فن ومنوعات

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الإنتاج السينمائي في مصر.. من يقود الكاميرا المخرج أم الخوارزميات؟

«آخر رقصة في كيبور».. تجربة مصرية تكسر القواعد التقليدية لصناعة الأفلام

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة السينما مجرد تجربة تقنية أو محاولة لتوفير نفقات الإنتاج، بل أصبح يفتح بابًا جديدًا أمام المخرجين لإعادة التفكير في شكل الصورة السينمائية وحدود تنفيذ المشاهد، خاصة مع ظهور تجارب مصرية بدأت توظف هذه الأدوات في تقديم أعمال تجمع بين التصوير التقليدي والعوالم البصرية المولدة رقميًا.

وتأتي تجربة فيلم «The Last Dance in Kippur – آخر رقصة في كيبور» للمخرج كريم عبد الوهاب، لتطرح تساؤلًا يتجاوز حدود العمل نفسه: هل أصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا فعليًا في صناعة الفيلم، أم أنه مجرد أداة جديدة تظل قيمتها مرتبطة برؤية المخرج وقدرته على توظيفها؟.

40 يومًا لصناعة فيلم.. كيف تحولت الفكرة إلى مشاهد سينمائية؟

واحدة من أبرز التفاصيل التي تكشف طبيعة التجربة أن الفيلم، الذي تبلغ مدته نحو 33 دقيقة، استغرق تنفيذه 40 يومًا، بميزانية وصلت إلى مليون و200 ألف جنيه، وفق تصريحات مخرجه.

وتكشف هذه الأرقام أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة صناعة فيلم سريع أو منخفض التكلفة بصورة تلقائية، إذ يحتاج الأمر إلى مراحل متعددة من التجريب وإعادة إنتاج المشاهد ومعالجة النتائج حتى تتوافق مع التصور الفني المطلوب.

وكشف كريم عبد الوهاب أن الفكرة جاءت من رغبته في تنفيذ مشروع سينمائي لم تتوافر له الإمكانات الإنتاجية الكافية بالطريقة التقليدية، فبدأ البحث عن أدوات تكنولوجية تساعده على تحويل رؤيته إلى عمل قابل للتنفيذ، دون التخلي عن العناصر الأساسية للصناعة السينمائية.

استخدام الذكاء الاصطناعي في «آخر رقصة في كيبور».. خطوة لتطوير الصناعة أم  بديل للإبداع البشري؟ - جريدة المال

ممثلون حقيقيون وشخصيات افتراضية.. كيف تشكلت تجربة الفيلم؟

من التفاصيل اللافتة في التجربة أن الفيلم لم يعتمد على شخصيات مولدة بالكامل، وإنما استخدم نظامًا هجينًا يجمع بين الأداء البشري والتوليد بالذكاء الاصطناعي.

فقد استعان صناع العمل بممثلين حقيقيين لتقديم أدوار الضباط والجنود المصريين والإسرائيليين، بينما استخدمت التقنيات الحديثة في إعادة تجسيد عدد من الشخصيات التاريخية، من بينها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وجيهان السادات، والرئيس الأسبق حسني مبارك، ورئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير، وموشيه ديان.

وهنا تظهر نقطة مهمة في التجربة، وهي أن التكنولوجيا لم تكن مسؤولة وحدها عن بناء المشهد، بل احتاجت إلى أداء بشري حقيقي ليكون مرجعًا بصريًا وحركيًا للشخصيات التي ظهرت في صورتها النهائية.

💚 عن فيلم " آخر رقصة في كيبور " نتحدث ، كنت أتمنى أن أقرأ أفكار عقل الرئيس  محمد أنور السادات ، و أن أستكشف مشاعر قلبه قبل دقائق معدودة من بدء

المخرج يؤدي الانفعالات بنفسه.. طريقة مختلفة لتوجيه الشخصيات

ومن أكثر التفاصيل الفنية إثارة للاهتمام، حديث المخرج عن استخدام أدائه الشخصي في توجيه بعض الشخصيات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي.

فقد قام بتصوير نفسه وهو يؤدي ردود الفعل والانفعالات المطلوبة، ثم استخدم هذه التسجيلات مرجعًا لتوجيه تعبيرات الشخصيات وحركاتها، في أسلوب يقترب من فكرة التقاط الحركة المستخدمة في بعض أشكال الرسوم المتحركة.

وتكشف هذه الطريقة عن جانب مختلف من العلاقة بين الفنان والتكنولوجيا؛ فبدلًا من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الأداء البشري، أصبح الأداء نفسه مدخلًا لتوجيه الشخصية الرقمية ومنحها قدرًا أكبر من التعبير والواقعية.

فيلم أخر رقصة في كيبور ( 6 أكتوبر من زاوية جديدة مبهرة ) رابط الفيلم في  التعليقات علي صفحتنا

من الإنجليزية إلى العبرية.. الذكاء الاصطناعي يتدخل في الحوار أيضًا

لم يتوقف استخدام التقنية عند الصورة، بل امتد إلى الجانب اللغوي داخل الفيلم، وأوضح المخرج أنه كتب حوارات الشخصيات الإسرائيلية باللغة الإنجليزية في البداية، ثم استعان بأدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج الحوار باللغة العبرية، مع مراعاة التوافق بين الكلمات وحركة الشفاه.

وهذا الجانب يفتح نقاشًا حول إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الأعمال التاريخية التي تتطلب استخدام لغات متعددة، خاصة عندما يكون من الصعب توفير كل العناصر البشرية والفنية اللازمة للإنتاج التقليدي.

التحدي الأكبر.. هل تستطيع التكنولوجيا الحفاظ على ملامح الشخصية؟

رغم الإمكانات التي توفرها التقنيات الحديثة، فإن التجربة كشفت عن صعوبات فنية لا يمكن تجاهلها، أبرزها الحفاظ على ثبات ملامح الشخصيات من مشهد إلى آخر.

فمن المشكلات التي تواجه إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي تغير تفاصيل الوجه أو ملمس البشرة أو درجات الألوان بين اللقطات، وهو ما قد يؤثر على استمرارية الشخصية ويجعل المشاهد يشعر بعدم الاتساق البصري.

كما قد تضيف الأدوات التوليدية عناصر لم يطلبها المخرج، الأمر الذي يستدعي إعادة تنفيذ اللقطات ومراجعتها أكثر من مرة.
وهنا تظهر أهمية التدخل البشري في اختيار النتائج وتعديلها، لأن جودة المشهد لا تتوقف على قدرة الأداة على إنتاج صورة جذابة، بل على مدى توافقها مع السياق الدرامي والرؤية الإخراجية.

فيلم أخر رقصة في كيبور ( 6 أكتوبر من زاوية جديدة مبهرة ) رابط الفيلم في  التعليقات علي صفحتنا

هل يهدد الذكاء الاصطناعي فرص العاملين في السينما؟

مع اتساع استخدام هذه التقنيات، يبرز سؤال مهم يتعلق بمستقبل العاملين في صناعة السينما، خاصة الممثلين ومصممي المؤثرات البصرية وفرق الإنتاج.

فبينما تمنح الأدوات الجديدة صناع الأفلام إمكانات لم تكن متاحة بسهولة من قبل، فإنها تفرض ضرورة مناقشة حقوق الفنانين في استخدام صورهم وأصواتهم وأدائهم، والحصول على الموافقات اللازمة، إلى جانب تحديد المسؤولية عن المحتوى الذي يتم إنتاجه بهذه الوسائل.

كما أن وجود التكنولوجيا لا يلغي الحاجة إلى متخصصين يمتلكون القدرة على إدارة الصورة ومعالجة الأخطاء والحفاظ على الجودة الفنية، وهو ما يعني أن طبيعة بعض الوظائف قد تتغير، وأن مهارات جديدة ستصبح مطلوبة داخل سوق الإنتاج.

🟠 المخرج كريم عبد الوهاب صانع فيلم "آخر رقصة في كيبور" لـ "تليجراف مصر":  أنا اللي كتبته وانتجته، وده كان ضغط كبير لأنه بيتكلم عن حرب أكتوبر،  والحمدلله عدت على خير.

هل تتحول التجربة إلى اتجاه جديد في السينما المصرية؟

تجربة «آخر رقصة في كيبور» تطرح نموذجًا مختلفًا أمام صناع السينما المصريين، خصوصًا المخرجين الشباب الذين يمتلكون أفكارًا طموحة ولا تتوافر لهم دائمًا الميزانيات الضخمة اللازمة لتنفيذها.

وقد تتيح التقنيات الجديدة فرصًا لتقديم أفلام تاريخية وأعمال تعتمد على عوالم بصرية واسعة، أو إعادة تصور أحداث يصعب تصويرها بالوسائل المعتادة.

لكن نجاح هذه التجارب لن يتحدد بمدى استخدام أحدث الأدوات التكنولوجية، وإنما بقدرتها على تقديم قصة متماسكة وشخصيات مقنعة وصورة تخدم المعنى الدرامي.

وبينما يؤكد صناع التجربة أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الإنسان، فإن السؤال الذي ستجيب عنه الأعمال المقبلة هو: هل ستظل التكنولوجيا مجرد أداة في يد المخرج، أم ستصبح عنصرًا يعيد تشكيل كل مراحل صناعة الفيلم المصري؟.

زر الذهاب إلى الأعلى