المجتمع المصري مصاب بالفصام!
على مدار عشرات السنين، شاهدنا أفلامًا ومسلسلات تتناول عالم الجاسوسية والمخابرات والحروب السرية، والصراعات بين أجهزة الاستخبارات، وأساليب تجنيد العملاء وانتزاع المعلومات منهم، وكانت هناك دائمًا وصية تتكرر على لسان ضباط المخابرات في تلك الأعمال: نريد أن نعرف كل شيء عن المجتمع الذي نتجسس عليه، حتى أدق تفاصيل حياة أفراده.
لم تكن المعلومات المطلوبة تقتصر على تحركات المسؤولين أو الخطط العسكرية، بل امتدت إلى أحوال الناس الاقتصادية، وحركة الأسواق، وأسعار السلع الغذائية، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، وما يشغل المواطنين من أفكار ومخاوف وأحلام، فكل تفصيلة في حياة الشعوب قد تكون معلومة مهمة لمن يريد فهمها والتأثير فيها.
وهنا بدأت أتساءل: أليست السينما المصرية والدراما التلفزيونية قد قدمتا، على مدار عقود، صورة شديدة التفصيل عن المجتمع المصري، بكل طبقاته وتناقضاته وأزماته؟.
لقد شاهدنا أعمالًا أدبية ودرامية عظيمة نقلت إلى الشاشة تفاصيل الحياة في الحارات والأحياء الشعبية، وكشفت طبيعة العلاقات الأسرية، وصراعات الطبقات، وأحوال الفقراء والأغنياء، وأشكال الفساد والانحراف، وأحلام البسطاء وانكساراتهم، وكانت هذه الأعمال، في كثير من الأحيان، بمثابة مرآة دقيقة للمجتمع في مراحل مختلفة من تاريخه.
ولعل أعمال الأديب الكبير نجيب محفوظ، التي جسدت جوانب متعددة من الحياة المصرية، خير مثال على قدرة الأدب والفن على تقديم صورة عميقة عن المجتمع، لا تكتفي برصد الأحداث، بل تنفذ إلى النفس البشرية، وتكشف دوافعها وصراعاتها وتناقضاتها.
وهنا يبرز السؤال الذي يشغلني: «إذا كانت أجهزة الاستخبارات تسعى إلى جمع المعلومات لفهم المجتمعات، فإن الفن والأدب والصحافة والإعلام يقدمون بالفعل كمًّا هائلًا من المعلومات عن حياة الشعوب، أحيانًا بصورة أكثر عمقًا مما تقدمه التقارير الرسمية».
فهل يمكن أن يستفيد أي جهاز استخباراتي من هذه الأعمال في دراسة مجتمع ما؟ بالتأكيد، فالأعمال المنشورة والمتاحة للجمهور يمكن أن تكون أحد مصادر فهم المجتمعات، شأنها شأن الصحافة والبحوث والدراسات، لكن هذا لا يعني أن كل عمل فني صُنع لخدمة جهاز استخباراتي، ولا أن تصوير الواقع بدقة دليل على وجود مخطط للتجسس.
ومع ذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بالجاسوسية وحدها، بل بمدى وعينا نحن بما ننشره ونقدمه عن مجتمعنا، وبقدرتنا على التمييز بين حرية الإبداع والمسؤولية تجاه الوطن، دون أن يتحول الخوف من كشف العيوب إلى وسيلة لإسكات النقد أو إخفاء الحقائق.
فالمجتمع الذي يواجه مشكلاته بشجاعة لا يخشى أن يعرضها الفن، بل يسعى إلى علاجها، أما المجتمع الذي يفضل تجميل صورته أمام الآخرين، بينما يترك أزماته تتفاقم في الداخل، فإنه يخاطر بأن يصبح أسيرًا لصورة زائفة عن نفسه.
ومن هنا نصل إلى التناقض الذي دفعني إلى اختيار هذا العنوان: المجتمع المصري مصاب بالفصام!.
نحن نريد أعمالًا فنية تكشف الحقيقة، ثم نغضب عندما تكشف عيوبنا، نطالب بالشفافية، ثم نرفض أحيانًا سماع ما لا يعجبنا. نتغنى بتاريخنا وإنجازاتنا، لكننا قد نتجاهل مشكلات حقيقية تحتاج إلى مواجهة وإصلاح.
إنه تناقض بين الصورة التي نريد أن يرانا الآخرون بها، والواقع الذي نعيشه كل يوم.
ثم أنتقل إلى قضية أخرى مرتبطة بنظرتنا إلى الأدب والثقافة: جائزة نوبل التي حصل عليها نجيب محفوظ عام 1988، ليصبح أول أديب يكتب بالعربية يفوز بجائزة نوبل في الأدب.
لقد اعتبر العرب هذا الإنجاز مصدر فخر ثقافي كبير، وهو بالفعل اعتراف عالمي بقيمة تجربة أدبية استثنائية. لكن يحق لنا، في الوقت نفسه، أن نناقش معايير الجوائز العالمية، وأن نتساءل عن تأثير السياسة والثقافة وموازين القوة في المشهد الثقافي الدولي، شريطة أن يستند أي حكم إلى وقائع وأدلة، لا إلى الشكوك وحدها.
فهل ينبغي أن نقيس قيمة الأديب بما يحصل عليه من جوائز عالمية، أم بما يتركه من أثر في وجدان الناس ووعيهم؟ وهل كل تكريم دولي يعني بالضرورة اتفاقنا مع جميع المعايير التي تقف وراءه؟.
في تقديري، قيمة نجيب محفوظ الأدبية لا تختزلها جائزة، كما أن الجائزة وحدها لا تكفي للحكم على أي كاتب، والأهم أن نقرأ أعماله، ونناقشها، ونفهم كيف استطاع أن يرصد المجتمع المصري بكل ما فيه من جمال وقسوة وتناقضات.
وفي النهاية، أترك للقارئ مجموعة من الأسئلة:
هل أصبحنا نخلط بين النقد والهجوم، وبين الوطنية وإنكار الواقع؟.
هل نمتلك الشجاعة لمواجهة عيوب مجتمعنا بدلًا من الاكتفاء بتجميل صورته؟.
وهل نستطيع أن نحتفي بإنجازاتنا الثقافية، وفي الوقت نفسه نناقشها بعقل نقدي مستقل، دون تقديس أو تخوين؟.
إن حماية المجتمع لا تبدأ بإخفاء الحقيقة، بل بفهمها. والوطن القوي ليس هو الذي لا تظهر عيوبه، وإنما هو الذي يمتلك الإرادة لتصحيحها.
فهل أزمتنا الحقيقية فيمن يرصد واقعنا، أم في واقع نرفض أحيانًا أن نراه كما هو؟.



