صراع الممرات.. مصر بين مخاطر المنافسة وفرص المستقبل
في عالم تتسابق فيه الدول لتأمين طرق التجارة والطاقة، لم يعد السؤال بالنسبة لمصر هو كيف تحافظ على قناة السويس فحسب، بل كيف تحوّل موقعها الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية مستدامة، في وقت تتسارع فيه محاولات إنشاء ممرات بديلة وإعادة رسم خريطة التجارة العالمية.
لقد أظهرت أزمة البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 مدى تأثر مصر بهذه التحولات؛ فالهجمات على السفن دفعت شركات شحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى تراجع إيرادات قناة السويس من نحو 10.25 مليار دولار في عام 2023 إلى قرابة 4 مليارات دولار في 2024، ورغم التعافي اللاحق، سجلت القناة إيرادات بلغت نحو 4.67 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بزيادة 23% عن العام السابق، لكنها ظلت أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.
ولا تقتصر المخاطر على خسائر إيرادات العبور؛ فتراجع تدفقات النقد الأجنبي يزيد الضغوط على الاقتصاد، بينما يؤدي اضطراب طرق الطاقة والتجارة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بما قد ينعكس على أسعار السلع وحركة الاستيراد، مما يزيد من التضخم الداخلي.
كما أن تطور ممرات مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومشروعات الربط البري بين الخليج وتركيا وأوروبا، قد يمنح التجارة العالمية خيارات إضافية، وإن كانت هذه المشروعات لا تمثل حتى الآن بديلًا شاملًا لقناة السويس.
لكن المنافسة تحمل فرصًا أيضًا. فالدول والشركات التي تسعى إلى تأمين سلاسل الإمداد تحتاج إلى مراكز للتصنيع والتخزين والتوزيع والخدمات اللوجستية، وتمتلك مصر موانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، ومناطق صناعية، وموقعًا يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، ويمكن استثمار هذه المزايا لجذب أنشطة اقتصادية لا تقتصر على مرور السفن، بل تشمل التصنيع والتصدير والصيانة وتموين السفن وإعادة توزيع البضائع.
أما المستقبل، فيرتبط بعدة احتمالات، فإذا استقرت الأوضاع الأمنية وعادت شركات الشحن إلى البحر الأحمر، فقد تستمر إيرادات القناة في التعافي. وإذا تجددت الاضطرابات، فقد تتكرر الخسائر حتى مع استمرار جاهزية القناة، أما على المدى الأطول، فإن نجاح بعض الممرات البديلة قد يعيد توزيع جانب من حركة التجارة، لكنه لن يلغي بالضرورة أهمية السويس؛ فالمنافسة تتحدد بالتكلفة والوقت والأمان والقدرة الاستيعابية، لا بمجرد الإعلان عن مشروع جديد.
لذلك، ينبغي أن تتحرك مصر على مسارات متوازية: أولها تعزيز أمن البحر الأحمر والتعاون الإقليمي لحماية الملاحة. وثانيها تسريع ربط الموانئ بالمناطق الصناعية والسكك الحديدية والموانئ الجافة، وثالثها جذب استثمارات في التصنيع والخدمات البحرية والتخزين والتوزيع، بحيث تتحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز إنتاج وتصدير، لا مجرد منطقة عبور، ويضاف إلى ذلك تطوير الخدمات الرقمية والبيئية للسفن، وكذلك تخزين المواد البترولية وإعادة تصديرها، وتنويع مصادر النقد الأجنبي حتى لا تتأثر قدرة الاقتصاد على الصمود بتراجع مورد واحد.
ولا ينبغي أن تقوم السياسة المصرية على التقليل من شأن المشروعات المنافسة أو افتراض نجاحها حتمًا، بل على متابعتها وتقييم تكلفتها وقدراتها، وتحديد المجالات التي يمكن التعاون فيها أو منافستها.
في «صراع الممرات»، تمنح الجغرافيا مصر ميزة مهمة، لكنها لا تضمن وحدها استمرارها. فالمطلوب ليس فقط أن تظل السفن عابرة لقناة السويس، بل أن تترك حركة التجارة قيمة اقتصادية أكبر داخل مصر، من خلال الاستثمار والإنتاج والتصدير.





