مقالات

الاستثمار الصناعي خطوة نحو المستقبل

لا جدال في أن تحسين بيئة الاستثمار الصناعي بالشكل الذي يضمن نجاحه وتحقيق أعلى العوائد التي تعود على المستثمر والدولة معًا، يُعد أحد أهم أولويات السياسة الاقتصادية في أي بلد يسعى إلى الخروج من الأزمة الاقتصادية، فالاستثمار الصناعي، اقتصاديًا، هو توظيف رؤوس الأموال في إنشاء المشروعات الصناعية أو توسيعها، بهدف تحويل المواد الخام إلى سلع وسيطة أو نهائية ذات قيمة مضافة أعلى، سواء كانت هذه المشروعات مملوكة للقطاع الخاص أو العام، وسواء كان المستثمر محليًا أو أجنبيًا، ويُعد هذا النوع من الاستثمار محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي؛ لأنه يرفع الإنتاجية، وينقل التكنولوجيا، ويخلق فرص عمل، ويعزز الصادرات.

ولكن كيف يمكن تحسين بيئة الاستثمار الصناعي في ظل التشريعات والقوانين القديمة في الدولة، المتشابهة والمتباينة والمتضاربة في آن واحد، والتي تلحق بها كمٌّ من اللوائح التنفيذية التي تعيق ما سمحت به القوانين نفسها؟

إن هذه المشكلة واقع ملموس يعاني منه المستثمر الصناعي في مصر، حيث تتداخل الاختصاصات بين الجهات الحكومية، وتتعدد الرسوم والموافقات، وتتضارب أحيانًا تفسيرات القوانين ذاتها، ولذلك، على المسؤولين في الحكومة بحث جميع الطرق التي من شأنها تحديث هذه التشريعات بما يتناسب مع الأوضاع القائمة في مصر، مع التحديد الدقيق للتحديات التي تعرقل نشأة بيئة استثمارية صناعية سليمة.

والحقيقة أن تعاظم المكاسب الناتجة عن الاستثمار يؤدي منطقيًا إلى تعاظم مكاسب الدولة من نشاط المستثمر في القطاع الصناعي، وسواء كان المستثمر مصريًا أو أجنبيًا، فإن تحديث التشريعات يُعد أمرًا أساسيًا لتحسين بيئة الاستثمار الصناعي بالشكل الذي يضمن نجاحه، ويجب هنا توضيح أن الصناعة، باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا، لا تحقق مكاسب فورية، بل تحتاج إلى فترة زمنية لاسترداد رأس المال وتحقيق الأرباح، فلماذا يُظلم المستثمر ويُضغط عليه من خلال الرسوم المختلفة، بالإضافة إلى الغرامات والمخالفات، دون النظر إلى المكاسب المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن نشاط التصنيع؟

إن هذا النشاط يولد دخلًا من العملات الأجنبية في حالة التصدير، ويحقق إيرادات ضريبية مختلفة على مدار عمر المشروع، كما يوفر فرص عمل ويقلل معدلات البطالة، إلى جانب تشجيع سلاسل الإمداد والتوريد، ونشأة عدة صناعات مغذية للصناعة الرئيسية على امتداد خط الإنتاج.

من هنا، يجب معرفة قوة الاستثمار الصناعي ونسبته في مصر، فوفقًا للبيانات الرسمية، لا تزال مساهمة الاستثمار الصناعي، وخاصة في الناتج المحلي الإجمالي، ضعيفة وأقل من الطموحات، وتدور نسبته حول 15% إلى 18% في أفضل الحالات، بينما تسعى الدولة إلى رفعها إلى أكثر من 20% خلال السنوات المقبلة، وهذه النسبة، رغم أهميتها، تظل متواضعة إذا ما قورنت بدول نجحت في تحويل الصناعة إلى طريق للمستقبل، مثل ألمانيا، التي تتجاوز فيها نسبة الاستثمار الصناعي 22% من الناتج، وكوريا الجنوبية التي وصلت إلى أكثر من 25%، وفيتنام التي حققت قفزة اقتصادية بفضل سياسات جذب الاستثمار الصناعي الأجنبي.

وللنجاح في بناء بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي، هناك شروط أساسية يجب توافرها، أولها الاستقرار التشريعي والضريبي، بمعنى وضوح القوانين وثباتها وعدم تغييرها بشكل مفاجئ، مع تقليل عدد الجهات المانحة للتراخيص وتوحيدها في نافذة واحدة، وثانيها تطوير البنية التحتية من طرق وموانئ وشبكات كهرباء ومياه وغاز؛ لأن الصناعة لا تزدهر في غياب هذه المقومات، وثالثها توفير التمويل الداعم للمشروعات الصناعية، سواء من خلال البنوك أو صناديق الاستثمار أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورابعها ربط التعليم الفني والجامعي باحتياجات سوق العمل الصناعي، حتى لا يعاني المستثمر من ندرة العمالة الماهرة، وخامسها تبسيط إجراءات التصدير والاستيراد، وتوقيع اتفاقيات تجارة حرة تفتح أسواقًا جديدة أمام المنتج المصري.

ويجب الاستفادة من تجارب دول مثل ألمانيا، التي نجح فيها نظام «التوأمة الصناعية» بين الشركات الكبرى والشركات الصغيرة والمتوسطة في خلق شبكة صناعية متينة، وفي كوريا الجنوبية، لعبت الدولة دور المخطط والمرشد من خلال سياسات صناعية انتقائية دعمت صناعات محددة حتى أصبحت قادرة على المنافسة عالميًا، أما فيتنام، فقد استفادت من انفتاحها على الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع التصنيع، مع التركيز على تحسين مناخ الأعمال وتدريب العمالة، حتى أصبحت أحد أهم مراكز التصنيع في آسيا.

ومن هنا تظهر أهمية الاستثمار الصناعي، التي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى كونه حلًا استراتيجيًا لمواجهة تحديات البطالة وعجز الميزان التجاري وضعف الإنتاجية، وللنجاح فيه، لا يكفي تعديل القوانين وحده، بل يجب أن يصاحبه تغيير في نظام الإدارة، بحيث تتحول الجهات الحكومية إلى شريك داعم للمستثمرين، وبذلك يصبح الاستثمار الصناعي خطوة حقيقية نحو مستقبل أفضل، يجني فيه المستثمر عوائد عادلة، وتجني فيه الدولة مكاسب تنموية مستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى