
تشهد جنوب السودان واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية منذ توقيع اتفاقية السلام المنشطة لعام 2018، في ظل قرارات واسعة اتخذها الرئيس سلفاكير ميارديت شملت إقالات مفاجئة داخل الحكومة والحزب الحاكم والأجهزة الأمنية، بالتوازي مع تعثر تعديل اتفاق السلام وتصاعد العنف الميداني.
هذه التطورات لا يمكن فصلها عن بعضها، بل تعكس محاولة متسارعة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة في لحظة تتزايد فيها الضغوط الداخلية والخارجية، ويقترب فيها استحقاق انتخابي مؤجل منذ سنوات.
إقصاء مفاجئ لشخصيات صاعدة: نهاية الخليفة المحتمل
أبرز قرارات الرئيس سلفاكير ميارديت، تمثلت في الإطاحة بشخصيات كانت تعد من أعمدة النظام، وعلى رأسهم وزير الخارجية بول ميل، الذي كان ينظر إليه كخليفة محتمل للرئيس، فـ”ميل” الذي صعد بسرعة لافتة من عالم الأعمال إلى قلب السلطة، وتدرج من مستشار اقتصادي إلى نائب رفيع داخل الحزب الحاكم، وجد نفسه فجأة خارج المشهد بعد تجريده من مناصبه وخفض رتبته العسكرية.
هذا القرار لا يبدو إداريًا بقدر ما يحمل أبعادًا سياسية عميقة، إذ يشير إلى حساسية ملف الخلافة داخل النظام، ورفض سلفاكير بروز مراكز قوة قد تنافسه مستقبلًا، خاصة أن سلفاكير، لوح باستخدام نص قانوني في الدستور الجنوب أفريقي، يسمح بتوقيف المشتبه بهم في جرائم ضد الدولة، ليقطع الطريق على ميل.
الإقالات لم تتوقف عند وزير الحارجية، بل شملت الأمين العام للحزب الحاكم، ومحافظ البنك المركزي، ورئيس هيئة الإيرادات، ما يؤكد أن ما يجري هو إعادة هيكلة شاملة للنخبة الحاكمة، تستهدف إحكام السيطرة على مفاصل الدولة في جنوب السودان السياسية والاقتصادية.
الخارجية والأمن : إعادة ضبط أدوات الحكم
واعتبرت وسائل إعلام من جنوب السودان أن التغييرات جاءت بهدف تحسين الأداء، فإقالة وزير الخارجية وتعيين شخصية موالية وذات خبرة، تعكس الرغبة في تحسين الأداء الدبلوماسي، خاصة مع الولايات المتحدة لأمريكية، خاصة أن مع واشنطن ظلت معقدة، في ظل العقوبات المفروضة على شخصيات نافذة مثل بول ميل منذ الولاية الأولى لدونالد ترامب، والتي تم تجديدها مؤخرا.
أما على المستوى الأمني، فإن إعادة تشكيل جهاز الأمن الداخلي تعكس توجهًا نحو تشديد القبضة الأمنية، في ظل تصاعد المخاوف من تدهور الوضع الداخلي، فالأجهزة الأمنية في جنوب السودان تلعب دورًا محوريًا في استقرار النظام، لكنها أيضًا محل انتقادات واسعة بسبب الانتهاكات.
اتفاق السلام تحت الضغط
بالتوازي مع هذه التغييرات في الدولة، يبرز تعثر مناقشة التعديلات المقترحة على اتفاق السلام الموقع في 2018 بين سيلفا كير، والمعارض رياك مشار والذي نتج عنه وقف القتال، لكن هذا الاتفاق تم وقف تنفيذه من قبل مجلس النواب، مما يهدد بعودة الاضطرابات مرة أخرى مع جبهة مشار .
وترى حكومة جنوب السودان، أن إدخال تعديلات على اتفاق السلام يعد خطوة ضرورية لتهيئة المناخ السياسي لإجراءات الانتخابات المقرر في عام 2026، في حين تنظر المعارضة إلى هذه التعديلات باعتبارها محاولة للالتفاف على بنود الاتفاق.
ويزداد المشهد تعقيدًا في ظل غياب أحد أبرز أطراف الاتفاق، وهو رياك مشار زعيم المعارضة بالدولة، الذي يواجه حاليًا اتهامات بالخيانة ويخضع للاحتجاز، الأمر الذي يضعف من شرعية أي تعديلات مطروحة، ويعزز المخاوف من احتمالات تآكل التوافق السياسي الذي أنهى الحرب الأهلية.
تصعيد ميداني ينذر بالأسوأ
على الأرض، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا ، فالمواجهات بين القوات الحكومية ومليشيات مرتبطة بالمعارضة تتصاعد خاصة في ولاية جونقلي، مع تقارير دولية تفيد بسقوط مئات القتلى ونزوح أكثر من 180 ألف شخص.
وفي وقت سابق حذر فولكر تورك المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، بانهيار اتفاق السلام بجنوب السودان، واحتمالية عودة الحرب الأهلية، مؤكدًا بوجود تقارير أممية وثقت انتهاكات جسيمة، بما في ذلك استهداف مدنيين وهجمات عشوائية.
وأضاف تورك في بيان صحفي ، أن الوضع الإنساني في جوبا يزداد سوءاً، مع انتشار الجوع الذي يطال نحو 7.7 مليون شخص، ونقص حاد في الخدمات الصحية، في ظل صعوبة وصول المساعدات إلى مناطق القتال.
قراءة في المشهد: تثبيت السلطة أم إدارة أزمة؟
وتشير محللون أن التغييرات اليت ييقوم بها سلفاكير يسعى من خلالها تحقيق هدفين متوازيين، الأول إعادة إحكام السيطرة على النظام من خلال إقصاء المنافسين وتعزيز الولاء داخل مؤسسات الدولة، وثانيا إدارة مرحلة انتقالية مضطربة تتسم بتحديات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة.
لكن تحمل هذه التغييارت مخاطر واضحة، فإقصاء شخصيات مؤثرة، وتهميش المعارضة، والضغط على اتفاق السلام، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها توسيع دائرة الصراع.، وللك يقف جنوب السودان، اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما التوجه نحو استقرار تدريجي قائم على إصلاحات سياسية شاملة تحافظ على اتفاق السلام، أو الانزلاق مجددًا إلى دوامة العنف، وهو أمر مرهونًا بقدرة النظام على إدارة معادلة معقدة تجمع بين الأمن والسياسة، وبين إحكام السيطرة والانفتاح السياسي.





