مقالات

المسنون.. حق الكرامة وأصالة المجتمع

أشرف عبدالغني

أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية

المسنون ليسوا مجرد أرقام في سجلات الحكومة.. ليسوا مجرد وجوه امتلأت بالتجاعيد وعظام دب فيها الوهن.. المسنون هم تجربة الأعوام وخبرة السنين.. هم الأب والأم والجد والجدة.. هم الماضي بكل تفاصيله.. عاشوا يرون الأجيال بعصارة الفكر والتجربة وفجأة يجد معظمهم نفسه أمام احتياجات تتزايد ودخل لا يواكبها، وبين الدواء والغذاء، وفواتير العلاج، تضيق معايير الحياة الكريمة.

مع بداية أكتوبر من كل عام، يتجدد الحديث عن اليوم العالمي للمسنين، لكن السؤال الأهم ليس ماذا نقول في هذه المناسبة؟، وإنما: ماذا نفعل عندما يحتاج الإنسان الذي أفنى عمره في خدمة أسرته ومجتمعه إلى من يخدمه ويحفظ كرامته؟.

كثير من المسنين في مصر يواجهون تحديات متراكمة، من ارتفاع تكاليف العلاج والأدوية، إلى ضعف الدخل، والوحدة، وصعوبة الحصول على بعض الخدمات، فضلًا عن تراجع دور الأسرة الممتدة تحت ضغوط الحياة والعمل والهجرة الداخلية والخارجية.

وبحسب أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع عدد المصريين الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر من نحو9.8 مليون مسن عام 2025 إلى نحو 10.2 مليون مسن عام 2026، بما يمثل9.3 % من إجمالي السكان، لكن الأرقام تكشف في الوقت نفسه جانبًا آخر يحتاج إلى وقفة جادة، إذ بلغ عدد مؤسسات رعاية المسنين 169 مؤسسة فقط عام 2024، يستفيد منها نحو 4,072  مسنًا، إلى جانب157 ناديًا للمسنين يستفيد منها 30.8 ألف مسن تقريبًا.

وبالمقارنة مع أكثر من 10  ملايين مسن في مصر، تكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة بين حجم الفئة المستهدفة وحجم الخدمات المتاحة لها، وتطرح سؤالًا بسيطًا لكنه بالغ الأهمية: ماذا عن الملايين الذين يعيشون خارج هذه المنظومة؟.

وفي دول مثل اليابان، تحولت رعاية كبار السن إلى منظومة متكاملة تشمل الرعاية الصحية والاجتماعية والمنزلية، بينما طورت دول عربية مثل الإمارات والسعودية مبادرات وبرامج تستهدف تحسين جودة حياة كبار السن وتعزيز اندماجهم في المجتمع.

وأرى أن مصر لا تحتاج فقط إلى زيادة المساعدات، وإنما إلى إعادة تصميم منظومة التعامل مع المسن، من خلال بطاقة موحدة لكبار السن تتيح أولوية حقيقية في الخدمات، وتوسيع الرعاية المنزلية، وتقديم حوافز للأسر التي تتولى رعاية مسنيها، وتشجيع القطاع الخاص والمجتمع المدني على إنشاء خدمات رعاية نهارية ومنزلية بأسعار مناسبة.

كما يجب ألا ننظر إلى المسن باعتباره شخصًا انتهى دوره الاقتصادي، فوجود نحو 1.9 مليون مسن يعملون يؤكد أن الخبرة لا تتقاعد بالضرورة، ويمكن الاستفادة منها في التدريب والاستشارات والعمل المرن ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.

كلمة أخيرة:

المشكلة الحقيقية ليست في أن يكبر الإنسان، وإنما في أن يكبر وهو يشعر أنه أصبح عبئًا على أسرته ومجتمعه، كرامة المسن ليست منحة اجتماعية، وإنما حق أصيل؛ والمجتمع الذي يحسن رعاية كبار سنه اليوم، يضمن لنفسه غدًا شبابًا أكثر إنسانية ومُسنين أكثر أمانًا.

زر الذهاب إلى الأعلى