لم تعد التطورات على الحدود السودانية الإثيوبية قابلة للقراءة باعتبارها امتداداً لخلافات تاريخية بين دولتين جارتين؛ فالتصعيد المتزايد يتزامن مع تحولات عميقة في القرن الإفريقي، تتداخل فيها الحرب السودانية مع التنافس على النفوذ والممرات البحرية ومصادر القوة الإقليمية.
وفي ظل اتساع الشراكات الأمنية والاقتصادية، باتت الحدود جزءاً من معادلة تتصل بمسارات الإمداد ومناطق التأثير وإعادة ترتيب التوازنات، لا مجرد خطوط فاصلة بين السيادات الوطنية.
وتزداد خطورة هذا المشهد مع تراجع قدرة السودان على حماية حدوده ومؤسساته بفعل الحرب، وتنامي الطموحات الإثيوبية المرتبطة بالوصول إلى البحر، واتساع الحضور الإماراتي في ملفات المنطقة.
وبين هذه العوامل تتشكل بيئة إقليمية تتجاوز الخلاف الثنائي، وتضع سيادة السودان ووحدة أراضيه أمام تحديات تتطلب قراءة جذور التوتر، وحسابات الأطراف، وطبيعة الأدوار الخارجية، وما يترتب عليها من مسؤوليات سياسية وقانونية.
إرث الخلافات وحسابات إثيوبيا
تعود الخلافات السودانية الإثيوبية إلى ملفات حدودية ومائية وأمنية تراكمت عبر عقود، وظلت تتأرجح بين التفاهم والتوتر وفقاً لطبيعة الحكومات والتحولات الداخلية في البلدين. ويأتي إقليم الفشقة في مقدمة هذه الملفات، حيث ظل النزاع حول ترسيم الحدود واستخدام الأراضي الزراعية مصدراً للاحتكاك، قبل أن يتصاعد منذ أواخر عام 2020. وقد تداخلت في الأزمة اعتبارات الترسيم التاريخي للحدود، والمصالح الزراعية، وحسابات الأمن القومي لدى الطرفين.
إلى جانب ذلك، ظل سد النهضة عاملاً أساسياً في توتر العلاقات، في ظل الخلاف حول قواعد الملء والتشغيل وتبادل المعلومات والضمانات المتعلقة بتدفق مياه النيل. ولم تكن هذه الخلافات منفصلة عن التحولات السياسية التي شهدها البلدان؛ فقد اتسمت العلاقة بالتقارب عقب وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 ثم شهدت تراجعاً ملحوظاً بعد اندلاع حرب تيقراي، وتدهور التنسيق السياسي والأمني بين الخرطوم وأديس أبابا.
وهكذا انتقلت العلاقة من مرحلة التقارب والوساطة الإثيوبية في الأزمة السودانية عام 2019 إلى مرحلة تتقدم فيها الشكوك المتبادلة والمصالح المتعارضة.
وفي السنوات الأخيرة، أضافت القيادة الإثيوبية ملف الوصول إلى البحر بُعداً جديداً إلى علاقاتها مع دول الجوار. فاعتماد إثيوبيا على موانئ خارج حدودها يمثل تحدياً اقتصادياً واستراتيجياً حقيقياً، غير أن معالجة هذا التحدي لا تمنحها حقاً في فرض ترتيبات تمس سيادة الدول الأخرى.
وقد كشفت مذكرة التفاهم الإثيوبية مع إقليم أرض الصومال في يناير 2024 عن استعداد أديس أبابا لتوسيع خياراتها البحرية عبر ترتيبات أثارت اعتراض الحكومة الصومالية، قبل أن يفتح إعلان أنقرة في ديسمبر من العام نفسه مساراً تفاوضياً يقوم على احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه. وزارة الخارجية التركية .
لكن الحسابات الإثيوبية لا تتوقف عند الطموح البحري أو الخلافات الحدودية. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستثمر أديس أبابا في ضعف السودان الراهن لتوسيع نفوذها في الملفات العالقة، وخلق واقع أمني وسياسي جديد يمنحها هامشاً أوسع في التعامل مع الخرطوم؟
أم أن التصعيد يرتبط بمحاولة أوسع لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، تتجاوز النزاع الحدودي إلى موازين القوة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر؟
ويتصل بذلك سؤال آخر حول الكيفية التي تنظر بها القيادة الإثيوبية إلى السودان في سياق تنافسها الإقليمي. فهل ترى فيه جاراً تربطه بها مصالح مشتركة، أم ساحة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد بفعل علاقات بعض القوى السودانية مع خصومها الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر وإريتريا؟ إن تحويل هذه المخاوف إلى مبرر للضغط على السودان أو التأثير في صراعه الداخلي يعني إخضاع أمن دولة مجاورة لتصورات أديس أبابا ومصالحها، ويفتح المجال أمام إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة بدلاً من التفاهم.
وثمة بعد داخلي لا يمكن إغفاله. فالتوترات المسلحة في أمهرا وأوروميا وتعقيدات ملف تيفراي تضع حكومة آبي أحمد أمام ضغوط متزامنة. وهنا يبرز تساؤل بشأن ما إذا كان التصعيد الخارجي يوفر للقيادة الإثيوبية مجالاً لإعادة تعبئة الخطاب القومي حول السيادة والوصول إلى البحر، وتحويل الاهتمام من الأزمات الداخلية إلى التحديات الخارجية.
لا يمكن الجزم بأن هذا هو الدافع الوحيد أو الحاسم، لكن تداخل الضغوط الداخلية مع الطموحات الإقليمية يجعل السياسة الإثيوبية تجاه السودان جزءاً من حسابات تتجاوز حدود العلاقة الثنائية.
الشراكة الإثيوبية الإماراتية: من تقاطع المصالح إلى توظيف النفوذ
تطورت العلاقات بين إثيوبيا والإمارات خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة متعددة الأبعاد، شملت الاستثمار والتجارة والطاقة والبنية التحتية والتعاون الأمني.
وقد وفرت أبوظبي لأديس أبابا دعماً اقتصادياً واستثمارياً مهماً، فيما وجدت الإمارات في إثيوبيا دولة محورية لتعزيز حضورها في القرن الإفريقي، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والعسكري وتأثيرها في محيطها الإقليمي.
ولا يمكن تفسير هذه العلاقة باعتبارها تبعية إثيوبية كاملة للإمارات؛ فإثيوبيا تمتلك مشروعها الخاص وحساباتها المتعلقة بالبحر الأحمر والسودان وموازين القوة في المنطقة. إلا أن تقاطع المصالح بين الطرفين أتاح لأبوظبي توسيع أدوات تأثيرها، كما أتاح لأديس أبابا الاستفادة من الموارد والشراكات التي تدعم طموحاتها الاقتصادية والأمنية. وتكمن الإشكالية في انتقال هذا التقارب من مجال المصالح الثنائية إلى التأثير في صراعات دول الجوار، بما يهدد استقرار المنطقة ويضعف فرص التسوية السياسية.
ويظهر النفوذ الاقتصادي من خلال الاستثمارات والتمويل والشراكات في قطاعات حيوية، بما يخلق روابط مصالح طويلة الأمد ويوفر قنوات تأثير في البنية التحتية واللوجستيات والتجارة. أما النفوذ السياسي، فيتجسد في العلاقة الوثيقة مع القيادة الإثيوبية وتبادل المصالح في الملفات الإقليمية، بما يمنح أبوظبي مساحة أوسع للحضور في حسابات أديس أبابا، ويوفر للأخيرة شريكاً يمتلك الموارد والعلاقات وأدوات الحركة.
غير أن البعد الأكثر حساسية يتعلق بالامتداد الأمني والعسكري لهذه الشراكة، خصوصاً في ضوء المؤشرات المتعلقة بشبكات الإمداد والتدريب والتجهيز المرتبطة بالحرب السودانية.
فحين تتداخل المصالح الاقتصادية مع الترتيبات الأمنية، وتظهر مؤشرات على توظيف الأراضي والمنشآت الإثيوبية في دعم مليشيات الدعم السريع، يصبح من الضروري مساءلة طبيعة هذا التعاون والغاية السياسية منه.
ولا تكمن خطورة الأمر في احتمال توفير دعم عسكري لطرف من أطراف الحرب فحسب، وإنما في توظيف الشراكة الثنائية للتأثير في موازين الصراع داخل السودان، بما يضعف فرص استعادة الدولة ويطيل أمد الحرب.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام شراكة استراتيجية متكاملة تتوزع فيها الأدوار وفق تفاهمات مشتركة، أم أمام تقاطع مصالح يستثمر فيه كل طرف قدرات الآخر لتحقيق أهدافه الخاصة؟ لا تتوافر أدلة كافية للجزم بوجود قيادة موحدة أو توزيع ثابت للأدوار في جميع الملفات، غير أن ذلك لا ينفي احتمال التنسيق في ملفات محددة، ولا يلغي مسؤولية كل طرف عن خياراته.فالإمارات لا يمكنها الاحتماء بطبيعة الشراكة الاقتصادية إذا ثبت توظيف مواردها في دعم طرف مسلح، وإثيوبيا لا تستطيع تقديم نفسها بوصفها مجرد ساحة عبور أو شريك متلقٍ إذا كانت مؤسساتها وأراضيها توفر بيئة للإسناد والتجهيز. ومعيار المساءلة هنا هو طبيعة ما جرى، والجهات التي شاركت فيه، والأثر الذي تركه على أمن السودان ووحدة دولته.
بني شنقول-قمز وأصوصا: حين تتحول الجغرافيا إلى أداة في الحرب
تكمن الأهمية الاستراتيجية لبني شنقول-قمز وأصوصا في أن موقعهما الحدودي يجعل أي نشاط عسكري أو لوجستي فيهما متصلاً مباشرة بأمن السودان. فالمسألة لا تتعلق بوجود معسكر أو تحركات معدات داخل الأراضي الإثيوبية في حد ذاتها، وإنما بما إذا كانت هذه الجغرافيا تُستخدم لتوفير عمق خلفي لقوة تقاتل داخل السودان، أو لإنشاء بيئة إسناد تسمح لها بإدامة عملياتها وتوسيع قدرتها على الحركة.
في هذا السياق، لا تبدو التقارير المتعلقة بمعسكر تدريب مقاتلي مليشيا الدعم السريع في بني شنقول-قمز، والنشاط داخل قاعدة عسكرية في أصوصا، مجرد تفاصيل ميدانية منفصلة.
فإذا صحت هذه المعطيات، فإننا نكون أمام توظيف محتمل لموقع الدولة ومنشآتها في بناء قدرات عسكرية لطرف منخرط في حرب السودان. وهذا يطرح سؤالاً يتجاوز طبيعة المنشآت إلى مستوى الدور الإثيوبي:
هل تقتصر المسألة على السماح بوجود بنية تدريب وإمداد على الأراضي الإثيوبية، أم أن هناك تنسيقاً يتجاوز توفير البيئة اللوجستية إلى ترتيبات أوسع مرتبطة بمسار العمليات؟
فالمعسكرات وشبكات التجهيز لا توفر للمقاتلين التدريب والمعدات فقط، وإنما تمنحهم قدرة على إعادة التنظيم وتعويض الخسائر وتأمين خطوط الإمداد، وهو ما يؤثر في توازنات الحرب ويقلل الضغوط التي قد تدفعهم إلى التسوية. وبذلك تتحول المناطق الحدودية من نطاق يفترض أن تحكمه اعتبارات حسن الجوار والأمن المشترك إلى مجال يمكن أن يُستخدم في إطالة الحرب وإعادة إنتاج قوتها العسكرية.
وقد نشرت وكالة رويترز في فبراير 2026 تحقيقاً استند إلى إفادات ثمانية مصادر، بينها مسؤول إثيوبي رفيع ومصادر دبلوماسية، تحدث عن معسكر داخل إثيوبيا لتدريب مقاتلين من مليشيا الدعم السريع. ونقلت عن مصادرها أن الإمارات مولت المعسكر وقدمت مدربين ودعماً لوجستياً، لكنها أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الدور الإماراتي، فيما نفت أبوظبي التدخل في الحرب السودانية.
كما أشار تقرير مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، الذي نشرته صحيفة سودان تريبيون في يونيو 2026، إلى نشاط داخل قاعدة عسكرية في أصوصا شمل تجهيز مركبات وتحركات لمعدات وحاويات، استناداً إلى تحليل صور الأقمار الصناعية.
وهذه المؤشرات، على اختلاف طبيعتها ومستوى التحقق منها، تضع الحكومة الإثيوبية أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بشأن طبيعة النشاط العسكري في مناطقها الحدودية والجهات المستفيدة منه.
أما اتهام السودان باستخدام مطار بحر دار في إطلاق مسيّرات لتنفيذ هجمات داخل أراضيه، فيحمل دلالة أكثر خطورة إذا ثبتت صحته؛ لأنه يعني الانتقال من توفير التدريب والإسناد إلى توظيف منشأة داخل الدولة الإثيوبية في تنفيذ عمليات عسكرية عابرة للحدود.
إن جوهر المسألة هو أن استخدام الأراضي الإثيوبية في إسناد طرف مسلح داخل السودان، متى ثبت، لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً إثيوبياً داخلياً أو مجرد امتداد لعلاقات ثنائية. فالدول المجاورة لا تملك حق تحويل أراضيها إلى قواعد خلفية لصراعات تهدد أمن جيرانها، كما أن الشراكات الخارجية لا تمنح أي حكومة حصانة من المساءلة عن نتائج قراراتها.
ولا ينبغي أن يؤدي التركيز على الإسناد الخارجي إلى إعفاء الأطراف السودانية من مسؤولياتها. فمليشيا الدعم السريع تمتلك شبكات تجنيد وتمويل ومصالح اقتصادية ساهمت في استمرار الحرب، كما تتحمل أطراف الصراع السوداني مسؤولية الخيارات التي عمقت الانقسام وأضعفت مؤسسات الدولة. لكن هذه المسؤولية الداخلية لا تبرر التدخل الخارجي أو توفر غطاءً له؛ فالحرب السودانية ليست شأناً مباحاً للقوى الإقليمية كي تعيد توظيفه وفق مصالحها.
كلفة الحرب وتفكيك الدولة
أخطر ما ينتج عن اتساع الإسناد العسكري الخارجي هو إطالة أمد الحرب وتعزيز قدرة أطرافها على مواصلة القتال، بما يحول الصراع من مواجهة على السلطة إلى عملية استنزاف لمقومات الدولة السودانية. فاستهداف المطارات والمنشآت الحيوية وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات لا يقتصر أثره على تعطيل العمليات العسكرية، وإنما يضرب البنية التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وقد انعكست الحرب على الزراعة والتجارة والنقل والتصدير، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح، ووسعت نطاق انعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الأساسية. وتزداد المخاطر في المناطق الشرقية والحدودية، حيث تتداخل المصالح الزراعية والتجارية وحركة السكان مع اعتبارات الأمن.
وإذا تحولت هذه المناطق إلى ممرات للإمداد العسكري أو ساحات للمواجهة، فإن ذلك يهدد المجتمعات المحلية ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية مواطنيها.
وتنشأ في ظل هذه الظروف اقتصاديات حرب تستفيد منها شبكات السلاح والتهريب والتمويل، فيما يتحمل المجتمع السوداني كلفة انهيار المؤسسات وتراجع فرص التعافي.
ولهذا لا يمكن فصل وقف التدخلات الخارجية عن معالجة مصادر الحرب الداخلية؛ فاستمرار تدفق السلاح يعزز قدرة الأطراف على القتال، وغياب التسوية السياسية يجعل هذا التدفق قابلاً للتجدد مهما تغيرت موازين الميدان.
توازنات القرن الإفريقي وحدود الاحتواء
تتجاوز تداعيات التصعيد حدود السودان وإثيوبيا، لتطال معادلة الأمن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وتبرز إريتريا في هذا السياق بحكم موقعها الجغرافي وحدودها مع البلدين، وارتباط أمنها الاستراتيجي بأي تحول في ميزان القوة بين الخرطوم وأديس أبابا.
كما أن الطموح الإثيوبي البحري يثير مخاوف تتصل بسيادة الدول المطلة على البحر الأحمر، ويجعل أمن إريتريا والسودان جزءاً من معادلة إقليمية متداخلة.
ولا يعني ذلك تطابق المصالح بين الخرطوم وأسمرا في جميع الملفات، أو أن التقارب بينهما يرقى بالضرورة إلى تحالف ثابت. غير أن مصلحة البلدين في منع فرض ترتيبات إقليمية بالقوة، وحماية السيادة ووحدة الأراضي، تتيح مجالاً للتنسيق السياسي والأمني.
كما ترتبط مصر مباشرة بتداعيات سد النهضة وأمن السودان، فيما تنظر السعودية إلى استقرار البحر الأحمر بوصفه جزءاً من أمنها ومصالحها التجارية والاستراتيجية. وتملك تركيا وقطر قنوات تأثير في المنطقة يمكن أن تسهم في دعم التهدئة إذا جرى توظيفها بعيداً عن تنافس المحاور.
أما الاتحاد الإفريقي وإيغاد، فإن الاكتفاء بالدعوات العامة إلى ضبط النفس لن يكون كافياً أمام المؤشرات المتعلقة باستخدام أراضي دول الجوار في إسناد الحرب. المطلوب آليات تحقق مستقلة، وموقف واضح من نقل السلاح وتدريب المقاتلين، وضمانات تحول دون استخدام الحدود لتوسيع الصراع.
كما أن القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، معنية بمنع انتقال الأزمة إلى البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية، غير أن اختلاف مصالحها قد يحد من قدرتها على بلورة موقف موحد.
وتظل الأزمة الداخلية الإثيوبية عاملاً مؤثراً في حسابات القيادة الحاكمة. فالتوترات في أمهرا وأوروميا وتعقيدات ملف تيغراي والضغوط المرتبطة بإعادة تثبيت سلطة الدولة، تضع حكومة آبي أحمد أمام تحديات متزامنة.
وقد يدفع ذلك القيادة إلى توظيف الملفات الخارجية لتعزيز موقعها السياسي وتعبئة الرأي العام حول قضايا السيادة والطموح البحري. غير أن تفسير السلوك الإثيوبي بهذه الضغوط لا يبرره، كما لا يصح تحميل المجتمع الإثيوبي مسؤولية خيارات حكومته وأجهزتها.
السودان: من كشف الاعتداء إلى بناء الردع
يحتاج السودان إلى الانتقال من مرحلة إعلان الاتهامات إلى بناء موقف يستند إلى أدلة فنية واستخباراتية وقانونية قابلة للتحقق. ويتطلب ذلك توثيق الأنشطة العسكرية عبر الحدود، وتحديد مسارات الإمداد والتمويل، وفحص الأدلة المتعلقة باستخدام المطارات والقواعد والمنشآت، ثم عرضها على الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والهيئات الدولية المختصة. فالموقف الدبلوماسي الذي يستند إلى ملفات موثقة أكثر قدرة على بناء الضغط الدولي من الخطاب السياسي الذي لا تصاحبه أدلة واضحة.
وعلى المستوى الأمني، تبرز ضرورة حماية الحدود الشرقية والنيل الأزرق، وتعزيز قدرات الرصد والاستطلاع، وتأمين المنشآت الحيوية، ورفع كفاءة التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية. لكن بناء الردع لا يعني فتح جبهات جديدة أو توسيع الحرب خارج الحدود؛ فالسودان يحتاج إلى استراتيجية تحمي ما تبقى من مؤسسات الدولة وتمنع تمدد الصراع، لا إلى مغامرات تزيد من استنزافه.
كما أن استعادة المبادرة تتطلب سياسة خارجية تتجاوز ردود الفعل، وتبني علاقات إقليمية على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة.
ومن المهم إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع القوى الإثيوبية السياسية والمجتمعية الرافضة لتوظيف الجوار في الصراعات، مع التمييز بين الدولة الإثيوبية وحكومتها والمجتمع الذي يعيش بدوره أزمات عميقة. فالنزاع مع سياسات القيادة الحاكمة لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الشعب الإثيوبي أو تدخل في شؤونه الداخلية.
غير أن هذه الأدوات ستظل محدودة الأثر ما لم يستعد السودان تماسك جبهته الداخلية، ويضع حداً لتعدد مراكز القرار، ويعيد الاعتبار إلى مؤسسات الدولة بوصفها الإطار الجامع للمصلحة الوطنية. فالدولة المنقسمة لا تستطيع حماية سيادتها بفاعلية، والقرار الوطني المشتت يفتح المجال أمام القوى الخارجية للتعامل مع أزماتها باعتبارها فرصة لتوسيع النفوذ.
السيادة ليست مساحة للمساومة
يكشف ما يجري في السودان والقرن الإفريقي خطورة انتقال التنافس الإقليمي من مجال النفوذ السياسي والاقتصادي إلى توظيف الحروب الداخلية وإضعاف الدول المجاورة. وتتحمل إثيوبيا مسؤولية خياراتها تجاه السودان، كما تتحمل الإمارات مسؤولية ما يثبت من أدوار لها في دعم أطراف الحرب أو توفير أدوات الإسناد. ولا يجوز أن تتحول الشراكات الاستراتيجية إلى غطاء لتجاوز سيادة الدول أو التدخل في صراعاتها الداخلية.
التحدي الأعمق الذي يواجه السودان لا يتمثل في منع الآخرين من التدخل فحسب، وإنما في استعادة الدولة التي تجعل التدخل مكلفاً ومحدود الأثر. فحين تتعدد مراكز القوة وتتراجع المؤسسات ويتحول القرار الوطني إلى امتداد لمصالح الأطراف المتصارعة، تصبح السيادة عرضة للانتقاص حتى من دون تغيير رسمي للحدود.
إن السودان لا يواجه اليوم اختباراً حدودياً فحسب، وإنما اختباراً لقدرته على البقاء دولةً تملك قرارها في محيط يتسع فيه التنافس على حساب الدول الهشة.
ولن تحسم الاحتجاجات الدبلوماسية وحدها هذا الاختبار، كما لن تحسمه موازين السلاح وحدها؛ فالمعيار الحقيقي هو قدرة السودانيين على إنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بحيث لا يجد الخارج في انقسام الداخل منفذاً لإدارة شؤون البلاد من وراء حدودها. فالدولة التي تفقد قرارها الداخلي تفقد تدريجياً قدرتها على حماية سيادتها، وتتحول جغرافيتها من مصدر قوة إلى مجال مفتوح لمصالح الآخرين.
مصادر:
- وكالة رويترز – إثيوبيا تنشئ معسكراً سرياً لتدريب مقاتلي الدعم السريع
[https://www.reuters.com/world/middle-east/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/](https://www.reuters.com/world/middle-east/ethiopia-builds-secret-camp-train-sudan-rsf-fighters-sources-say-2026-02-10/?utm_source=chatgpt.com)
- صحيفة سودان تريبيون – إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب قوات الدعم السريع بدعم إماراتي
[https://sudantribune.com/article/310484](https://sudantribune.com/article/310484?utm_source=chatgpt.com)
- مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل – أدلة على تقديم دعم عسكري للدعم السريع داخل قاعدة أصوصا
[https://ysph.yale.edu/hrl/publications/reports/](https://ysph.yale.edu/hrl/publications/reports/?utm_source=chatgpt.com)
- جامعة ييل – أدلة على استمرار الدعم لقوات الدعم السريع في قاعدة أصوصا
[https://ysph.yale.edu/download-file/b23f037b-5084-4a8b-9594-62c781e4eaf4/](https://ysph.yale.edu/download-file/b23f037b-5084-4a8b-9594-62c781e4eaf4/?utm_source=chatgpt.com)
- سودان تريبيون – تجهيز مركبات داخل قاعدة إثيوبية لصالح الدعم السريع
[https://sudantribune.com/article/314982](https://sudantribune.com/article/314982?utm_source=chatgpt.com)
- الجزيرة – اتهامات السودان لإثيوبيا والإمارات بشأن هجمات المسيّرات
[https://www.aljazeera.com/news/2026/5/6/sudan-blames-ethiopia-uae-for-recent-drone-attacks-what-we-know](https://www.aljazeera.com/news/2026/5/6/sudan-blames-ethiopia-uae-for-recent-drone-attacks-what-we-know?utm_source=chatgpt.com)
- المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية – انخراط الإمارات في إثيوبيا وتداعياته على القرن الإفريقي
[https://www.swp-berlin.org/publikation/mta-pb35-the-united-arab-emirates-engagement-in-ethiopia](https://www.swp-berlin.org/publikation/mta-pb35-the-united-arab-emirates-engagement-in-ethiopia?utm_source=chatgpt.com)
- مجموعة الأزمات الدولية – احتواء النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا
[https://csf-sudan.org/library/containing-the-volatile-sudan-ethiopia-border-dispute/](https://csf-sudan.org/library/containing-the-volatile-sudan-ethiopia-border-dispute/?utm_source=chatgpt.com)
- تشاتام هاوس – التوترات الإثيوبية السودانية والاستجابات الدولية
[https://www.chathamhouse.org/2023/04/coordinating-international-responses-ethiopia-sudan-tensions/02-background-placing-current](https://www.chathamhouse.org/2023/04/coordinating-international-responses-ethiopia-sudan-tensions/02-background-placing-current?utm_source=chatgpt.com)
- وزارة الاتصالات التركية – إعلان أنقرة بشأن إثيوبيا والصومال
[https://www.iletisim.gov.tr/English/haberler/detay/ethiopia-somalia-ankara-declaration-under-facilitation-of-republic-of-turkiye](https://www.iletisim.gov.tr/English/haberler/detay/ethiopia-somalia-ankara-declaration-under-facilitation-of-republic-of-turkiye?utm_source=chatgpt.com)
- تشاتام هاوس – مخاطر التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا والطموح الإثيوبي البحري
[https://www.chathamhouse.org/2025/11/de-escalation-needed-prevent-ethiopia-and-eritrea-going-war](https://www.chathamhouse.org/2025/11/de-escalation-needed-prevent-ethiopia-and-eritrea-going-war?utm_source=chatgpt.com)
- مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي – الصراع في إثيوبيا
[https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/conflict-ethiopia](https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/conflict-ethiopia?utm_source=chatgpt.com)
- الأمم المتحدة – خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة في السودان لعام 2026
[https://www.unocha.org/publications/report/sudan/sudan-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-april-2026-enar](https://www.unocha.org/publications/report/sudan/sudan-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-april-2026-enar?utm_source=chatgpt.com)
- منظمة الصحة العالمية – الأزمة الصحية والإنسانية في السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب
[https://www.who.int/news/item/14-04-2026-after-three-years-of-conflict–sudan-faces-a-deeper-health-crisis](https://www.who.int/news/item/14-04-2026-after-three-years-of-conflict–sudan-faces-a-deeper-health-crisis?utm_source=chatgpt.com)
15. وكالة أسوشيتد برس – طرد دبلوماسيين سودانيين وإغلاق القنصلية السودانية في إثيوبيا