضع القانوني أو الجغرافي لهذه الأراضي لا يغيّر من وضعها القانوني بموجب القانون الدولي.

وتنص اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حماية المدنيين في زمن الاحتلال، وتفرض على سلطة الاحتلال التزامات بحماية السكان المدنيين وعدم تغيير الوضع الديموغرافي أو القانوني للأراضي المحتلة، كما تؤكد محكمة العدل الدولية انطباق الاتفاقية على الأرض الفلسطينية المحتلة.

أما بشأن القدس الشرقية والضفة الغربية، فتعتبرهما الأمم المتحدة جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وترى أن المستوطنات الإسرائيلية فيهما أُقيمت خلافًا للقانون الدولي، بينما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعت إلى إنهائه، مع التأكيد على احترام وحدة الأراضي الفلسطينية.

قطاع غزة جزء لا يتجزأ من فلسطين

ومع محاولات تهويد فلسطين واستمرار الاحتلال، أعلنت الدول العربية والإسلامية، في بيان مشترك في 6 سبتمبر 2026، رفضها القاطع لأي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني أو تغيير الواقع الجغرافي والسياسي في قطاع غزة.

وأكد البيان أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، مع ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. وشدد وزراء الخارجية على رفض أي مخططات تستهدف فصل غزة أو فرض واقع جديد، مؤكدين دعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.

وجاء الموقف العربي ردًا على دعوات ومقترحات إسرائيلية بشأن تهجير الفلسطينيين من غزة، والتي اعتبرتها الدول انتهاكًا للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

كما جاء الموقف العربي ردًا على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي تحدث عن ضرورة ما وصفه بـ«الهجرة» من قطاع غزة، مؤكدًا أن إسرائيل تبحث تنفيذ ترتيبات لإخراج الفلسطينيين من القطاع.

وجاءت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، السبت 5 سبتمبر 2026، لتؤكد عدم وجود خطة أمريكية أو إسرائيلية لفرض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة قسرًا، وذلك بعد دعوات أطلقها مسؤولون إسرائيليون بشأن «الهجرة» من القطاع.

وقال هاكابي إن واشنطن لا تؤيد إجبار سكان غزة على مغادرة أراضيهم، مؤكدًا عدم وجود خطة لترحيل الفلسطينيين ضد إرادتهم.

وتزامن الجدل حول مستقبل قطاع غزة مع مواقف دولية وفلسطينية أكدت رفض أي محاولات لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي للأراضي الفلسطينية. وخلال اجتماعات الأمم المتحدة، شدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على ضرورة الحفاظ على وحدة غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ضمن إطار الدولة الفلسطينية، مؤكدًا أن حل الدولتين على حدود عام 1967 يمثل المسار الأساسي لتحقيق السلام.

وأكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمسكه بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، رافضًا سياسات التهجير والضم والاستيطان، ومشددًا على أن قطاع غزة والضفة الغربية يمثلان وحدة جغرافية وسياسية واحدة.

كما أكدت وزارة الخارجية المصرية رفضها للتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، وأي إجراءات أحادية تهدد حل الدولتين أو تمس الوضع التاريخي والقانوني للقدس، رافضة تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتعلقة بفرض سيادة إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.

وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار الجدل حول مستقبل غزة، بين دعوات إسرائيلية بشأن «التهجير» أو إعادة تشكيل الواقع في القطاع، ومواقف دولية وعربية تعتبر أي تهجير قسري أو ضم للأراضي الفلسطينية مخالفًا للقانون الدولي ويقوض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

من التطبيع الاقتصادي إلى «الإبراهيمية»: كيف تُطرح الفكرة من الداخل؟

وفي ظل ما تثيره هذه التصورات من تساؤلات حول العلاقة بين الخطاب الديني والمشروعات السياسية والجغرافية، يبرز سؤال آخر: كيف ينظر بعض المنضمين إلى هذه المبادرات إلى مفهوم «الإبراهيمية» وحدود علاقته بالسلام والتطبيع؟

ومن هنا، ننتقل إلى شهادة أحد الأفراد المنضمين إلى مجموعة «الدستور الإبراهيمي»، لفهم كيفية طرح هذه الأفكار من الداخل، وكيف يُنظر إليها باعتبارها إطارًا للتعايش والحوار الديني، وتحليل الأبعاد السياسية والجغرافية، ومحاولة فهم كيفية تأثيرها على الوعي العام وجذب المتعاطفين وتشكيل الخطاب حول هذه المفاهيم.

وبالتواصل مع أحد الأفراد المنضمين إلى مجموعة «الدستور الإبراهيمي»، كشفت إفادته عن موقف مركب؛ فهو لا يؤيد الاتفاقيات الإبراهيمية بصيغتها الحالية، لكنه يرى أن بعض أفكارها يمكن إعادة صياغتها من منظور عربي لتصبح إطارًا للحوار والتعايش والسلام، في الوقت الذي ينتقد فيه ما يصفه بالتمدد الإسرائيلي والصهيوني في المنطقة.

وهو ما يطرح سؤالًا حول إمكانية الفصل بين البعد الديني والثقافي لمفهوم «الإبراهيمية» وبين توظيفه السياسي في إطار علاقات إسرائيل بالدول العربية.

وأوضح أن عمليات التطبيع أو التعاون الاقتصادي والمصالح التي أقدمت عليها بعض الدول العربية مع إسرائيل، كنوع من عمليات السلام الاقتصادي، وما نتج عنها من مصالح واتفاقيات اقتصادية وسياسية وغيرها من أشكال التعاون، قد تكون، بحسب رؤيته، جزءًا من مسارات التفاوض أو الاتفاقيات القائمة، أو طرح مبادئ مرتبطة بالإبراهيمية تحت مسميات مختلفة.

وأشار إلى أنه غير مؤيد بشكل تام لمثل تلك الاتفاقيات، لكنه يرى أنه يمكن النظر في بعض هذه الأفكار وتطويرها وفقًا للرؤية العربية، باعتبارها نوعًا من أنواع التعايش والسلام والحوار بين الأديان، موضحًا أنه لا يؤيد فكرة «الدستور الإبراهيمي» بصيغتها الحالية، لكنه لا يرفض فكرة الحوار الديني والتعايش التي تُطرح تحت مظلتها.

واستشهد بالأوضاع في الجولان وجنوب لبنان وقطاع غزة وغيرها من المناطق، ورأى أن هناك حالة من التمدد الإسرائيلي الصهيوني في المنطقة العربية تشمل التمدد الفكري، لكنه يرى في الوقت نفسه إمكانية الأخذ في الاعتبار فكرة السلام والحوار بين الأديان بعيدًا عن فكرة التمدد الصهيوني الديني والسياسي.

وأضاف أن بعض الاتفاقيات، ومنها الاتفاقيات الإبراهيمية، قد تُطرح، من وجهة نظره، باعتبارها محاولة لفرض حالة من السلام، ولو بشكل مؤقت، بهدف وقف استمرار سقوط الضحايا واستهداف المدنيين، خاصة في قطاع غزة.

وأكد أن هناك خلافات ونقاشات واسعة حول هذه الاتفاقيات، لكنه يرى أنه قد توجد خطوات حقيقية لإعادة النظر فيها أو تعديل بنودها بما يضمن تحقيق سلام فعلي.

ماذا قال أحد مؤسسي «الدستور الإبراهيمي»؟

أوضح أحد مؤسسي «الدستور الإبراهيمي»، عبر منشور على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحته الرسمية، أن الفكرة تأتي، بحسب رؤيتهم، كمحاولة «للخروج من الصندوق» والبحث عن نموذج جديد للسلام والتعايش بين أتباع الديانات المختلفة.

وأكد القائمون على المبادرة أن هدفهم المعلن هو تجاوز الصراعات التاريخية وبناء ما وصفوه بـ«سلام أمني حقيقي» قائم على الحوار والقواسم المشتركة بين الديانات الإبراهيمية.

مسار «الإبراهيمية» من الدين إلى السياسة

ويختلف مفهوم الإبراهيمية بين استخدامه كإطار للحوار بين أتباع الديانات، وبين استخدامه السياسي في سياق اتفاقيات التطبيع التي عُرفت باسم «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، حيث انتقل المصطلح من المجال الديني والثقافي إلى المجال السياسي.

ويشير باحثون إلى ضرورة التمييز بين الدعوات الدينية أو الثقافية للحوار بين أتباع الأديان، وبين توظيف المفهوم داخل مسارات سياسية تتعلق بالعلاقات الدولية وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.

والحديث عن «المسار الإبراهيمي» أو «الديانة الإبراهيمية» أو غيرها من المسميات ليس وليد السنوات الخمس الأخيرة، أو وليد اتفاقيات التطبيع التي أُطلق عليها «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، بل سبقتها مجموعة من الدراسات والأوراق والتقارير الرسمية منذ تسعينيات القرن الماضي.

ودأبت الفكرة في بداياتها على طرح مسار ديني من كردستان العراق إلى القدس لتتبع مسار سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومنه مسارات أخرى من الخليج ومصر إلى القدس، وفقًا لخريطة مسار سيدنا إبراهيم. وقد أصدرت جامعة هارفارد عام 2013 دراسة سُمّيت «مسار إبراهيم» الديني في العراق.

ثم تحولت الفكرة من النطاق الديني إلى النطاق السياسي، ففي عام 2013 تم تشكيل إدارة خاصة سُمّيت «إدارة الحوار الاستراتيجي مع المجتمع المدني» داخل وزارة الخارجية الأمريكية، عندما كانت تتولاها هيلاري كلينتون.

اتفاقيات أبراهام.. من الدين إلى السياسة

لم يعد الجدل حول «اتفاقيات أبراهام» مرتبطًا بالتطبيع السياسي والاقتصادي فقط، بل امتد إلى أسئلة أوسع حول توظيف المفهوم الديني في إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية، وما قد يترتب عليه من تحولات فكرية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية في المنطقة.

إذ انتقلت فكرة سيدنا إبراهيم عليه السلام كرمز ديني مشترك بين اليهودية والمسيحية والإسلام من المجال الديني والثقافي إلى المجال السياسي مع طرح «اتفاقيات أبراهام» عام 2020.

وتناولت الدراسات الأمريكية والإسرائيلية حول اتفاقيات أبراهام تحول مفهوم إبراهيم من رمز ديني مشترك إلى إطار سياسي ودبلوماسي للسلام والتطبيع.

وركزت على دور إدارة دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشنر في صياغة الاتفاقيات عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، كما حللت فرص التعاون الاقتصادي والأمني، إلى جانب الجدل حول تأثير الاتفاقيات على القضية الفلسطينية وحل الدولتين.

كما بحثت دراسات أخرى مستقبل الاتفاقيات واستدامتها، بين من يراها تحولًا إقليميًا تاريخيًا ومن ينتقد تجاوزها للملف الفلسطيني.

ومن ضمن تلك الدراسات، دراسة «مبادرة اتفاقيات أبراهام للرئيس دونالد ترامب: آفاق إسرائيل والدول العربية والفلسطينيين» للباحث فريد أ. لازين عام 2023، التي تناولت خلفيات الاتفاقيات التي رعتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ودور مستشاره وصهره جاريد كوشنر في صياغتها.

وأشارت الدراسة إلى أن الاتفاقيات جاءت ضمن إعادة تشكيل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بعد قرارات ترامب بشأن القدس والضفة الغربية، ثم توقيع اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين عام 2020.

وتبحث الدراسة في رؤية الإدارة الأمريكية وإسرائيل التي قدمت الاتفاقيات باعتبارها إطارًا للتعاون والسلام الإقليمي، قائمًا على المصالح الاقتصادية والأمنية والتعاون بين الدول.

كما حللت مواقف الجهات البحثية والأكاديمية الأمريكية والإسرائيلية من الاتفاقيات، بين من اعتبرها تحولًا تاريخيًا في العلاقات العربية-الإسرائيلية، ومن رأى أنها تجاوزت القضية الفلسطينية ولم تربط التطبيع بحل الصراع.

وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل اتفاقيات أبراهام يرتبط بقدرتها على التأثير في العلاقات الإقليمية، وبمدى انعكاسها على مستقبل الفلسطينيين وحل الدولتين.

رفض دمج العقائد تحت مسمى الاتفاقيات الإبراهيمية

لم يقتصر الجدل حول «الإبراهيمية» على أبعادها السياسية والاقتصادية، بل امتد إلى المجال الديني والعقدي، خصوصًا مع طرح بعض التصورات التي تتحدث عن القواسم المشتركة بين الديانات الإبراهيمية.

وهنا برزت تساؤلات حول ما إذا كان الحوار بين الأديان يمكن أن يتحول إلى محاولة لدمج العقائد، وهو ما دفع مؤسسات دينية إلى إعلان مواقف رافضة لهذا الطرح، والتأكيد على رفض أي تغيير في العقائد أو المسميات، وتحريم أي نوع من الاتفاقيات تحت إطار ما يسمى «الإبراهيمية».

وانتقال مفهوم الإبراهيمية من إطار الحوار بين الأديان إلى طرح سياسي أثار جدلًا دينيًا وفكريًا، حيث رفض مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فكرة إنشاء كيان ديني موحد تحت مسمى «الديانة الإبراهيمية»، أو الإيمان بأي معتقد أو دستور للتوحيد في إطار الإبراهيمية، مؤكدًا أن التعاون بين الأديان لا يعني دمج العقائد أو إلغاء الفوارق بينها، وأن اختلاف العقائد سنة كونية.

وشدد الأزهر، في بيان صادر عنه عام 2025، على أن هذه الطروحات تمثل خطرًا على الثوابت الدينية، داعيًا إلى البحث عن مسارات أخرى للتعاون الإنساني بعيدًا عن توحيد المعتقدات.

كما أعلن البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، رفضه لفكرة «الديانة الإبراهيمية»، معتبرًا أنها «فكرة سياسية غريبة» لا تتوافق مع ثوابت الإيمان المسيحي.

وأكدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تمسكها بعقيدتها التقليدية، مع استمرارها في دعم الحوار والتعايش بين أتباع الأديان دون دمج العقائد.

ويقول أحمد حسين، الباحث في العقيدة الإسلامية، إن ما يُعرف بـ«الدين الإبراهيمي» أو «الملة الإبراهيمية» أو الاتفاقيات الإبراهيمية مرفوض تمامًا من الناحية العقدية، معتبرًا أنه مشروع يستهدف الإسلام وعقيدته تحت شعارات السلام والتعايش بين الأديان.

وأشار إلى أن التاريخ يعيد نفسه، مستشهدًا بما وصفه بمحاولات سابقة أثرت في المسيحية خلال فترات الإصلاح الديني، وذكر مارتن لوثر في هذا السياق، معتبرًا أن هناك محاولات لإعادة تشكيل الأديان بما يخدم أهدافًا معينة.

وأضاف أن الاتفاقيات الإبراهيمية، وفقًا لرؤيته، تسعى إلى إيجاد إطار يجعل الإسلام يعترف بالتلمودية والتوراتية ضمن مفهوم ديني جديد، وهو ما يرفضه من منطلقات عقدية، مؤكدًا أن أي اختلاف في المسميات تحت الطرح السياسي أو الديني، تحت مسمى «الإبراهيمية»، مرفوض تمامًا.

وتواصلت «ليبرالي» مع مركز أبحاث الدراسات الشرق الأوسط بالأردن، الذي أجاب عن أسئلتنا قائلًا إن فكرة «المسار الإبراهيمي» طُرحت باعتبارها مشروعًا يقوم على التعايش والسلام، انطلاقًا من أن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء ويحظى بمكانة لدى الديانات السماوية الثلاث.

إلا أنه يرى أن الهدف الحقيقي للمشروع يتجاوز هذا الطرح إلى إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وثقافيًا وقانونيًا، وصولًا إلى صياغة منظومة جديدة ودستور وقوانين جديدة.

كما أشار إلى أن التفكير في هذه الفكرة بدأ خلال الفترة من عام 1990 حتى عام 2000، وربطها بدراسات وأبحاث أُجريت في بعض الجامعات الأمريكية، معتبرًا أن المنطقة أصبحت محل استهداف ضمن هذا التصور.

وأضاف أن إسرائيل عملت لعقود على بناء قدراتها العلمية والتكنولوجية حتى أصبحت من الدول الرائدة في تصدير التكنولوجيا، في حين ظلت المنطقة العربية متأخرة في هذا المجال.

ويظل الجدل حول هذه الطروحات مرتبطًا بالسؤال الأساسي حول الحدود الفاصلة بين الحوار الديني والتعايش من جهة، وبين استخدام هذه المفاهيم، وفقًا لمنتقديها، كأداة للتوسع والتوغل الفكري للفكر الصهيوني بدعوى «الإبراهيمية».

زر الذهاب إلى الأعلى