ملفات

فوز ميار الشوربجي يفتح ملف «الحافز الثقافي».. هل تعود القراءة إلى صدارة اهتمامات طلاب المدارس؟

خبراء يناقشون جدوى تطبيق «الحافز الثقافي» ودوره في تشجيع الطلاب على القراءة

بعد فوز ميار عثمان الشوربجي بمسابقة «تحدي القراءة العربي»، ظهرت دعوات لتخصيص درجات للطلاب المتفوقين في مجالات الثقافة والأدب والإلقاء، تحت مسمى «الحافز الثقافي»، أسوة بالحافز الرياضي الممنوح للمتفوقين في الألعاب الرياضية.

ورغم تداول المقترح وربطه بتصريحات منسوبة إلى الدكتور محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، فإنه لم يتحول إلى قرار رسمي صادر عن الوزارة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن جدواه وقدرته على إعادة الاعتبار للثقافة والقراءة واللغة العربية داخل المدارس.

فهل يسهم الحافز الثقافي في تشجيع الطلاب على القراءة واكتساب المعرفة؟ وهل تكفي الدرجات والمكافآت لتحقيق ذلك، أم يتطلب الأمر تغييرًا في أساليب التدريس وتوفير بيئة مدرسية حاضنة للمواهب؟

وزير التربية والتعليم
وزير التربية والتعليم

بثينة عبد الرؤوف: الحافز الثقافي لن يعيد الطلاب إلى القراءة وقد يتحول إلى «سبوبة»

قالت بثينة عبد الرؤوف، الخبيرة التربوية، إن تطبيق مقترح الحافز الثقافي يبدو جيدًا من الناحية النظرية، باعتباره وسيلة لتشجيع الطلاب على الاهتمام بالثقافة، لكنها تساءلت عن سبب انتظار فوز طالبة مصرية بمسابقة عربية حتى يبدأ الحديث عن الاهتمام بالقراءة.

وأضافت، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن الحافز الثقافي لا يمكن تطبيقه بالطريقة نفسها المتبعة في الحافز الرياضي؛ فالرياضة لها معايير واضحة يمكن قياسها من خلال نتائج المنافسات، بينما يصعب وضع معايير ثابتة لتحديد الطالب المثقف في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.

وأوضحت أن تقييم التفوق الثقافي مسألة نسبية، وتثير تساؤلات بشأن الجهة التي ستحدد مدى ثقافة الطالب والمعايير التي ستعتمد عليها.

وأشارت إلى إمكانية تخصيص جزء من درجات أعمال السنة للطلاب في بعض الصفوف الانتقالية، مثل الأول والثاني الإعدادي والخامس الابتدائي، مقابل المشاركة في أنشطة القراءة والثقافة، لكنها رفضت إضافة هذه الدرجات إلى المجموع النهائي أو تطبيقها على الشهادات النهائية، وعلى رأسها الثانوية العامة، لصعوبة وضع معيار موضوعي للتقييم.

دكتورة بثينة عبدالرؤوف
دكتورة بثينة عبدالرؤوف

عزوف عالمي عن القراءة

وفيما يتعلق بأسباب تراجع القراءة، قالت «عبد الرؤوف» إن الظاهرة لا تقتصر على مصر، بل ترتبط عالميًا بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي وتعدد بدائل الترفيه المتاحة أمام الأطفال.

واستشهدت بتجربتها الشخصية، موضحة أن خيارات الترفيه كانت محدودة خلال طفولتها، إذ كان التلفزيون يعرض فيلمًا كرتونيًا أو برنامجًا للأطفال مرة أسبوعيًا، ما دفعها إلى القراءة ومتابعة القصص والمغامرات، مثل مجلات «ميكي» و«سمير» و«تان تان» وسلسلة «المغامرون الخمسة».

وأضافت أن الأطفال حاليًا أمامهم خيارات متعددة عبر الهواتف والتلفزيون، تشمل الأفلام الكرتونية والبرامج التعليمية والكتب والقصص الإلكترونية، وهو ما قلل حاجتهم إلى الكتاب الورقي، كما أكدت أهمية دور الأسرة في تنمية علاقة الطفل بالقراءة، مستشهدة بحرصها على قراءة القصص لبناتها قبل النوم، ومتسائلة عن مدى استمرار هذه العادة في ظل انشغال الأسر وتغير أنماط الحياة.

الحوافز قد تحول الثقافة إلى دروس خصوصية

وحذرت الخبيرة التربوية من أن ربط الأنشطة الثقافية بالدرجات قد يفرغها من مضمونها، ويحولها إلى وسيلة للحصول على درجات إضافية بدلًا من تنمية حب القراءة والمعرفة.

وأضافت أن تطبيق المقترح قد يفتح الباب أمام دروس خصوصية ودورات تدريبية في الثقافة، على غرار ما حدث مع مادة الرسم عندما كانت درجاتها تُضاف إلى المجموع.

وأوضحت أن بعض الطلاب كانوا يحصلون على دروس في الرسم دون امتلاك موهبة أو اهتمام حقيقي بالفنون، لمجرد الاستعداد لامتحانات القدرات أو تحسبًا للحاجة إلى تلك الدرجات عند الالتحاق بالكليات.

وأكدت أن الحافز الثقافي قد يتحول، بهذه الصورة، إلى مجال جديد للدروس الخصوصية والدورات المدفوعة، بدلًا من تحقيق هدفه الأساسي في تنمية الوعي الثقافي وحب القراءة.

د. محمد فتح الله: الحافز يشجع الإبداع وتنمية المواهب

على الجانب الآخر، قال الدكتور محمد فتح الله، أستاذ القياس والتقويم والإحصاء النفسي والتربوي، وخبير التقويم والقياس بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، إن تطبيق الحافز الثقافي، حال إقراره، سيكون خطوة إيجابية، لما يمثله من اهتمام بالثقافة والأنشطة المختلفة، واكتشاف مواهب الطلاب وتشجيعهم على تنميتها.

وأوضح «فتح الله» في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن دور التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تحصيل المقررات والامتحانات، وإنما يمتد إلى بناء شخصية الطالب ثقافيًا وتاريخيًا، وتعزيز الهوية الوطنية والانتماء، مشيرًا إلى أن الدرجات والمكافآت يمكن أن تسهم في تشجيع الطلاب على إظهار قدراتهم وصقل مواهبهم.

الحافز يطور أداء الطلاب

وأكد «فتح الله»، أن الحوافز، سواء كانت معنوية أو مادية أو في صورة درجات، تسهم في تحفيز الطلاب على المنافسة الإيجابية وتطوير أدائهم.

واستشهد بتجربته في تدريب أساتذة الجامعات، موضحًا أن أكاديميين، من بينهم عمداء ورؤساء أقسام وأساتذة كبار، يتنافسون للحصول على قلم رصاص عندما يمنحه لمن يجيب عن أحد الأسئلة، موضحًا أن قيمة المكافأة قد تكون بسيطة، لكنها تشجع المشاركين على التفاعل وإثبات قدراتهم.

وأضاف أن التحفيز لا يقتصر على المكافآت، بل يشمل التقدير المعنوي والكلمة الطيبة، لافتًا إلى أن المعلم يستطيع تشجيع تلميذه بمجرد مناداته باسمه والاهتمام بشخصيته.

تجربة المدارس المجتمعية.. الحافز وراء انتظام الطلاب

وضرب أستاذ القياس والتقويم مثالًا بتجربة مدارس الفصل الواحد أو المدارس المجتمعية في المناطق التي يصعب وصول الخدمات التعليمية إليها، والتي استهدفت الأطفال الذين تجاوزوا سن الالتحاق بالتعليم.

وأوضح أن التجربة اعتمدت على تجهيز أماكن بسيطة في القرى وتحويلها إلى فصول دراسية، والاستعانة بميسرات من المناطق المحلية لتعليم الطلاب وفق نظام يجمع أكثر من مستوى دراسي.

وأشار إلى أن منظمة اليونسكو قدمت مساعدات عينية ومادية للأسر التي يلتزم أبناؤها بالحضور؛ إذ كان الطالب الذي تتجاوز نسبة حضوره 95% يحصل على نحو 10 كيلوجرامات من الأرز و5 كيلوجرامات من الصابون و5 كيلوجرامات من الزيت، إلى جانب مبلغ مالي.

وأكد أنه شاهد حرص أولياء الأمور على انتظام أبنائهم للحفاظ على هذه المساعدات، حتى إن بعضهم كان يستأذن الميسرة في اصطحاب ابنته لساعتين لمساعدة والدتها في أعمال المنزل، ثم يعيدها إلى المدرسة خوفًا من احتساب غيابها وفقدان الأسرة للحافز.

ولفت إلى أن التجربة أتاحت فرص التعليم لفتيات وسيدات تجاوزن سن الالتحاق المعتاد بالمدرسة، مشيرًا إلى مشاهدته فتيات في السادسة عشرة من العمر يدرسن بالصفين الثاني والثالث الابتدائي.

واختتم بأن استمرار الحوافز كان عاملًا مؤثرًا في انتظام الطلاب، وأن توقف اليونسكو عن تقديم المساعدات أدى إلى انتهاء التجربة بصورتها القائمة على تلك الحوافز.

د. تامر شوقي: الحافز الثقافي يشجع على إتقان العربية واكتشاف المواهب

قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، إن تطبيق مقترح الحافز الثقافي سيكون توجهًا إيجابيًا، لأنه يتيح اكتشاف الموهوبين في مجالات متعددة، بدلًا من حصر التفوق في الرياضة وحدها.

وأوضح «شوقي» في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن المقترح من شأنه تشجيع الطلاب على الاهتمام باللغة العربية وإتقانها، بما يعزز ارتباطهم بوطنهم ولغتهم، ويسهم في تحسين مستواهم الدراسي في المواد المختلفة، باعتبار أن اللغة العربية أساس لكثير من المقررات والعلوم.

قبل أن يطير "صناع العقول".. رواتب أساتذة الجامعات تحكمها قوانين من نصف قرن متجاهلة غول التضخم
الدكتور تامر شوقي أستاذ علم نفس التربوي

وأضاف أن الحافز قد يدعم التنافس الإيجابي في الأنشطة الثقافية التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي داخل المدارس، ويساعد على اكتشاف الطلاب الموهوبين في القراءة والإلقاء وغيرها من المجالات.

الحافز الثقافي ضمن جهود تعزيز الهوية

ولفت «شوقي» إلى أن الاهتمام باللغة العربية والتربية الدينية يعكس توجهًا نحو تعزيز الهوية لدى الطلاب، مشيرًا إلى جعل التربية الدينية مادة نجاح ورسوب، مع اشتراط حصول الطالب على 70% للنجاح، وإدراج مواد الهوية، وعلى رأسها اللغة العربية والتاريخ، ضمن المجموع في المدارس الدولية.

وأكد أن الاهتمام باللغة العربية يتفق مع نظرية تعدد الذكاءات، التي تشمل الذكاء اللغوي إلى جانب الذكاء الموسيقي والرياضي والشخصي والاجتماعي.

رعاية المواهب أهم من تكريمها

وشدد أستاذ علم النفس التربوي على ضرورة ألا يتوقف الاهتمام بالمواهب عند اكتشافها أو تكريم أصحابها، بل يجب أن يمتد إلى رعايتها وتنميتها بصورة مستدامة، ماديًا ونفسيًا، مع إنشاء مراكز متخصصة لدعم المواهب في المجالات المختلفة.

وأضاف أن تطبيق الحافز الثقافي على غرار الحافز الرياضي يمثل نوعًا من التعويض والتشجيع للطلاب الذين يبذلون وقتًا وجهدًا في تنمية مواهبهم اللغوية والثقافية، حتى لا يشعروا بأن القراءة والاطلاع يأتيان على حساب وقتهم الدراسي دون مقابل، وإنما يحصلون على درجات تشجعهم على مواصلة هذه الأنشطة.

زر الذهاب إلى الأعلى