
خبراء: يجب حل المشكلة من الأساس والبُعد عن المسكنات لتغطية العجز
معلمو الحصة: لا نشعر بالاستقرار والحصة بـ 37 جنيهًا دون تأمين طبي أو اجتماعي
في الوقت الذي تواصل فيه الدولة المصرية جهودها لإصلاح منظومة التعليم وسد عجز المعلمين داخل المدارس الحكومية، ظهر نموذج “معلم الحصة” كحل مؤقت لتوفير كوادر تدريسية تضمن استمرار العملية التعليمية، ورغم أن هذه الخطوة ساهمت في تغطية العجز بعض الشيء، فإنها أثارت جدلاً واسعًا بين أولياء الأمور والمعلمين والخبراء حول تأثير الوضع المؤقت لهؤلاء المعلمين على مستوى التعليم وجودته داخل الفصول.
ضغوط مادية وعدم استقرار
تتراوح رواتب معلمي الحصة بين 1000 و2000 جنيه شهريًا في كثير من المحافظات، دون تثبيت أو تأمينات أو ضمانات وظيفية، وهو ما يضعهم تحت ضغط اقتصادي ونفسي واضح، حيث يقول محمد عبدالسلام، معلم حصة في مدرسة بإمبابة:”إحنا بنشرح ونشتغل نفس شغل المعلمين المثبتين، ويمكن ساعات أكتر، ولا فيه تأمين ولا تعيين، كل يوم خايفين من قرار يوقفنا، إزاي أركز في تطوير نفسي وأنا مش ضامن بكرة؟”، وتشير سمر علي، ولية أمر طالبة بمدرسة بالقليوبية، إلى أن:” كثيرًا من معلمي الحصة أثبتوا كفاءة في التدريس لأولادنا، وفي بعض المدرسين مش مهتمين غير بالدرس الخصوصي، وفيه مدرسين حصة ممتازين جدًا، وولادي حبّوهم، المشكلة مش في المدرس، المشكلة إن الدولة لازم تأمّنهم وتدربهم كويس عشان يستقروا ويعطوا أكتر”، وفي المقابل، يرى بعض أولياء الأمور أن نقص الخبرة في عدد من الحالات أدى إلى تفاوت في مستوى الشرح، حيث يقول خالد محسن ولي أمر من الجيزة:” فيه مدرسين كويسين بس فيه ناس داخلة التجربة لأول مرة ومش متمكنين، وده بيظهر في المدرسة والمنهج”.

تدريب مستمر
ويؤكد خبراء التعليم أن غياب الاستقرار الوظيفي يقلل من قدرة المعلم على تطوير نفسه، ويرفع معدل الدوران داخل المدارس، بما ينعكس على الطلاب، حيث يرى الخبير التربوي عاصم حجازي، أن:” أي معلم بلا تدريب مستمر وضمان وظيفي مش هيقدريقدم تعليم حقيقي، والإصلاح يبدأ من المعلم، ولازم الدولة تعمل خطة واضحة لتثبيت وتأهيل معلمي الحصة تدريجيًا”.
وأضاف أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن:” قرار وزارة التربية والتعليم، الخاص بعقد مسابقة لتعيين معلمي الحصة ورفع السن المسموح به للتقدم حتى 45 عامًا، به مزايا وهناك أيضًا سلبيات ينبغي أن نعالجها ولا نتوقف عند سد العجز فقط التوقف أمامها حتى يتم تحسين العملية التعليمية”، مشيرًا إلى أن فتح باب التقدم حتى سن 45 عامًا خطوة إيجابية لاستيعاب هذه الفئة التي أثبتت كفاءة خلال التدريس والخبرة في العملية التعليمية.

وزارة التعليم والأزمة
من جهتها، أعلنت وزارة التربية والتعليم في أكثر من مناسبة أن نظام معلمي الحصة خطوة مؤقتة لحين استكمال إجراءات التعاقدات الرسمية، لكن المطالبات تتزايد بوضع مسار وظيفي واضح لهم، مع برامج تدريب معتمدة تضمن رفع كفاءة المعلم داخل الفصل، وتبقى أزمة معلمي الحصة ليست مجرد قضية رواتب أو تعيين، بل قضية جودة تعليم ومستقبل أجيال، حيث أن تحسين أوضاع المعلمين وتدريبهم ليس رفاهية، بل شرط أساسي لبناء منظومة تعليم قوية ومتوازنة، والسؤال الآن: متى يتحول معلم الحصة إلى معلم مستقر يمتلك أدواته كاملة؟.

عجز المعلمين
بلغ إجمالي عدد المعلمين في المدارس الحكومية نحو 896 ألف معلم فقط، وحتى بإضافة المعلمين العاملين في المدارس الخاصة سيكون العدد نحو مليون و10 آلاف معلم، كما سجل عدد المعلمين في المدارس الحكومية حتى العام الدراسي 2023/ 2024- طبقًا لأحدث البيانات- 809 ألف معلم، وبإضافة 50 ألف مُعلم بالحصة، تعاقدت معهم وزارة التربية والتعليم خلال العام الدراسي الحالي 2024/ 2025، 37 ألف مدرس تم تعيينهم من خلال مسابقة الـ 30 ألف معلم، يصبح العدد الإجمالي 896 ألف معلم فقط.

كما بلغ عدد المعلمين العاملين في المدارس الخاصة في 2023/ 2024 نحو 114 ألف معلم، بحسب الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن وزارة التربية والتعليم.

وسجل عدد المعلمين في المدارس الحكومية عام 2014/2013 نحو 874 ألف، وتراجع العدد إلى 809 ألف معلم في عام 2024/2023، بانخفاض 65 ألف معلم، بسبب الخروج على المعاش ووقف التعيينات الجديدة، قبل أن تبدأ الحكومة في فتح باب التعيين مجددًا لسد جزء من العجز الذي بلغ 665 ألف معلم، بحسب تصريحات سابقة لـ وزير التربية والتعليم محمدعبد اللطيف.


ضمان صحي واجتماعي
وحول مطالب المعلمين بالحصة، قالت رضوى أحمد، معلمة من القاهرة:” نعمل منذ سنوات طويلة بلا استقرار وظيفي أو تأمين صحي أو ضمان اجتماعي، رغم تعهدات الوزارة لنا لا تزال أوضاعنا دون تغيير”، مضيفة:” نحن ضحايا إلغاء التكليف من كليات التربية، وضحايا مسابقات سابقة لم تحمِ حقوقنا، واليوم نعمل في تخصصاتنا بكفاءة بشهادة رؤسائنا، ونطالب الوزارة بتقنين أوضاعنا دون الدخول في مسابقات جديدة قد تُقصينا من المشهد”.
وأشارت إلى أن مطالبهم بإصدار قرارات عاجلة من القيادة السياسية لمنحهم عقودًا رسمية تضمن حقوقهم, أما معلم اللغة العربية بالجيزة سعيد كشك، فقال إنه كان ضمن معلمي مسابقة الـ36 ألف معلم، كما أنه اجتاز المراحل النهائية لمسابقة الـ120 ألف معلم عبر بوابة التوظيف، وحصل على الشهادات المطلوبة، ولم يعين حتى الآن.
وأشار إلى أنه في 2020، تلقى معلمو الحصة وعدًا من نائب وزير التعليم آنذاك رضا حجازي بتقنين أوضاعهم عبر عقود مؤقتة، لكن جائحة كورونا عطلت الإجراءات، وفي 2021 تم التعاقد مؤقتًا مع بعضهم بنظام “التطوع بالأجر”، بواقع 20 جنيهًا للحصة، واستمر الوضع حتى تولي حجازي منصب وزير التعليم دون تغيير جوهري في أوضاعهم.
ومع تولي محمد عبد اللطيف منصب وزير التربية والتعليم، أقرت الحكومة زيادة في قيمة الحصة إلى 50 جنيهًا، لكن “كشك” أكد أن قيمة الحصة الفعلية لم تصل إلى 50 جنيهًا، وأن أقصى ما يتقاضاه معلم الحصة في أي إدارة لا يتجاوز 37 جنيهًا.
وتظل أزمة معلمي الحصة تطفو على السطح كل فترة دون حل, وتتوه مطالبهم في قررات وتغييرات من وزير إلى أخر وتبقي المشكلة حيث تواجه المدارس عجزًا لا يستهان به في حين تعتمد على مسكنات للأزمة وليس حل جذري.







