الاقتصاد غير الرسمي.. السؤال الذي تتجنبه السياسات الاقتصادية
عاد الاقتصاد غير الرسمي إلى واجهة النقاش الحكومي مع تصريحات لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عن خطة جديدة لدمج الأنشطة غير المسجلة، وتقدير لحجمها يصل إلى 60% من الاقتصاد المصري.
والرقم، على ضخامته، يحتاج إلى تفسير لم تقدمه التصريحات المنشورة، لكن ما يستحق الاهتمام أكثر هو الطريقة التي يُطرح بها الملف، باعتباره اقتصادًا يعمل خارج المنظومة، وتبحث الحكومة عن وسائل لإقناعه بالدخول إليها.
ويبدو أن هذا التصور ينطلق من افتراض يستحق المراجعة، فالمشكلة تقع في جانب من النشاط الاقتصادي لم يستكمل التزاماته القانونية، والحل في تقديم حوافز كافية لجذبه إلى النظام الرسمي.
لكن ماذا عن النظام الذي نريد لهذه الأنشطة أن تنضم إليه؟
فالدخول إلى الاقتصاد الرسمي لا يقتصر على تسجيل المنشأة أو فتح ملف ضريبي، إنه انتقال إلى سوق تحكمه شروط الحصول على التراخيص والتمويل، وقواعد المنافسة، وتكاليف الالتزام بالتشريعات المنظمة للنشاط الاقتصادي، وهذه العوامل تؤثر في قرار صاحب المشروع بالانتقال إلى الرسمية، كما تؤثر في قدرته على الاستمرار والنمو بعد هذا الانتقال.
وفي تقريرها عن مصر لعام 2024، ربطت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بين تعقيد الإجراءات التنظيمية وصعوبة دخول السوق واستمرار الأنشطة غير الرسمية، بما يكشف أن التسجيل ليس مجرد قرار يتخذه صاحب المشروع، وإنما يتأثر أيضًا بالقواعد التي تنظم ممارسة النشاط الاقتصادي.
فخلال السنوات الماضية، لم تتوقف الحكومة عن الحديث عن دعم القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، وزيادة مشاركة الشركات في النشاط الاقتصادي، وفي ديسمبر 2022، أُقرت وثيقة سياسة ملكية الدولة، التي استهدفت تنظيم وجودها في القطاعات الاقتصادية وإفساح مجال أكبر للاستثمار الخاص.
وبعد ما يقرب من أربع سنوات، لا تزال مسألة تقليص هذا الوجود إحدى القضايا الأساسية في النقاش الاقتصادي، فقد أشار صندوق النقد الدولي، في تقريره الصادر في أغسطس 2026، إلى أن التقدم في برنامج التخارج وتقليص دور الدولة جاء أبطأ من المتوقع، رغم الخطوات المتخذة لتطوير الإطار المنظم لملكيتها.
تسعى الدولة إلى إدخال المنشآت الصغيرة في منظومة أكثر انتظامًا ووضوحًا، في الوقت الذي لا يزال فيه تنظيم نشاطها التجاري، وإدارة الشركات التي تمتلكها جهات حكومية متعددة، وحياد المنافسة بينها وبين القطاع الخاص، قضايا مفتوحة لم تكتمل معالجتها.
ولا تتعلق المسألة بمجرد وجود شركات مملوكة للدولة، فقد تكون هناك اعتبارات استراتيجية أو خدمية تبرر الملكية العامة في بعض القطاعات، لكن وجود الدولة بوصفها منظمًا للسوق ومشاركًا فيه في الوقت نفسه يفرض ضرورة الفصل الواضح بين الدورين.
فالشركة الخاصة التي تتنافس مع كيان مملوك للدولة تحتاج إلى الاطمئنان إلى أن قواعد الحصول على التمويل والأراضي والتعاقدات والامتيازات التنظيمية لا تمنح أحد الطرفين أفضلية لمجرد طبيعة ملكيته.
ولا تقف المشكلة عند حدود الإجراءات الإدارية، فالتقرير نفسه يشير إلى أثر الحضور الواسع للشركات المملوكة للدولة على المنافسة، وإلى صعوبة حصول القطاع الخاص على التمويل في ظل تفضيل البنوك إقراض الحكومة، وهي اختلالات تجعل الحديث عن توسيع دور القطاع الخاص مرهونًا بإصلاحات تتجاوز تبسيط التسجيل والتراخيص.
فالمشروع الذي يتحمل تكلفة الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي يحتاج إلى تمويل يسمح له بالتوسع، وسوق يستطيع المنافسة فيه، وقواعد واضحة ومستقرة تنظم علاقته بالجهات الحكومية، وإذا ظلت هذه الشروط مقيدة لنشاطه، فقد لا يجد في التسجيل وحده ما يغير أوضاعه الاقتصادية بصورة جوهرية.
ولا تعني هذه الصلة أن ملكية الدولة للشركات تفسر انتشار الاقتصاد غير الرسمي، لكنها تضع شروط المنافسة والتمويل ضمن العوامل التي تحدد جدوى الانتقال إلى الرسمية.
ثم تأتي مسألة الضرائب، تعامل الحكومة مع دمج الاقتصاد غير الرسمي بوصفه إحدى وسائل توسيع القاعدة الضريبية، وهو هدف مفهوم من زاوية تمويل الخدمات العامة وتحقيق العدالة بين الممولين، وقد صدر بالفعل القانون رقم 6 لسنة 2025، الذي يتيح نظامًا مبسطًا للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي عشرين مليون جنيه.
فالاقتصاد المصري يواجه نقاشًا أوسع حول هيكل الإيرادات العامة، والاعتماد على الضرائب غير المباشرة، وتوزيع الأعباء بين مستويات الدخل والأنشطة الاقتصادية المختلفة، والمنشأة التي تحصل على رقم ضريبي جديد لا تصبح بالضرورة مشروعًا أكثر إنتاجية.
فالاقتصاد غير الرسمي في مصر يضم أنشطة متنوعة في طبيعتها وأحجامها، بعضها مشروعات صغيرة تنتج وتبيع وتوظف، وبعضها أعمال محدودة الدخل توفر لأصحابها وسيلة للعيش، وبعضها يتجنب الالتزامات بصورة متعمدة، وهناك عمالة غير مؤمَّن عليها حتى داخل منشآت مسجلة.
ولهذا فإن معاملة هذه الفئات باعتبارها كتلة واحدة تخضع للحوافز نفسها والالتزامات نفسها قد تبسط المشكلة إداريًا، لكنها لا تعكس اختلاف ظروفها الاقتصادية.
وتشير نتائج التعداد الاقتصادي السادس لعام 2022/2023، التي أُعلنت في أكتوبر 2025، إلى أن المنشآت غير الرسمية تمثل نحو نصف منشآت القطاع الخاص، لكن نسبة المنشآت لا تخبرنا وحدها بحجم إنتاجها، ولا بما تحتاج إليه كي تتوسع، ولذلك ينبغي النظر إلى حجم هذه المشروعات وقدرتها الإنتاجية والقيود التي تواجه نموها، بدل اختزال المشكلة في غياب التسجيل الرسمي.
وتبقى قدرة المشروعات على النمو مرتبطة بشروط التمويل والمنافسة، وبكيفية توزيع الموارد بين الدولة والقطاع الخاص، فهناك فارق بين اقتصاد تضع فيه الدولة القواعد وتوفر البنية الأساسية وتحمي المنافسة، واقتصاد تتوسع فيه الدولة في الاستثمار والإنتاج، ثم تطلب من القطاع الخاص أن يؤدي دورًا أكبر دون أن تتضح الحدود بين النشاطين.
ولا يحسم هذا الفارق عدد الرخص الجديدة أو حجم الحصيلة الضريبية، يبقى كذلك أن استمرار الأنشطة خارج القانون يحمل مشكلات حقيقية، فهو قد يضعف حماية العمال، ويتيح لبعض المنشآت تجنب التكاليف التي يتحملها منافسوها الملتزمون، ويحد من إمكانية إنفاذ معايير الجودة والسلامة.
أما تحويل هذا الملف إلى قضية حوافز ضريبية جديدة، مع تأجيل النقاش حول دور الدولة في النشاط الاقتصادي، فيترك جانبًا أساسيًا من المشكلة دون معالجة.
فالحكومة التي أعلنت وثيقة لسياسة ملكيتها، ثم عادت إلى تحديثها، مطالبة بتقديم صورة واضحة عن حدود نشاطها التجاري، وبرنامج التخارج، وطريقة مراقبة الشركات والكيانات التي تملكها، ومدى تطبيق قواعد المنافسة على الجميع.
والبرلمان، من جانبه، يحتاج إلى متابعة هذه الالتزامات باعتبارها جزءًا من تقييم السياسة الاقتصادية، تمامًا كما يتابع مشروعات القوانين والتيسيرات الضريبية، فالمطلوب من أصحاب المشروعات أن يلتزموا بقواعد الاقتصاد الرسمي.
أما المطلوب من الدولة فهو أن توضح القواعد التي تحكم وجودها هي نفسها داخل هذا الاقتصاد، وأن تضمن خضوع المتنافسين لشروط عادلة يمكن التحقق منها، وبغير ذلك، سيظل النقاش منصبًا على كيفية إدخال المزيد من الأنشطة إلى السجلات، بينما يبقى السؤال الأوسع عن إدارة السوق وتوزيع الفرص مفتوحًا.




