صراع الممرات «٨-١٠».. ملقا.. عقدة الصين التي تخشاها
بعد أن انتقلنا في الحلقة السابقة إلى تايوان والبحر الأصفر، نصل الآن إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق ملقا، ذلك الممر الضيق الذي يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، ويمر بين شبه جزيرة الملايو وجزيرة سومطرة الإندونيسية، بالقرب من سنغافورة.
وتكمن أهمية موقعه في أنه يقع على الطريق البحري الأقصر تقريبًا بين الشرق الأوسط وشرق آسيا؛ فالسفن القادمة من المحيط الهندي، حاملة النفط والغاز والبضائع، تمر عبره في طريقها إلى موانئ الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول شرق آسيا. ولذلك يبدو المضيق على الخريطة مجرد ممر بحري ضيق، لكنه في الحقيقة أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. ففي النصف الأول من عام 2025 مر عبره نحو 23.2 مليون برميل يوميًا من النفط، أي ما يقرب من 29% من تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال والبضائع.
لكن أهمية ملقا بالنسبة للصين تحديدًا تجعل هذا الممر أكثر حساسية. فالصين تعتمد عليه في وصول جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، كما تمر عبره تجارة ضخمة بين الصين والأسواق الآسيوية والعالمية، وفي 2024 مر عبر المضيق ما يقارب 963 مليار دولار من التجارة الصينية، بما يعادل نحو 21% من واردات الصين و14% من صادراتها.
وهنا تظهر المشكلة التي تعرف في الحسابات الاستراتيجية الصينية بـ«معضلة ملقا»: ماذا يحدث إذا أصبح هذا الطريق غير آمن أو تعرض للاضطراب؟.
لن تحتاج الأزمة بالضرورة إلى إغلاق المضيق بالكامل، مجرد اضطراب الملاحة قد يدفع بعض السفن إلى استخدام طرق بديلة عبر مضيقي سوندا أو لومبوك، وهي طرق أطول، بما يعني زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين والشحن.
ولهذا تحاول الصين تقليل اعتمادها الكامل على ملقا، من خلال تطوير خطوط أنابيب وطرق برية وموانئ بديلة، ومنها خط النفط والغاز الممتد عبر ميانمار إلى جنوب غرب الصين، لكن هذه البدائل لا تستطيع حتى الآن أن تلغي أهمية الطريق البحري بالكامل.
وهنا يصبح المضيق أكثر من مجرد طريق تجاري؛ فهو نقطة تتقاطع عندها مصالح الصين والهند والولايات المتحدة ودول جنوب شرق آسيا، وتتحول فيها الجغرافيا إلى ورقة ضغط استراتيجية.
وإذا كانت تايوان تمثل عقدة التكنولوجيا، فإن ملقا تمثل عقدة الطاقة والتجارة بالنسبة للصين.
وهذا هو جوهر «صراع الممرات»: ليست المشكلة فقط في من يملك الأرض، وإنما في من يستطيع أن يؤثر في الطريق الذي تعتمد عليه اقتصادات العالم.
والسؤال هنا: إذا كانت الصين تعرف حجم اعتمادها على ملقا، فهل تستطيع أن تتحول من دولة تعتمد على الممرات إلى دولة تمتلك بدائل حقيقية لها؟، وما تأثير ذلك التحول في الميزان الجيوسياسي للمضيق وتأثيره على الدول المطلة عليه والمستفيدة منه؟.




