مقالات

صراع الممرات «٧-١٠».. تايوان والبحر الأصفر.. عندما تصبح التجارة رهينة للصراع

إذا كانت الحلقات السابقة قد أخذتنا من هرمز وباب المندب إلى السويس وبنما ثم القطب الشمالي، فإننا الآن نصل إلى واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية: شرق آسيا، حيث تتقاطع المصالح الصينية والأمريكية واليابانية والكورية، وتصبح الممرات البحرية جزءًا من صراع أكبر على النفوذ.

فمضيق تايوان ليس مجرد مساحة مائية تفصل الجزيرة عن البر الصيني، وإنما يقع في قلب واحدة من أهم مناطق التجارة العالمية. وبالقرب منه يمتد البحر الأصفر، الذي يربط سواحل الصين وكوريا الجنوبية وشبه الجزيرة الكورية، ضمن شبكة بحرية تضم موانئ وصناعات وسلاسل إمداد تعد من أهم مراكز الاقتصاد العالمي.

وتكمن الخطورة في أن أي أزمة عسكرية حول تايوان لن تتوقف آثارها عند حدود الجزيرة. فتايوان لاعب رئيسي في صناعة أشباه الموصلات، والمنطقة المحيطة بها تمر عبرها حركة ضخمة من السفن والسلع ومكونات الصناعة العالمية. وفي عام 2024، مر عبر المضيق أكثر من 2.4 تريليون دولار من البضائع، أي نحو 21% من التجارة البحرية العالمية.

ولنفهم التأثير عمليًا، يكفي أن نتخيل اضطرار السفن المتجهة إلى اليابان أو كوريا الجنوبية إلى تجنب المنطقة والإبحار لمسافات أطول حول الفلبين؛ وهو ما قد يضيف مئات الأميال إلى الرحلات، ويرفع تكلفة الوقود والتأمين والشحن.

والأمر لا يتعلق بالسفن فقط. اليابان وكوريا الجنوبية تعتمدان على هذه الطرق في وصول النفط والغاز والمواد الخام، بينما تعتمد الصناعات العالمية على تايوان في الحصول على الرقائق الإلكترونية المتقدمة. وأي اضطراب في إنتاجها أو نقلها يمكن أن ينعكس على الهواتف والسيارات ومراكز البيانات والصناعات التكنولوجية حول العالم.

وهنا تظهر أهمية «صراع الممرات» مرة أخرى؛ فالقوة لا تعني فقط امتلاك الأسطول أو السيطرة على الأرض، وإنما القدرة على التأثير في الطريق الذي تتحرك من خلاله التجارة.

الصين تنظر إلى تايوان باعتبارها جزءًا من أراضيها وبالتالي أمنها القومي، بينما تدعم الولايات المتحدة وحلفاؤها بشكل غير رسمي استقلالها عن الصين لضمان الحفاظ على حرية الملاحة بعيدا عن السيطرة الصينية، ولضمان استقرار المنطقة التي تشكل جزءًا أساسيًا من توازن القوى في المحيطين الهندي والهادئ.

أما البحر الأصفر، فرغم أنه ليس مضيقًا بالمعنى الجغرافي، فإنه يمثل جزءًا من هذا المشهد البحري المعقد، خاصة مع وجود الصين وكوريا الجنوبية واليابان بالقرب من أهم طرق التجارة والصناعة في العالم.

والأهم أن هذه المنطقة تكشف لنا تحولًا جديدًا في طبيعة الصراع: لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق لعبور السفن، بل أصبحت مرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد والأمن العسكري في الوقت نفسه.

ومن هنا، فإن أي مواجهة في شرق آسيا قد لا تكون حربًا محلية كما تبدو على الخريطة، بل أزمة تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي كله ولسنوات طويلة.

وفي عالم «صراع الممرات»، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:ماذا لو حاولت الصين السيطرة على تايوان وما قد ينتج عنه من إحكام قبضتها على ضفتي البحر الأصفر؟ وما مدى تأثير حدوث ذلك على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى