عصب.. مقامرة آبي أحمد الخطيرة
لم تعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بشأن الوصول إلى البحر الأحمر مجرد نقاش حول احتياجات بلاده الاقتصادية، بل تحولت إلى قضية سياسية وأمنية تتجاوز حدود إثيوبيا، وتضع مستقبل العلاقات مع إريتريا أمام اختبار بالغ الخطورة.
فبينما تبحث أديس أبابا عن منفذ بحري يمنحها مساحة أوسع للحركة التجارية والاستراتيجية، تثير الطريقة التي يُطرح بها هذا الملف مخاوف من أن تتحول الحاجة الاقتصادية إلى مبرر لصراع جديد في منطقة لم تتعافَ بعد من حروبها وأزماتها المتراكمة.
جوهر الأزمة لا يكمن في رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر، فهذه دولة كبيرة من حيث السكان والاحتياجات الاقتصادية، ومن الطبيعي أن تسعى إلى تقليل تكاليف تجارتها وتعزيز خياراتها اللوجستية، لكن الفارق كبير بين البحث عن ترتيبات تجارية وموانئ تضمن المصالح الإثيوبية، وبين التعامل مع ميناء عصب الإريتري باعتباره هدفًا استراتيجيًا ينبغي انتزاع السيطرة عليه أو فرض ترتيبات تمس السيادة الإريترية.
هنا تحديدًا تتجاوز المسألة حدود الاقتصاد لتدخل في حسابات القوة والنفوذ وإعادة رسم موازين المنطقة.
آبي أحمد.. من الحاجة الاقتصادية لخطاب السيادة
منذ وصوله إلى السلطة، سعى آبي أحمد إلى تقديم نفسه بوصفه قائدًا قادرًا على إعادة تشكيل مكانة إثيوبيا الإقليمية، وقد شكّل فقدان بلاده منفذها البحري المباشر بعد استقلال إريتريا عام 1993 أحد الملفات التي استعادها الخطاب السياسي الإثيوبي مرارًا، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن تكاليف الاعتماد على الموانئ الأجنبية.
غير أن التحول الأخطر يحدث عندما لا يُقدَّم الوصول إلى البحر باعتباره مصلحة اقتصادية يمكن التفاوض حولها، بل باعتباره مسألة سيادة أو استحقاق تاريخي لا تكتمل مكانة الدولة من دونه، فالدول لا تحصل على حقوقها الجغرافية بمجرد إعلان حاجتها إليها، ولا تتحول المصالح الاستراتيجية إلى سند قانوني يتيح تجاوز سيادة دولة أخرى.
ميناء عصب يقع داخل الأراضي الإريترية، والسيادة عليه ليست تفصيلًا قابلًا للتفاوض تحت ضغط الخطاب السياسي، وأي ترتيبات مستقبلية بشأن استخدامه لابد أن تقوم على اتفاق واضح وموافقة متبادلة، لا على التهديد أو الإيحاء بأن امتلاك إثيوبيا منفذًا بحريًا يقتضي تغيير الوضع القائم.
ومن ثم، فإن مسؤولية آبي أحمد لا تتعلق فقط بما يعلنه عن طموحات بلاده، بل أيضًا بالرسائل التي يبعث بها إلى دول الجوار، وبمدى إدراكه أن اللغة السياسية قد تتحول، في بيئة إقليمية شديدة التوتر، إلى عامل تعبئة وتصعيد يصعب احتوائه.
عصب في قلب معادلة الأمن الإقليمي
لا يمكن النظر إلى ميناء عصب باعتباره مجرد منشأة تجارية على الساحل الإريتري، فموقعه يمنحه أهمية استراتيجية في محيط البحر الأحمر، الذي تتقاطع فيه مصالح دول المنطقة والقوى الدولية، وترتبط ممراته البحرية بأمن التجارة والطاقة وحركة الملاحة العالمية.
ولهذا فإن أي محاولة لتغيير الوضع القائم بالقوة لن تظل محصورة في العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا، بل قد تفتح الباب أمام تداخل حسابات إقليمية أوسع، خصوصًا في ظل التنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتعدد الملفات الأمنية التي تربط إثيوبيا بإريتريا والصومال والسودان وجيبوتي.
وتملك إثيوبيا بالفعل بدائل للتعامل مع احتياجاتها البحرية، وفي مقدمتها الاتفاقات التجارية واللوجستية مع الدول الساحلية، وقد اعتمدت بدرجة كبيرة على ميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية، مع سعيها إلى تنويع المسارات وتقليل الاعتماد على منفذ واحد، وهذه الخيارات، مهما كانت كلفتها أو تعقيداتها، تظل أقل خطورة من تحويل ملف الموانئ إلى مواجهة حول الحدود والسيادة.
أما اختزال القضية في ميناء عصب وحده، فيُعني تجاهل حقيقة أن الوصول التجاري إلى البحر يمكن تنظيمه باتفاقات متعددة، بينما يؤدي الصراع على السيطرة الإقليمية إلى تكاليف بشرية واقتصادية وسياسية قد تتجاوز بكثير أي مكاسب متوقعة.
العلاقات الإثيوبية الإريترية.. سلام لم يتحول إلى استقرار
العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا محكومة بتاريخ طويل من الصراع وانعدام الثقة، ورغم التقارب الذي شهدته الدولتان عام 2018، وما صاحبه من آمال بإنهاء مرحلة العداء، فإن المصالحة لم تتحول إلى منظومة مستقرة من الضمانات السياسية والأمنية القادرة على احتواء الخلافات.
وقد كشفت التطورات المرتبطة بحرب تيغراي وما أعقبها من توترات أن العلاقات بين البلدين ظلت عرضة للتقلبات، وأن التسويات السياسية لم تعالج جميع مصادر الخلاف.
ومع تصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن البحر الأحمر، عادت المخاوف من أن يتحول التنافس حول المصالح الاستراتيجية إلى مواجهة مباشرة.
وفي أكتوبر 2026، تصاعد التوتر الدبلوماسي مع تبادل الاتهامات بين الجانبين، وسط تقارير عن إجراءات دبلوماسية متبادلة ومخاوف من اتساع نطاق الأزمة، وقد اتهمت إثيوبيا إريتريا بالتصعيد والقيام بتحركات عدائية، بينما رفضت أسمرا الاتهامات الإثيوبية واعتبرت خطاب أديس أبابا تهديدًا لها.
وتظل هذه الاتهامات جزءًا من رواية كل طرف، ولا يصح التعامل معها جميعًا بوصفها حقائق مستقلة مؤكدة دون تحقق، لكن المؤكد سياسيًا أن مستوى الثقة بين البلدين يتراجع، وأن استمرار التصعيد اللفظي والدبلوماسي يرفع مخاطر سوء التقدير.
المشكلة أن أي مواجهة جديدة لن تبدأ بالضرورة وفق حسابات من يشعلها، ولن يكون من السهل التحكم في حدودها أو في الأطراف التي قد تتأثر بها، فالحروب في القرن الأفريقي كثيرًا ما تتشابك فيها الملفات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، وتتحول الأزمة الثنائية سريعًا إلى ساحة لتنافس أوسع.
الداخل الإثيوبي .. جبهات مفتوحة وطموحات خارجية
لا يمكن فهم سياسة آبي أحمد تجاه البحر الأحمر، بمعزل عن التحديات الداخلية التي تواجهها إثيوبيا، فالبلاد لا تزال تتعامل مع آثار النزاعات المسلحة والانقسامات السياسية والتوترات الإقليمية، فيما تظل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وبعض القوى المحلية مصدرًا مستمرًا للقلق.
وتكتسب تطورات إقليم تيغراي أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى هشاشة التسوية التي أعقبت الحرب السابقة، واستمرار المخاوف من تجدد المواجهات، كما أن التوترات في مناطق أخرى، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، تجعل أي مغامرة عسكرية خارجية قرارًا بالغ الكلفة.
ومن هنا يبرز سؤال سياسي جوهري: هل يمثل تصعيد الخطاب بشأن البحر الأحمر محاولة لمعالجة مشكلة استراتيجية حقيقية، أم أنه قد يتحول إلى وسيلة لحشد الدعم الداخلي وتوجيه الاهتمام العام نحو قضية خارجية؟
لا يمكن الجزم بالنوايا السياسية من الخطاب وحده، لكن من حق المراقبين التساؤل عن مدى اتساق الطموحات الخارجية مع قدرة الدولة على إدارة أزماتها الداخلية، فالدولة التي تواجه تحديات في بناء الاستقرار داخل حدودها لا تضمن أن يمنحها التوسع في الملفات الخارجية قوة إضافية؛ وقد تجد نفسها أمام أعباء جديدة تزيد هشاشتها بدلًا من تقويتها.
كما أن استخدام قضية البحر الأحمر في التعبئة السياسية قد يرفع سقف التوقعات الشعبية إلى مستوى يصعب تحقيقه بالوسائل الدبلوماسية، وعندما يتحول التراجع عن خطاب متشدد إلى تكلفة سياسية داخلية، تصبح مساحة المناورة أضيق، وتزداد احتمالات اتخاذ قرارات لا تخدم المصالح بعيدة المدى للدولة.
البحر الأحمر ليس ساحة مفتوحة لإعادة توزيع السيادة
تكتسب هذه الأزمة أهمية إضافية في ظل المكانة المتزايدة للبحر الأحمر في الحسابات الدولية، فالممر البحري يربط مناطق استراتيجية، ويمثل شريانًا أساسيًا للتجارة العالمية، كما تتقاطع حوله اعتبارات الأمن البحري ومكافحة التهديدات وحماية خطوط الإمداد.
لكن أهمية البحر الأحمر لا تُعني أن الدول غير الساحلية تستطيع إعادة تعريف قواعد الوصول إليه وفق احتياجاتها وحدها، فهناك فارق قانوني وسياسي بين ضمان حرية التجارة والاستفادة من الموانئ عبر اتفاقات مشروعة، وبين السعي إلى تغيير الحدود أو فرض السيطرة على أراضٍ تقع تحت سيادة دولة أخرى.
ومن شأن أي صراع إثيوبي إريتري أن يضع دول الجوار أمام حسابات صعبة، ويزيد من احتمالات الاستقطاب الإقليمي، كما قد يمنح القوى الخارجية فرصًا أوسع لتوسيع نفوذها من خلال دعم أطراف متنافسة أو استثمار الخلافات القائمة.
ولا تحتاج المنطقة إلى أزمة جديدة تضاف إلى أزمات السودان والصومال والتوترات المتكررة في القرن الأفريقي، بل تحتاج إلى ترتيبات أمنية واقتصادية تحمي الملاحة وتفتح المجال أمام التعاون، بدلًا من تحويل الموانئ إلى أدوات ضغط سياسي وعسكري.
البديل موجود .. لكن القرار سياسي
لا توجد ضرورة حتمية لأن تتحول حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري إلى صراع مع إريتريا، فالبدائل الاقتصادية والتجارية يمكن بحثها من خلال اتفاقات طويلة الأجل، وتطوير البنية التحتية للنقل، وتنويع استخدام الموانئ، وتوسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الساحلية.
وقد تكون هذه الخيارات أكثر تعقيدًا من الخطاب السياسي الذي يعد بحلول سريعة، لكنها أكثر قابلية للاستمرار وأقل كلفة من المواجهة العسكرية، كما أنها تمنح إثيوبيا فرصًا لتعزيز مصالحها من دون الدخول في صراع يهدد علاقاتها الإقليمية ويستنزف مواردها.
ويتطلب ذلك من القيادة الإثيوبية الفصل بين احتياجات الدولة ومشروعات النفوذ السياسي، وبين حقها في تنمية اقتصادها وحقوق الدول الأخرى في السيادة على أراضيها، كما يتطلب من إريتريا التعامل مع المخاوف الأمنية عبر القنوات الدبلوماسية، مع التمسك بحقوقها السيادية، وتجنب أي خطوات قد تزيد احتمالات المواجهة.
أما الاتحاد الأفريقي، فعليه ألا يكتفي بالدعوات العامة إلى ضبط النفس، بل أن يدعم حوارًا جادًا يحدد قواعد واضحة للتعامل مع الأزمة، ويمنع تحول الخلاف حول الوصول إلى البحر إلى نزاع مسلح.
طموح الدولة لا يبرر مقامرة الإقليم
تكشف أزمة عصب أن التحدي الحقيقي أمام آبي أحمد لا يتعلق بقدرته على رفع سقف الطموحات الإثيوبية، بل بقدرته على تحويلها إلى سياسة واقعية لا تصطدم بحقوق الجوار ولا تهدد استقرار المنطقة.
فالقوة ليست في تحويل كل احتياج استراتيجي إلى معركة سيادة، ولا في رفع سقف الخطاب إلى مستوى يجعل التسوية تبدو تنازلًا، القوة الحقيقية تكمن في بناء مصالح مستدامة، وتوسيع خيارات الدولة عبر الاقتصاد والدبلوماسية، وتجنب القرارات التي قد تحقق مكسبًا دعائيًا مؤقتًا لكنها تفتح أبوابًا لصراعات طويلة.
إن إثيوبيا تستحق أن تبحث عن حلول عملية لمشكلاتها الاقتصادية، لكن إريتريا ليست مطالبة بدفع ثمن تلك الحلول من سيادتها، وميناء عصب ليس غنيمة سياسية يمكن أن تتحول إلى استحقاق بمجرد تكرار المطالبة به.
في القرن الأفريقي، لا تحتاج الدول إلى مزيد من الخطابات التي تختبر حدود القوة، بل إلى سياسة تدرك أن الجغرافيا لا تتغير بالرغبات، وأن أمن الدولة لا ينفصل عن أمن محيطها، وأن أي مشروع إقليمي يتجاهل حقوق الآخرين قد ينتهي إلى تقويض المصالح التي انطلق من أجلها.
ويبقى الاختبار الحقيقي لآبي أحمد هو ما إذا كان سيختار طريق التفاوض وبناء الشراكات، أم سيترك طموح الوصول إلى البحر يتحول إلى مقامرة جديدة بأمن إثيوبيا وإريتريا والقرن الأفريقي بأكمله.



