مصطفى علوان

طارق الشناوي: لا تلوموا الشباب.. المسرح فقد بريقه
بينما تواصل خشبات المسرح دورها التاريخي كأحد أهم أدوات تشكيل الوعي وبناء الهوية، تتسع الفجوة بينها وبين الجيل الجديد في مصر، جيل “زد”، الذي يُقدر تعداده بأكثر من 28 مليون نسمة، وفقًا لأحدث تقديرات عام 2026،أي نحو ربع سكان مصر، وهذه الفجوة لم تعد تُقاس بجودة النصوص أو براعة الأداء، بل بمدى قدرة المسرح على منافسة الشاشات الصغيرة التي أصبحت تشكل الوعي اليومي لهذا الجيل.

ثقافة السرعة.. تحد جديد أمام “أبو الفنون”
نشأ جيل “زد” داخل بيئة رقمية سريعة الإيقاع، حيث تُختزل التجارب في مقاطع قصيرة لا تتجاوز ثوانٍ معدودة، وهذا التحول جعل من الجلوس لساعتين أمام عرض مسرحي تجربة تبدو “ثقيلة” أو خارج نطاق اهتماماته اليومية، ومع غياب المسرح عن دوائر “الترند”، يظهر خطر حقيقي يتمثل في تراجع دوره كأحد مصادر الثقافة العميقة والوعي النقدي، لصالح محتوى تحكمه خوارزميات المنصات الرقمية.
كما أن الأرقام التي تضع “جيل زد” كأكبر فئة سكانية بمصر اليوم، تضعنا في المقابل أمام تحدٍ ثقافي مرعب وهو هل نترك هذا الجيل يغترب بعيدًا مع هويته الثقافية، أم أن المسرح المصري في 2026 أصبح مطالبًا بإعادة ابتكار نفسه ليتحدث لغة الجيل الذي لا يعترف إلا بما هو تفاعلي وسريع؟.

شباب يتحدث: “المسرح مش شبهنا”
يعكس نور، أحد شباب جيل “زد”، جانبًا من هذه الفجوة، مؤكدًا أن اهتمامه بالمسرح يكاد يكون منعدمًا بسبب غياب أعمال تقدم له قيمة فكرية أو ترفيهية حقيقية، ويستحضر “نور” زمنًا كان فيه نجوم كبار مثل عادل إمام وأحمد زكي ومحمد صبحي يوازنون بين السينما والمسرح، مما منح الأخير زخمًا جماهيريًا واسعًا، موضحًا:” إحنا والمسرح مش أصحاب، لأننا ببساطة مش شبه بعض”، في إشارة إلى وجود فجوة واضحة في اللغة والاهتمامات.

الحنين إلى الكلاسيكيات
رغم هذا العزوف، لا ينكر “نور” أن العروض الكلاسيكية القديمة ما زالت قادرة على جذبه، وهو ما يعكس مفارقة لافتة أن الجيل لا يرفض المسرح كفكرة، بل يبحث عن تجربة تحمل نفس القوة والتأثير.
وفي تصريحٍ يعكس رؤية شريحة من شباب جيل “زد” تجاه واقع المسرح، قالت شهد إن علاقتها بالمسرح تقتصر إلى حدٍ كبير على متابعتها لعروض مسرح مصر، مشيرةً إلى أنها لم تسمع بعد ذلك عن أعمال مسرحية بارزة استطاعت جذب انتباهها.
وأضافت أن ما يلفت نظرها هو تراجع اهتمام عدد كبير من الممثلين بالمسرح مقارنةً بانشغالهم بالسينما والدراما التلفزيونية، رغم أن المسرح على حد تعبيرها يظل المساحة الحقيقية التي تكشف قوة الممثل وقدراته الفنية .
وأكدت شهد أن الأعمال المسرحية تمتلك قيمة خاصة في إبراز موهبة الفنان وصقله، متسائلةً عن قدرة نجوم الوقت الحالي على تقديم عروض مسرحية ناجحة وقادرة على الاستمرار في ذاكرة الجمهور، على غرار أعمال كلاسيكية مثل العيال كبرت وأولاد السيد الشغال والزعيم، التي ما زالت تحظى بشعبية واسعة حتى اليوم.

النقاد: الأزمة في “العرض” لا في الجمهور
في هذا السياق، يرى الناقد طارق الشناوي، أنه:” لا يمكننا قراءة مشهد العزوف المسرحي لدى “جيل زد” بمعزل عن التغيرات الدراماتيكية التي أصابت بنية المسرح المصري، فبينما نشأت الأجيال السابقة في كنف عصر ذهبي كان فيه مسرح الدولة يقدم عروض ثقافية بأسعار زهيدة، والقطاع الخاص يزخر بإنتاج غزير يملأ الدنيا ضجيجًا وفنًا، جاءت أجيال الألفية الثالثة لتجد واقعًا مغايرًا؛ حيث بدأ مسرح القطاع الخاص في الاختفاء التدريجي، وتقلصت أدوار مسرح الدولة، مما قطع “حبل الوصال” الفني بين الشاب وخشبة المسرح.
وتابع “الشناوي”:” لكن إنصافًا للحقيقة، لا يقع اللوم على كاهل هذا الجيل الذي يمثل ربع سكان مصر بل على غياب “العرض المشتعل” الذي يواكب لغتهم وعصرهم، والتجربة أثبتت أن “جيل زد” ليس استثناءً أو معاديًا للثقافة الرفيعة؛ فمسرحية “الملك لير” خير شاهد، حيث حققت صدى واسعًا وجذبت جمهورًا عريضًا من مختلف الأعمار، بينهم شباب هذا الجيل، رغم أنها نص من الأدب العالمي ويُؤدى باللغة العربية الفصحى، وهذا الإقبال يؤكد فرضية واحدة قدم لي مسرحًا حقيقيًا وبأسعار معقولة”، مشيرًا إلى أن “جيل زد” متعطش للتجربة الحية والفريدة التي يقدمها المسرح، شرط أن يجد فيها نفسه، وألا تتحول تذكرة الدخول إلى عبء مادي يفوق طاقة جيل يبحث عن هويته بين التراث والحداثة.





