مقالات

صراع الممرات «٦-١٠».. جرينلاند.. عندما يصبح القطب الشمالي طريقًا جديدًا للقوة

عندما أعلن دونالد ترامب رغبته في الحصول على جرينلاند، بدا الأمر للكثيرين في البداية مجرد فكرة غريبة يصعب فهمها، لكن بالنظر إلى خريطة العالم من زاوية مختلفة، سنكتشف أن جرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية ضخمة، وإنما واحدة من أهم النقاط التي يمكن أن تحدد شكل الصراع العالمي في العقود المقبلة.

فجرينلاند تقع في قلب منطقة القطب الشمالي، بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وبالقرب من طرق بحرية بدأت أهميتها تتزايد مع تراجع الجليد وظهور إمكانية استخدام مسارات جديدة تربط شرق آسيا بأوروبا وأمريكا الشمالية.

وهنا ندخل مرة أخرى إلى «صراع الممرات»

فالعالم الذي عرفناه خلال القرن الماضي قام على طرق بحرية تقليدية مثل قناة السويس وبنما وملقا وهرمز، وكانت هذه الممرات هي شرايين التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، لكن التغير المناخي والتطور التكنولوجي يعيدان رسم الخريطة، ويفتحان الباب أمام طرق جديدة في أقصى شمال العالم.

وهنا تكمن أهمية الطريق القطبي؛ فإذا أصبح استخدامه أكثر انتظامًا، فقد يقدم مستقبلًا بديلًا لبعض الرحلات التقليدية بين آسيا وأوروبا، وهو ما يعني أن المنافسة لن تكون فقط على الممرات القائمة، وإنما أيضًا على الطرق التي يمكن أن تنافسها في المستقبل.

والأمر لم يعد مجرد توقعات، فقد بدأت الصين بالفعل في اختبار الاستخدام التجاري للطريق القطبي، وأطلقت في أغسطس الماضي خدمة حاويات موسمية بين الصين وأوروبا عبر الممر الشمالي، في خطوة تكشف أن الطريق بدأ ينتقل تدريجيًا من مرحلة التجارب إلى التفكير فيه كمسار تجاري بديل، ورغم تحديات الجليد والطقس والبنية التحتية والتأمين، فإن الطريق أصبح واقعًا يدخل في حسابات التجارة العالمية.

أما روسيا، فلديها حساب مختلف وأكثر عمقًا، فهي صاحبة أطول ساحل على المحيط المتجمد الشمالي، ومعظم الممر الشمالي يقع بمحاذاة سواحلها، وهو ما يمنحها ميزة جغرافية واستراتيجية مهمة، وموسكو تنظر إلى الطريق باعتباره منفذًا يربط موارد سيبيريا والقطب الشمالي بالأسواق الآسيوية والأوروبية، ويزيد من أهميتها في حركة التجارة العالمية.

وهنا نعود إلى المعضلة الجيوسياسية الروسية التاريخية؛ فروسيا، رغم سواحلها الهائلة، واجهت طويلًا قيودًا مرتبطة بالوصول المستمر إلى موانئ وممرات بحرية دفيئة ومفتوحة طوال العام، واليوم يمنحها ذوبان الجليد وتطور تكنولوجيا الملاحة فرصة لصناعة طريق جديد داخل مياهها القطبية نفسها.

لكن أهمية جرينلاند لا تتوقف عند الممرات البحرية، فموقعها العسكري شديد الحساسية، كما تمتلك موارد معدنية مهمة، وهو ما يضيف بعدًا اقتصاديًا وأمنيًا للصراع.

ولهذا فإن اهتمام ترامب بجرينلاند لا يمكن قراءته فقط باعتباره رغبة في شراء جزيرة، بل باعتباره جزءًا من رؤية أوسع للأمن القومي الأمريكي، في مواجهة تنامي النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي.

وفي عالم تتغير فيه طرق التجارة، يصبح السؤال: من سيضع قواعد الحركة في الطريق الجديد عندما يتحول القطب الشمالي إلى ممر تجاري عالمي؟.

ففي عالم «صراع الممرات»، من يملك موقعًا على الطريق الجديد، يملك جزءًا من القوة في العالم الجديد.

زر الذهاب إلى الأعلى