اقتصاددوت جرين

خاص ليبرالي ..من خردة أوروبا إلى حديد مصر.. ماهو حجم ملوثات 2.12 مليون طن؟

  • من إعادة التدوير إلى الانبعاثات.. الوجه الآخر لصناعة الصلب في مصر

  • المفوضية الأوروبية تطالب مصر بإثباتات بيئية عن الملوثات الصادرة من خردة الحديد

  • 1.5 مليار دولار في عام.. فاتورة الخردة المستوردة تكشف حجم اعتماد المصانع عليها

  • بين بيانات الاستيراد وغياب تتبع الشحنات.. فجوة في معرفة مصير الخردة الأوروبية

  • بريطانيا وأمريكا وهولندا وبلجيكا ولبنان.. أبرز موردي خردة الحديد إلى مصر عام 2024

 

لم تعد قصة الخردة الأوروبية التي تدخل مصر تتوقف عند أرقام الواردات، فخلف ملايين الأطنان التي تصل إلى الموانئ تبدأ رحلة أخرى، من ساحات التخزين والفرز والتجهيز إلى أفران صهر الحديد، ثم إلى منتجات صلب تدخل الأسواق المحلية أو تُصدر إلى الخارج، وخلال النصف الأول من عام 2026، استوردت مصر نحو 2.12 مليون طن من خردة الصلب من الاتحاد الأوروبي، بزيادة بلغت 59.7% على أساس سنوي، لتصبح الخردة الأوروبية أحد المدخلات المهمة في دورة إنتاج الصلب المصرية.

لكن هذه الكميات تفتح أسئلة تتجاوز حجم التجارة وقيمتها: من استوردها؟، وإلى أي موانئ وصلت؟، وأين جرى تجهيزها وصهرها؟، وما المنتجات التي خرجت منها؟، وكم أصبحت قيمتها بعد دخولها دورة الإنتاج؟، والأهم، ماذا خلفت عمليات معالجتها من انبعاثات ومخلفات بيئية؟.

وتأتي هذه الأسئلة في وقت أدرجت فيه المفوضية الأوروبية مصر ضمن مسودة قائمة الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD التي لا يُسمح لها باستقبال أنواع من مخلفات المعادن القادمة من الاتحاد الأوروبي، في انتظار اعتماد القائمة النهائية، مع بدء تطبيق القواعد الجديدة في 21 مايو 2027 وفق المعلومات الواردة في مسودة المفوضية.

وطالبت المفوضية مصر بتقديم معلومات وإثباتات بشأن إجراءات الحد من التلوث الناتج عن معالجة هذه المخلفات، بما في ذلك كفاءة استخدام الطاقة والانبعاثات إلى الهواء والمياه وضوابط عمليات المعالجة، كما طلبت بيانات تتعلق بحدود الانبعاثات والضوابط الخاصة بالمواد الملوثة، من بينها الكادميوم والزئبق والرصاص والديوكسينات والفورانات وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، وقالت المفوضية إنها ستعيد تقييم موقف مصر في ضوء المعلومات الإضافية التي ستقدمها والتقدم الذي تحرزه في هذه المجالات.

يتتبع التقرير رحلة الخردة الأوروبية من الميناء إلى أفران صلب الحديد ومن النفايات المعدنية إلى منتجات بمليارات الدولارات.

2.12 مليون طن في 6 أشهر

تكشف بيانات قطاع الصلب عن حجم الاعتماد المصري على الخردة الأوروبية، حيث استوردت مصر نحو 2.12 مليون طن من خردة الصلب من الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 59.7% على أساس سنوي، وفق البيانات المنسوبة إلى الاتحاد العربي للحديد والصلب.

ويضع هذا الرقم الخردة الأوروبية في قلب سلسلة إمداد صناعة الصلب المصرية، خصوصًا مع اعتماد أفران القوس الكهربائي EAF – Electric Arc Furnace على الخردة كأحد مدخلات إنتاج الصلب، لكن الرقم الإجمالي يطرح سؤالًا لا تجيب عنه البيانات التجارية المنشورة وحدها.

من الدولة المُصدرة إلى أفران الصهر.. تتبع رحلة الخردة الأوروبية

بحثت «ليبرالي» في المصادر المفتوحة المتاحة، وتبين عدم وجود قاعدة بيانات رسمية تربط كل شحنة من إجمالي هذه الكميات بمصنع مصري محدد، وهو ما يجعل من الصعب تحديد وجهة كل شحنة على حدة، وبناءً على ذلك، يُستنتج أن هذه الشحنات توزعت بين المصانع المصرية التي تعتمد على أفران القوس الكهربائي في عمليات إنتاج الصلب.

ومن خلال بيانات سلاسل التوريد، يمكن تتبع المسار الصناعي للخردة، بدءًا من الدولة المُصدرة، مرورًا بالسفينة التي تنقل الشحنة والميناء الذي تصل إليه، ثم انتقالها إلى المصنع وأفران القوس الكهربائي، وصولًا إلى مرحلة الإنتاج، وما يترتب عليها من منتجات يتم طرحها في السوق المحلية أو توجيهها إلى التصدير للخارج.

كما هو موضح في الإنفوجراف التالي:

من الميناء إلى فرن القوس الكهربائي

مصادر من داخل باكورة إنتاج أحد مصانع الحديد في مصر أكدت لـ«ليبرالي»، أن إنتاج الخردة المستوردة إلى مصر يأتي عبر عدد من الموانئ، وتبرز الدخيلة-الإسكندرية والعين السخنة ضمن الموانئ المرتبطة بحركة المواد الخام ومدخلات صناعة الصلب، مضيفة أن الخردة تنتقل بعد ذلك إلى ساحات التخزين والتجهيز، حيث يمكن أن تخضع لعمليات الفرز والتنظيف والتقطيع والكبس والتصنيف قبل إدخالها في عملية الصهر.

كما أن مصر تُنتج وتُصدر منتجات صلب مطابقة لمعايير دولية مثل ASTM وEN وBS، بما في ذلك حديد التسليح والبيليت والـ HRC والأسلاك، وهو ما يسمح بتسويقها في الأسواق الخارجية عند توافر الطلب.

أما عن الإنتاج، فأوضحت المصادر أنه يتم  الصهر والدرفلة، فيتحول الصلب إلى حديد تسليح، ولفائف السلك، ولفائف الصلب مدرفلة على الساخن Hot Rolled Coil – HRC، حيث تتركز أجزاء مهمة من صناعة الصلب في مناطق صناعية من بينها الإسكندرية والسويس والقاهرة-حلوان، والعين السخنة.

وتشير بيانات صناعة الصلب إلى أن الخردة تدخل في عملية إنتاج جديدة، ولا تخرج من المصنع باعتبارها «خردة معاد تدويرها»، وفي مصانع الصلب التي تستخدم أفران القوس الكهربائي، تدخل الخردة مع مواد أخرى، من بينها الحديد المختزل المباشر DRI وفق تركيبة الشحنة المستخدمة في كل مصنع.

الخردة المستوردة.. أحد المدخلات الرئيسية لصناعة الصلب المصرية

وتكشف بيانات التجارة الدولية، عن اعتماد صناعة الصلب المصرية على الخردة المستوردة باعتبارها أحد المدخلات الأساسية في عمليات الإنتاج، خاصة في المصانع التي تعتمد على تكنولوجيا أفران القوس الكهربائي -EAF- لإعادة صهر الخردة وتحويلها إلى منتجات فولاذية جديدة.

ووفق بيانات التجارة الدولية، استوردت مصر خلال عام 2024 نحو 3.965 مليون طن من الخردة ومخلفات الحديد والصلب ضمن البند الجمركي HS 720449، بقيمة بلغت نحو 1.546 مليار دولار، وهو ما يعادل متوسطًا حسابيًا يقارب 390 دولارًا للطن.

وتوضح بيانات عام 2024 أن أوروبا كانت من أبرز مصادر الخردة إلى السوق المصرية، حيث جاءت بريطانيا في مقدمة الموردين بنحو 1.762 مليون طن، بقيمة تقارب 687.3 مليون دولار، تلتها بلجيكا بنحو 1.077 مليون طن، بقيمة بلغت نحو 419.9 مليون دولار، ثم هولندا بنحو 556 ألف طن، بقيمة تقارب 216.9 مليون دولار، إضافة إلى واردات من لبنان بنحو 202 ألف طن، والولايات المتحدة بنحو 186 ألف طن.

2025 و2026.. استمرار تدفقات الخردة

وبحسب البيانات المتاحة، صدّر الاتحاد الأوروبي إلى مصر خلال عام 2025 نحو 1.83 مليون طن من خردة الحديد والصلب بقيمة تقارب 586.4 مليون دولار، بمتوسط حسابي يقترب من 320 دولارًا للطن.

أما خلال النصف الأول من عام 2026، فقد بلغت كمية الخردة الداخلة إلى مصر نحو 2.12 مليون طن، أي مايُعادل -وفقًا للتقديرات الحسابية- نحو 678 مليون دولار تقريبًا.

وتُشير بعض خطوط الإنتاج التابعة لأحد المصانع المعروفة، وفقًا لبيانات شركة “ح.ع”، إلى استخدام مزيج يصل إلى 80% من الحديد المختزل المباشر DRI و20% من خردة الصلب عالية الجودة في بعض عمليات الصهر.

من الخردة إلى الانبعاثات.. ماذا تبقى من رحلة إعادة التدوير؟

رغم أن صناعة الحديد والصلب من الصناعات كثيفة الانبعاثات، فإن بيانات وزارة البيئة المنشورة لا تشير إلى تسجيل تجاوزات للحدود القانونية في مؤشرات الرصد الخاصة بالقطاع، حيث أظهرت تقارير حالة البيئة نسب توافق مرتفعة مع المعايير المحددة للانبعاثات، وقد طالبت المفوضية الأوروبية في بيانها مصر بتوضيح الكميات المنبعثة بيئيًا ومدى تأثيرها.

رحلة الخردة لا تنتهي عند لحظة دخولها الميناء، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا تعتمد على تتبع مسار الشحنة: السفينة، والمستورد، والمصنع، ووحدات الصهر، والفرن المستخدم، ثم المنتج النهائي الناتج عن إعادة التدوير، ولازال يمتد التساؤل عن حجم المخلفات والانبعاثات الناتجة عن تحويل المواد الحديدية المُعاد تصنيعها إلى مواد تصلح للتصنيع من جديد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى