رئيس بلا أجنحة.. الموجة الزرقاء تُسقط أغلبية ترامب في الكونجرس وتضع أجندته في مهب الريح
من ملفات إيران إلى قرارات البنتاجون.. أجندة ترامب تواجه اختبارًا صعبًا بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونجرس
وجّه الناخبون الأمريكيون ضربة قوية للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، في تحول أعاد رسم موازين القوى داخل واشنطن، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة البرلمانية على إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وامتدت نتائج ما وُصف بـ«الموجة الزرقاء» عبر الولايات المتحدة من الساحل إلى الساحل، إذ تمكن الديمقراطيون من انتزاع مقاعد في معاقل جمهورية ظلت لعقود تحت سيطرة الحزب، إلى جانب الفوز بدوائر انتخابية في مجلس النواب كانت تُعد بعيدة المنال.
وبهذه النتائج، يواجه ترامب واقعًا سياسيًا جديدًا؛ إذ أصبح رئيسًا بلا أجنحة، بعد فقدان حزبه الأغلبية في مجلسي الكونجرس، بما يحد من قدرته على تمرير أجندته التشريعية ويمنح خصومه مساحة أوسع لمراقبة أدائه والتحقيق في سياسات إدارته.
وكان ترامب قد أمضى شهرين يحث الأمريكيين على التعامل مع الانتخابات كما لو كان اسمه مدرجًا على بطاقات الاقتراع، لكن النتائج جاءت لتكشف حجم التراجع الذي تعرض له حزبه، في هزيمة تُعد الأبرز للجمهوريين منذ نحو نصف قرن، وتحديدًا منذ تداعيات فضيحة «ووترجيت» عام 1974، وفقًا للمقارنة الواردة في تقارير إعلامية أمريكية.
ولم تقتصر الخسائر على المقاعد التي انتزعها الديمقراطيون، بل امتدت إلى مناطق كان ترامب قد فاز فيها بسهولة قبل عامين، وظل الجمهوريون يهيمنون عليها لسنوات، بل إن بعض المرشحين الذين خسروا كانوا ممن حظوا بدعم الرئيس أو اختياره.
الموجة الزرقاء تعيد رسم خريطة الكونجرس
ووفقًا لوكالة «أسوشيتد برس»، تمكن الديمقراطيون، في تحول وصفته وسائل إعلام أمريكية بـ«الموجة الزرقاء»، من تحقيق مكاسب في سباق مجلس الشيوخ بعدد من الولايات، من بينها مين وأيوا وكانساس وأوهايو وكارولاينا الشمالية، إلى جانب مقاعد في ولايات أخرى كانت تُعد معاقل جمهورية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل التاريخ السياسي لبعض الولايات؛ إذ احتفظ الجمهوريون بمقاعد مجلس الشيوخ في تكساس وكارولاينا الجنوبية لعقود، بينما ظل مقعد ولاية كانساس في قبضة الحزب الجمهوري لما يقرب من قرن.
وعلى مستوى مجلس النواب، أشارت تقديرات صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الفارق بين الحزبين في إجمالي الأصوات على المستوى الوطني بلغ نحو 13 نقطة مئوية، وهو أكبر فارق يحققه أي من الحزبين في انتخابات الكونجرس منذ نصف قرن على الأقل.
ووفقًا لبيانات «اتجاهات الناخبين» (Voter Trends) الصادرة عن الصحيفة، حقق الديمقراطيون مكاسب ملحوظة بين الناخبين الشباب والأمريكيين من أصول إسبانية، كما أحرزوا تقدمًا بين الناخبين الذين لم يحصلوا على تعليم جامعي.
وفي ولاية ميشيجان، فاز الدكتور عبد الرحمن السيد الشهير بـ(عبدول)، ليصبح أول مسلم يُنتخب عضوًا في مجلس الشيوخ، وذلك بعد تفوقه على منافسته في الانتخابات العامة، رغم أن الأخيرة كانت قد أعلنت تأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز خلال الانتخابات التمهيدية.
ماذا تعني الهزيمة لأجندة ترامب؟
وفقًا لما رصدته صحيفة «واشنطن بوست»، طلب ترامب من الناخبين في أكثر من 41 مناسبة خلال الأسابيع الأخيرة التعامل مع انتخابات التجديد النصفي باعتبارها استفتاءً على أدائه شخصيًا، وجاء ذلك في وقت تراجعت فيه معدلات تأييده إلى مستويات متدنية، وسط تزايد أعداد الأمريكيين المعارضين لسياساته وأدائه خلال فترة وجوده في السلطة.
وتضع خسارة الجمهوريين الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب أجندة ترامب التشريعية أمام تحديات كبيرة، إذ يواجه الرئيس وإدارته مرحلة من الرقابة البرلمانية المكثفة، مع توقعات بأن تستحوذ التحقيقات على جانب كبير من أعمال الكونجرس الجديد.
كما عكست النتائج استياءً لدى قطاعات من الناخبين إزاء عدد من الملفات، من بينها قرار ترامب الدخول في حرب ضد إيران، وسياساته المتعلقة بالتعريفات الجمركية، التي ربطها منتقدون بارتفاع الأسعار، وبذلك لم يعد الرئيس بعيدًا عن تحمل المسؤولية السياسية عن حالة السخط التي ظهرت في صناديق الاقتراع.

وكانت شعبية ترامب قد تراجعت بحلول منتصف أكتوبر إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ عهد الرئيس هاري ترومان، ووفقًا لاستطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» بالتعاون مع شبكة «إيه بي سي نيوز» ومؤسسة «إبسوس»، بلغت نسبة الأمريكيين البالغين الذين أعربوا عن رضاهم عن أدائه العام 33% فقط، مقابل 66% أبدوا عدم رضاهم، من بينهم 52% عارضوا أداءه بشدة.
كما أظهر الاستطلاع أن 28% فقط أيدوا طريقة إدارته للاقتصاد، بينما بلغت نسبة المؤيدين لأسلوب تعامله مع الملف الإيراني 27%.
ترامب يرفض اعتبار النتائج هزيمة شخصية
وعلى خلاف ما فعله الرئيسان السابقان بيل كلينتون وجورج بوش عقب خسائر حزبيهما في انتخابات التجديد النصفي عامي 1994 و2006، لم يعلن ترامب تحمله مسؤولية الهزيمة، ولم يتحدث عن تغيير مسار إدارته.
وقال ترامب لقناة «فوكس نيوز»، في وقت متأخر من ليلة الثلاثاء: «لا أحب أن أعتبرها هزيمة بالنسبة لي، لم أكن مرشحًا»، في موقف بدا متناقضًا مع دعواته المتكررة خلال الأسابيع السابقة إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها تصويتًا على أدائه.
وأضاف: «كان هناك جو عام، على ما أعتقد، لا ينبغي أن أشعر بالذنب لأنه مهما كان الرئيس جيدًا، فإنه يخسر» في انتخابات التجديد النصفي.
وسار مستشارو البيت الأبيض على النهج نفسه، محملين المرشحين الجمهوريين مسؤولية الخسائر، ومؤكدين أن النتائج لا تمثل رفضًا للرئيس، وإنما ترتبط بعدم ترشحه شخصيًا، كما أصدر البيت الأبيض بيانًا مساء الثلاثاء أشار فيه إلى أن ترامب قدم دعمًا لعدد من المرشحين أكثر مما قدمه هؤلاء المرشحون لأنفسهم.
بيت هيجسيث أمام ضغوط التحقيقات
ولا تقتصر تداعيات التحول في موازين القوى داخل الكونجرس على أجندة ترامب التشريعية، بل تمتد إلى عدد من المسؤولين في إدارته، وفي مقدمتهم وزير الدفاع بيت هيجسيث، الذي قد يواجه تحقيقات برلمانية متعددة مع انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين.
وخلال الأشهر الماضية، واجه البنتاجون انتقادات بسبب عرقلة طلبات المشرعين الحصول على وثائق تتعلق بعمليات عسكرية دامية استهدفت أشخاصًا يُشتبه في تورطهم في تهريب المخدرات بأمريكا اللاتينية.
ودفعت هذه الأزمة لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، التي كان يسيطر عليها الجمهوريون، إلى التهديد بعرقلة تعيين أحد مرشحي إدارة ترامب، ما لم تسمح وزارة الدفاع للمشرعين بالاطلاع على الوثائق المطلوبة.

وفي المقابل، لم يبدِ معظم المشرعين الجمهوريين اعتراضًا على تحركات هيجسيث، الذي أقدم على إقصاء عشرات القادة العسكريين البارزين بدعوى عدم ولائهم، وقاد العمليات العسكرية الأمريكية في إيران، إلى جانب حملة ضد تجارة المخدرات غير المشروعة.
ومع تغير الأغلبية داخل الكونجرس، تزداد احتمالات خضوع هذه الملفات لمراجعة برلمانية أوسع، بما يضع وزير الدفاع أمام ضغوط سياسية وقانونية جديدة، رغم تأكيد فريقه عزمه على البقاء في منصبه ومواجهة الانتقادات.
ردود الفعل الدولية.. ترقب لتداعيات الهزيمة
وعلى الصعيد الدولي، أثارت نتائج الانتخابات ردود فعل متباينة، إذ رأى عدد من المسؤولين أن خسارة الجمهوريين تعكس اعتراضًا من الناخبين الأمريكيين على توجهات إدارة ترامب، بينما دعا آخرون إلى التريث في تقييم انعكاساتها على السياسة الخارجية الأمريكية.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إن الناخبين الأمريكيين صوتوا ضد السياسات التي لا تؤدي إلا إلى الإفقار، وضد الكراهية والنزعة الذكورية وإنكار التغير المناخي وامتيازات النخبة.

وفي إيران، كتب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، عبر منصة «إكس»، أن الأمريكيين استغلوا الانتخابات ليقولوا «لا للحرب»، مضيفًا: «نحن نؤيد هذه الرسالة».
وفي المقابل، قال المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، إن من يعتقد أن نتائج انتخابات التجديد النصفي ستؤدي إلى تغيير موقف واشنطن تجاه طهران مخطئ تمامًا.
أما الكرملين، فقال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف، إن دونالد ترامب لا يزال في منصبه، معربًا عن أمله في أن يواصل جهوده الرامية إلى تحقيق السلام.
وفي السياق نفسه، قال البرلماني الروسي ليونيد سلوتسكي لشبكة «سي إن إن»: «سنراقب الوضع، ربما لا يزال الوقت مبكرًا للوصول إلى استنتاج نهائي، لكن الأمر لا يتطلب استنتاجًا؛ فموقف ترامب حاليًا سلبي للغاية».
وفي بريطانيا، وصف وزير الصحة جيمس فريث ليلة إعلان النتائج بأنها ليلة فارقة للديمقراطية الأمريكية والحزب الديمقراطي، مؤكدًا، في مقابلة مع إذاعة «تايمز راديو»، أن المملكة المتحدة ستواصل الحفاظ على علاقاتها الممتازة مع الولايات المتحدة.
ومن جانبه، قال رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره لوكالة «رويترز»، إن النتائج تمثل إشارة سياسية قوية إلى تغير توجهات الناخبين الأمريكيين.
كما نقلت «رويترز» عن رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا قوله، إن النتائج ستدشن حقبة جديدة في العلاقات الدولية، مضيفًا: «لقد رأينا أن الديمقراطيين سيطروا على مجلسي الشيوخ والنواب، وقد قال الشعب الأمريكي كلمته».
عامان من المواجهة السياسية في انتظار ترامب
تاريخيًا، اعتاد المرشحون الذين يحظون بدعم ترامب تحقيق نتائج جيدة في الانتخابات التمهيدية والعامة، لكن هذه المرة لم يتمكنوا من إقناع الناخبين بمنحهم أصواتهم، في نتيجة تضع الحزب الجمهوري أمام مراجعة حساباته السياسية، وتفتح المجال أمام الديمقراطيين لاستخدام أغلبيتهم الجديدة في ممارسة رقابة أوسع على الإدارة الأمريكية.
وبفقدان الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، يدخل ترامب مرحلة سياسية أكثر تعقيدًا، إذ ستصبح تمريراته التشريعية أكثر صعوبة، بينما تتزايد احتمالات فتح تحقيقات في ملفات تتعلق بإدارته وقراراتها، لتتراجع قدرته على التحرك التشريعي بحرية خلال العامين المتبقيين من ولايته.
لكن نتائج الانتخابات تفتح في الوقت نفسه أسئلة بشأن طبيعة استخدام الديمقراطيين للسلطة التي حصلوا عليها، ومدى قدرتهم على تحويل المكاسب الانتخابية إلى أجندة تشريعية واضحة، فضلًا عن انعكاسات هذه النتائج على المشهد السياسي الأمريكي والاستعدادات للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.



