صراع الممرات «٩-١٠».. البوسفور والدردنيل.. بوابة البحر الأسود إلى العالم
بعد أن انتقلنا في المقالات السابقة من مضيق ملقا إلى مضيق تايوان والقطب الشمالي، نصل الآن إلى ممر مختلف في طبيعته، لكنه لا يقل أهمية: المضائق التركية، البوسفور والدردنيل.
فمن ينظر إلى الخريطة قد يراهما مجرد مضيقين يفصلان أجزاء من تركيا، لكن الحقيقة أن موقعهما يجعلهما البوابة البحرية الوحيدة التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط عبر بحر مرمرة، ولهذا ارتبطت بهما حركة التجارة والطاقة والغذاء بين دول البحر الأسود والأسواق العالمية، ووفق بيانات «الأونكتاد»، مر عبر المضائق التركية نحو 3.1% من حجم التجارة البحرية العالمية في 2023، وكانا مهمين خصوصًا لنقل النفط والحبوب من منطقة البحر الأسود.
وهنا تظهر أهمية الموقع التركي، فالسفن القادمة من موانئ روسيا وأوكرانيا ورومانيا وجورجيا وبلغاريا لا تستطيع الوصول إلى البحر المتوسط إلا عبر هذه المنظومة المائية.

الأمر لا يتعلق بالتجارة فقط
فالبحر الأسود أصبح خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المناطق حساسية في الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وتحولت الموانئ وخطوط الملاحة إلى جزء من المعادلة العسكرية والاقتصادية في الوقت نفسه، وقد أظهرت أزمة صادرات الحبوب الأوكرانية كيف يمكن أن تتحول سلامة الملاحة في البحر الأسود إلى قضية تتجاوز حدود المنطقة، وتمس الأمن الغذائي العالمي.
لكن هناك عاملًا آخر يجعل هذه المنطقة شديدة الحساسية: اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936، والتي تنظم نظام المرور عبر البوسفور والدردنيل، وتمنح الاتفاقية السفن التجارية حرية المرور وفق قواعدها، بينما تضع قيودًا خاصة على مرور السفن الحربية، خصوصًا للدول غير المطلة على البحر الأسود.
وهنا تتحول الجغرافيا إلى نفوذ سياسي
فتركيا لا تتحكم فقط في ممر مائي مهم، وإنما تدير واحدة من أهم نقاط الاتصال بين البحر الأسود والبحار المفتوحة، في منطقة تتقاطع فيها مصالح روسيا وأوكرانيا ودول البحر الأسود والدول الأوروبية والولايات المتحدة.
والأهم أن أي اضطراب في هذه الممرات لا يبقى محليًا، فإذا تعطلت حركة السفن، فإن التأثير يمكن أن ينتقل إلى أسعار الحبوب والطاقة والتأمين والنقل، ثم إلى الأسواق التي تعتمد على هذه السلع. وهذا هو بالضبط ما يجعل الممرات البحرية جزءًا من الاقتصاد العالمي، وليس مجرد خطوط على الخريطة.
وفي عالم «صراع الممرات»، يصبح البوسفور والدردنيل مثالًا واضحًا على أن من يملك موقعًا استراتيجيًا لا يحتاج دائمًا إلى استخدام القوة؛ يكفي أن يمتلك القدرة على تنظيم الطريق الذي تمر عبره القوة والتجارة.
لكن بعد هرمز وباب المندب والسويس وبنما وملقا وتايوان والقطب الشمالي والبوسفور والدردنيل، يبقى السؤال الأكبر: إذا كانت هذه الممرات هي مفاتيح حركة العالم.. فمن يملك مفتاح الخريطة كلها؟.





