بعد ثلاث سنوات تحت الأنقاض.. توثيق انتشال 105 جثامين من برج التاج وحفظ الأدلة على واحدة من أكبر المجازر في قطاع غزة
تقرير يوثق موقع الاستهداف، وشهادات الناجين وذوي الضحايا، وبعض الأدلة المرتبطة بالواقعة

مجزرة برج التاج بقطاع غزة .. 3 سنوات من الانتظار تحت الركام
في برج التاج بشارع اليرموك بقطاع غزة، لم تنتهِ المأساة بانهيار المبنى إثر استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمدنيين العزل في منازلهم، فمئات الضحايا ظلوا تحت الأنقاض، فيما ظلت عائلاتهم تنتظر ثلاث سنوات كاملة، أملًا في استعادة جثامين أحبائهم ودفنهم.


مصدر الصور بالأقمار الصناعية من موقع جيش الدفاع الإسرائيلي قبيل استداف مباني المدنيين
في 25 أكتوبر عام 2023، شنّ الطيران الحربي للاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات جوية استهدفت برج التاج 3 والمربع السكني المحيط به في شارع اليرموك وسط مدينة غزة، مستخدمًا ذخائر جوية شديدة الانفجار مُتسلسلة، أدت إلى تسوية المبنى والمنازل المجاورة بالأرض، ودفن عشرات الضحايا تحت الأنقاض، فيما استمرت عمليات انتشال الجثامين والرفات لسنوات بسبب حجم الدمار وصعوبة الوصول إلى الموقع،وأفادت التقارير أن عدد الضحايا 119 بينما أفادت تقارير أخرى بأنهم أكثر من ذلك، كما أُصيب أكثر من 260 شخصًا، ومحو حوالي 6 عائلات تحت الأنقاض وفقً لتوثيق هيئة مراقبة الأضرار المدنية AIRWARS
كان الاحتلال الإسرائيلي قد أدعى استهداف المنطقة لوجود نفق لحماس أسفل المباني السكنية، وبفحص الفيديوهات التي تم نشرها في موقع وزارة الدفاع الإسرائلي، يُظهر حجم الكارثة، ونوعية القنابل التي تم استخدامها.
Madhath Mubashar—Commander of Hamas’ Western Khan Yunis Battalion—was eliminated by an IDF aerial strike.
Furthermore, the IDF struck 250+ Hamas targets including a terrorist tunnel network in Gaza that detonated the secondary explosions. pic.twitter.com/qaB5J0np2G
— Israel Defense Forces (@IDF) October 27, 2023
أما الآن، فقد تم انتشال 105 جثامين من بين الأنقاض، من أصل نحو 400 ضحية-وفقًا لتقديرات الدفاع المدني الفلسطيني-، بعد ثلاث سنوات من الانتظار، وجاء ذلك بتعاون اللجنة المصرية بقطاع غزة برفقة الدفاع المدني الفلسطيني، بعد رفع الركام.
ومن بين الضحايا، 37 شهيدًا من عائلة شرف، في مأساة تكشف حجم الفقد الجماعي داخل البرج.
فقصص الضحايا لا تنتهي، ووراء كل قصة ألم وفقد، فهناك أب استشهد مع ابنه وأفراد من عائلته، بينهم طفله الرضيع، الذي جاء إلى الدنيا بعد 17 عامًا من انتظار مولده، وأب آخر لم يجد سوى أن ينعي زوجته وطفله، وأب ثالث فقد بناته الأربع، إلى جانب أعمامه وإخوته.
ومن بين الجثامين التي ظلت تحت الركام طوال ثلاث سنوات، جرى استخراج جثمان الصحفية دعاء شرف وطفلها عبيدة، لتنتهي سنوات الانتظار وتبدأ لحظة الوداع.

تم إلتقاط صور الضحايا “يوم الأ{بعاء 30 سبتمير 2026” قبيل الدفن بيوم
اليوم، الخميس 1 أكتوبر في عام 2026، يأتي موعد الوداع، والنعي قبيل توديعهم لمثواهم الأخير، ثلاث سنوات بعد الفراق الدامي، تعود الجثامين إلى أهلها، لتُدفن بعد انتظار طويل، عقب استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة، في سياق الهجمات التي طالت آلاف المنازل في قطاع غزة، وأسفرت عن سقوط ضحايا ظل كثير منهم تحت الركام.
ولا تزال، وفق تقديرات متداولة، نحو 15 ألف جثمان تنتظر عمليات الانتشال والتعرّف والدفن، فيما مُحيت أسماء عائلات كاملة من السجلات.
هذا التقرير ليس مجرد رصد للحظة تشييع، بل هو توثيق ما حدث، وحفظ أسماء الضحايا وقصصهم وشهادات ذويهم، وتسجيل بعض الأدلة المرتبطة بالوقائع، فالجثامين قد تُدفن، لكن أسماء الضحايا ووقائع ما حدث يجب ألا تُدفن معها،فالتوثيق هو الخطوة الأولى نحو الكشف والتحقيق والمساءلة، وحفظ الأدلة التي يمكن أن تُعرض أمام الجهات القضائية الدولية المختصة، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، وفق الأطر والإجراءات القانونية المعمول بها في نظام روما الأساسي بجمع الوقائع والأدلة ذات الصلة والحفاظ عليها والتحقيق فيها وفقًا للمادة 54، واتخاذ إجراءات عاجلة لجمع الأدلة والمحافظة عليها خوفًا من ضياعها وفقا للمادة 56، والتعاون وفقا للمادة 93 في جمع الأدلة، ومعاينة المواقع، وتقديم الوثائق والسجلات، وحماية الضحايا والشهود، والمحافظة على الأدلة اللازمة للتحقيقات والمحاكمات الدولية.

استهداف عائلة شرف في منطقة برج التاج
نعى يوسف شرف عائلته قائلًا:” الحمد لله الذي شرّفنا بأعز شرف، ومنحنا بفضله أعلى رتب ونياشين الدنيا والآخرة، بأن جعل منّا ليس شهيدًا، بل شهداء، لتحمل عائلتي التي ودّعتها بقلب صابر محتسب اسم “شرف”، صفةً وقولًا وفعلًا”.
وأضاف:” استشهدت عائلتي بالكامل، والدي الحبيب، الحاج أبو إسماعيل شرف، والدتي الغالية، الحاجة أم إسماعيل شرف، زوجتي، قرة عيني، رفيقة العمر وشريكة الدرب، إسلام بعلوشة، أبنائي وفلذات كبدي، من أجلهم احترقت عمرًا طويلًا، ولو طال أكثر لفعلت من أجل رفعتهم، ومن حافظوا دوما على أفضل الشهادات وبلغوا أعلاها، ملك في الصف السادس، ومالك ولي العهد في الصف الخامس، وياسمين في الصف الأول، ونور وتبلغ من العمر ثلاث سنوات”.
وتابع:” استشهد إخواني وأخواتي وعائلاتهم:أخي وحبيبي إسماعيل وزوجته وابنه، أخي وحبيبي عبد الرحيم وزوجته وابنه وبناته الثلاثة، أخي وحبيبي صلاح وابنه حمزة، أختي وحبيبتي ورفيقتي أسماء وبناتها، أختي وحبيبتي وقرة قلبي آلاء وأطفالها”.
وبقلب صابر أضاف:” استشهد أعمامي وعائلاتهم، عمي الحبيب أبو أسامة شرف، وزوجته وبناته: وسام وإسراء ودعاء وطفلها عبيدة، عمي الحبيب، الدكتور والمحاضر في جامعة الأقصى، د. خالد شرف، وزوجته وأولاده: عبد الله وكريم وجودي”.

وأوضح:” استشهدت عائلتي في قصف صهيوني مدمر استهدف العمارة السكنية التي أقطن بها، “التاج”، في شارع اليرموك ليقضوا إلى الله تعالى، وبعد أيام من تضرر منزل عائلتي وأعمامي بشكل كبير جراء قصف الاحتلال، لتلاحقهم صواريخ الموت وتباغتهم وهم آمنون في منزلهم”.
وأكد:” أحمد الله، أن نجا أخي وعريس عائلتنا المنتظر، عامر، من القصف المدمر الذي غيّر ملامح منطقتنا بالكامل، كما نجا من أشقائي آلاء وأسماء وعامر وعمرو وزوجته وزوجة أخي الشهيد صلاح وطفليه وأبناء عمي وليد وإبراهيم، وحماي وحماتي، ورسالتي للعدو، لن تُضعفنا، نبكي لأننا بشر ونحب أهلنا، لكننا لن ننكسر.. والله لن ننكسر”.
ثلاثة أعوام من الانتظار لبناته الشهيدات تحت الركام
3 سنوات وهو ينتظر أن يحتضن بناته… وعندما عادت إحداهن، لم يعرفها إلا من أسنانها، هذا هو وجع فادي داوود، والد الشهيدات الجميلات: سما، ولانا، وحلا، وجوري.
استعاد جثمان سما بعد سنوات من بقائها تحت الركام في مربع التاج وسط غزة، فوجدها إلى جانب شقيقتيها لانا وحلا، كما اجتمعن في الحياة، اجتمعن في الرحيل، أما جوري، فقد سبقتهن إلى الرحيل مع والدتهن.
أربع بنات رحلن، وأب لم يبقَ له سوى أسمائهن وذكرياتهن، وحلم لقاءٍ لا فراق بعده.

إسماعيل شرف.. طفل جاء بعد 17 عامًا من الانتظار
كما وثّقت حالة الراحل إسماعيل شرف في عام 2023، بعد 17 عامًا من الانتظار، فكانت فرحته الأولى وعوضه العظيم حينما وُلد عمر في يوم التروية، قبل عيد الأضحى، وكان العيد عيدين عند العائلة لكنه استشهد في 25 أكتوبر 2023، حيث استهدف القصف هذه العائلة، فاستشهد عمر، الطفل الرضيع البالغ من العمر أربعة أشهر، ووالداه وجداه وأبناء عمومته.

إسماعيل شرف
أحمد أبو حبل الشهيد الحي .. “كان ساجدًا“
ومن الحالات التي وُصفت بأنها من أكثر الوقائع التي أثرت في ذوي الضحايا، حالة الشهيد أحمد أبو حبل، والذي خرج من تحت ركام بناية سكنية من 8 طوابق، بعد 3 سنوات من قصفها، وجثمانه كما هو، حيث “كان ساجدًا”، والدم يجري في عروقه كأنه شهيد للتو.
مكث والده أيامًا أمام انتشال الأنقاض يبحث عنه، حتى أخبرته زوجة أحمد في اتصال هاتفي: “يا عمي هتلاقي أحمد ساجد في منطقة صالون البيت، هكذا قالت له بعد أن رأته في رؤية بمنامها الذي أصبح معجزة.
وكان أبو الشهيد أحمد أبو حبل يظن أن رؤيا زوجته خيالا، لكن بعد محاولات البحث وصلت فرق الإنقاذ إليه، لتجده بالمواصفات نفسها، “ساجدًا”، ليتحقق منام زوجته تمامًا.
أحمد كان لا يضيّع فرضًا في المسجد، ويعود من صلاة الجماعة لصلاة النافلة في بيته وقراءة القرآن في المكان ذاته الذي استشهد فيه، عندما انهالت 80 قنبلة إسرائيلية على مربع التاج بحي اليرموك في غزة.
دعاء شرف وطفلها عبيدة.. ثلاث سنوات تحت الركام
أما، ابن عم الصحفية دعاء شرف، فينعيها وينعى طفلها عبيدة، قائلًا:” هذا ما تبقّى من الطفل عبيدة.. ابن شقيقي الذي انتشلناه من حضن أمه بعد ثلاث سنوات، قضياها معًا تحت ركام سبعة طوابق قصفها الاحتلال، فانهارت فوق أجسادهما”.
وأضاف:” ثلاث سنوات حُرمنا فيها حتى من نظرة وداع، وحُرما فيها من قبر ككل البشر، ثلاث سنوات مرّت، ثم جاء يوم انتشالهما، فكأن الفقد الذي ظل عالقًا تحت الركام خرج معنا دفعة واحدة”.


على اليمين صورة الصحفية دعاء شرف وطفلها عُبيدة، وعلى اليسار صورة أحد ذويها وهو ينعيها ويحمُل ماتبقى من رُفات عُبيدة
قصص عائلات برج التاج ليست فقط قصصًا عن لحظة القصف، بل عن سنوات كاملة من الانتظار، انتظار انتشال الجثامين، وانتظار لحظة الوداع، وانتظار أن تستعيد العائلات حقها في دفن أحبائها.
ففي كل اسم، حكاية عائلة، وفي كل جثمان، سنوات من الفقد المؤجل، ولاتزال هناك المزيد من قصص الشهداء والضحايا تحت الركام لم يخرجوا للنور لتتكشف الحقائق، حقيقية جريمة الحرب التي تمت ممارستها ضد المدنيين العزل.










