
بين قبة البرلمان ومسؤوليات البيت والحياة الأسرية، تبدو المعادلة مستحيلة في نظر كثيرين، خاصة عندما تكون البطلة امرأة، لكن تجارب برلمانيات مصريات تكشف أن الواقع قد يكون أكثر توازنًا مما يعتقده البعض، حيث لم يقف العمل النيابي حائلًا أمام أدوارهن الأسرية، بل سار جنبًا إلى جنب معها.
وفي مقابل المثل الشعبي الشائع الست مالهاش إلا بيت جوزها، تطرح هذه التجارب واقعًا مختلفًا، حيث نجحت سيدات في كسر هذه الصورة النمطية ليس بالشعارات، بل بتجارب عملية استطعن من خلالها تحقيق توازن فعلي بين الحياة الأسرية والعمل النيابي.
وتؤكد هذه النماذج أن المرأة المصرية تظهر في البرلمان، والتي تظره فيه نماذج من نائبات جمعوا بين عملهم النيابي وأدوارهم في الأسرة وتحمل أعباء الأسرية والقدرة على التوفيق بين أدوار متعددة، دون أن يكون ذلك على حساب أيٍ منها.
من قبة البرلمان إلى غرفة الولادة

تطرح النائبة في البرلمان الحالي، نشوى الشريف تجربتها في البرلمان ومسؤوليتها الأسرية، فتقول “دخلت مجلس النواب لأداء اليمين الدستورية في أول دورة لي في 2021 كنت حامل في ابنتي الكبرى، وكان متبقي على موعد الوضع أيام قليلة وبالفعل وضعت بعد فترة وجيزة وبعد ثلاثة أيام فقط من الولادة عدت لممارسة عملي داخل المجلس.”
وتابعت كنت حريصة على كسر أي تصور نمطي بأن النائبة الحامل ستتغيب أو تحصل بالضرورة على إجازة وضع، لذلك واصلت أداء مهامي، و حاولت التوفيق بين عملي النيابي ورعاية طفلتي، بل وكنت أصطحبها معي في العديد من الزيارات الميدانية، وبعد عامين، تكررت التجربة مع ابني “أحمد”، حيث حملت وأنجبت دون الحصول أيضًا على إجازة وضع.
وأشارت إلى أنه رغم إتاحة فرصة الحصول على إجازة الوضع والتي تُعد حالة استثنائية ومنظمة قانونًا، ولا تُحتسب ضمن نسب الغياب المقررة، سواء داخل مجلس النواب أو في أي جهة عمل أخرى، ولا يوجد تعارض بين الالتزام بالحضور والاستفادة من هذا الحق، إلا أنها أصرت على أداء دورها النيابي، دون أن يكون ذلك على حساب مسؤولياتها الأسرية.
تحقيق التوازن
وأكدت أنها تحرص على تحقيق توازن دقيق بين مسؤولياتها الأسرية ودوري النيابي، قائلة “رغم أن هذا التوازن كان يأتي أحيانًا على حساب راحتها الشخصية، إذ كان الهدف الأساسي هو عدم التقصير في أي من الجانبين، وبالفعل لم يؤثر ذلك على مستوى أدائي أو تواصلي مع المواطنين، بل على العكس، ربما منحني ذلك بعدًا إنسانيًا أعمق في التعامل مع قضايا الناس، خاصة القضايا المرتبطة بالمرأة والأسرة”.
حلم الارتباط.. بين التحدي ونظرة المجتع

وإذا كانت تجربة النائبة نشوى الشريف تجسد نموذجًا للأمومة داخل قبة البرلمان، فإن تجربة النائبة السابقة الدكتورة جهاد إبراهيم تفتح زاوية أخرى لا تقل خصوصية، حيث تتقاطع الأمومة مع تحديات مختلفة لصاحبة كواحدة من ذوات الهمم داخل نفس المؤسسة التشريعية، لتتشكل قصتان تعيدان تعريف حضور المرأة في الحياة السياسية.
وتحكي الدكتورة جهاد إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس وعضو مجلس النواب السابق: كان حلم الارتباط والزواج بالنسبة لي كإحدى ذوات الهمم، من الأحلام التي بدت صعبة في نظر المجتمع، والذي اعتاد طرح تساؤلات حول إمكانية تقبّل فتاة تستخدم كرسيًا متحركًا كشريكة حياة، إلا أنني تمسكت بحلمي، وسعيت بإصرار إلى تقبّل ذاتي وحبها، حتى التقيت بشخص أحبني كما أنا، فارتبطنا وتزوجنا.
عروس البرلمان

وتضيف: مثّلت فترة حملي لحظة انتصار حقيقية، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل أيضًا في مواجهة نظرة مجتمعية كانت تشكك في قدرتي على أن أكون أمًا وأعيش حياة طبيعية، وقد تزامنت فترة خطوبتي وبداية زواجي مع انطلاقتي في العمل البرلماني، حتى أطلق عليّ البعض لقب “عروس البرلمان”، وجاء حملي متزامنًا مع أدائي اليمين الدستورية تحت قبة البرلمان، فكانت تلك لحظة استثنائية جمعت بين بدايات متعددة: بداية حياتي الزوجية، وخطوتي الأولى في العمل النيابي، وتجربتي الأولى في الأمومة، وهو ما منحني شعورًا عميقًا بالانتصار.
وتواصل حديثها: لم أفكر يومًا في الحصول على إجازة خارج إطار عملي في مجلس النواب، إذ كنت أتعامل مع العمل البرلماني باعتباره مهمة وطنية ومسؤولية مستمرة، لذلك لم يكن موضوع الإجازة حاضرًا في ذهني، باستثناء فترة قصيرة للغاية لم تتجاوز أسبوعين خلال وضعي، وبعدها عدت سريعًا إلى ممارسة مهامي، بل وشاركت في احتفالية مرور 150 عامًا على الحياة النيابية في مصر بمدينة شرم الشيخ، رغم أن طفلتي “كرمة” لم تكن قد تجاوزت واحدًا وعشرين يومًا، حيث سافرت بها للمشاركة في هذا الحدث الوطني المهم.
أمومة لا تعرف الإجازة
وتشير إلى حقوقها من الناحية القانونية “منحني الدستور الحق في التفرغ الكامل للعمل النيابي، فبصفتي عضو هيئة تدريس بالجامعة، كنت في إجازة عمل مخصصة للعمل البرلماني، مع احتفاظي بكافة حقوقي الأكاديمية، بما في ذلك الترقيات، وقد حصلت بالفعل على درجاتي العلمية وترقياتي خلال فترة وجودي في البرلمان، دون أن يتأثر مساري المهني، ولم أتعامل مع فترة الولادة باعتبارها إجازة تقليدية، بل واصلت حضوري ومشاركتي في الجلسات، وكان ذلك مصدر فخر كبير لي، وقد وجدت دعمًا حقيقيًا من زملائي النواب، الذين تعاملوا مع طفلتي بمحبة واضحة حتى شعرت وكأنهم يشاركونني مسؤولية رعايتها.

الرئيس السيسي في لقطة إنسانية مع طفلة النائبة السابقة جهاد إبراهيم
وتوضح الدكتور جهاد إبراهيم تفاصيل يومها داخل المجلس: “كنت اتنقل بين القاعة الرئيسية لمجلس النواب واستراحة النائبات، حيث كان يتوافر بث مباشر للجلسات، فعندما تكون مع طفلتها في الاستراحة، كانت تتابع الجلسة من خلال البث، ثم تستغل فترات الاستراحة القصيرة للاطمئنان عليها أو إرضاعها، ثم تعود بعدها لاستكمال حضورها، مستعينة بمرافقة دائمة كانت تعتني بطفلتي أثناء انشغالي”.
وتؤكد بشأن اجتماعات اللجان: “كانت أكثر مرونة، إذ كان يتوافر مكان مناسب لوجود طفلها، وكانت أشارك بشكل طبيعي في المناقشات المتعلقة بطلبات الإحاطة أو البيانات العامة، وعلى الرغم من وجود بعض الترتيبات الخاصة بالعاملين في الأمانة العامة لرعاية الأطفال، فإن تجربة اصطحاب طفل داخل المجلس كنائبة كانت شبه فريدة، ولم يكن هناك نموذج سابق مماثل”، على حد وصفها.
كما تؤكد “كان وجود كرمة معي مصدر قوة حقيقية، يمنحني طمأنينة وثقة، ولم أشعر يومًا بأنه عبء أو عائق، على العكس كان دافعًا للاستمرار وبذل المزيد من الجهد، وقد كان من الواضح للجميع، من نواب ووزراء، أن طفلتي ترافقني في مختلف مهامي، حتى أصبح ذلك أمرًا معتادًا.
وتلفت إلى أن اصطحاب طفلتها لم يكن خيارًا يمكن التنازل عنه، بل كان قرارًا نابعًا من قناعة راسخة بعدم تركها في أي مكان آخر خلال سنواتها الأولى، واستمر هذا النمط حتى بلغت عامين، حيث التحقت بالحضانة لأول مرة، بعد أن كانت ترافقني في كل تفاصيل حياتي اليومية.
تحت الضوء الإعلامي

وتوضح أن هذه التجربة حظيت باهتمام إعلامي: “حيث تناولتها الصحف والبرامج بوصفها حالة مميزة، خاصة مع وجود صور لي داخل القاعة وأثناء اجتماعات اللجان برفقة طفلتي، مع إشارة البعض إلى أن مثل هذه الممارسات تُرى في بعض الدول الغربية، إلا أنها أكدت أن ما قمت به لم يكن تقليدًا لأي نموذج، بل تجربة طبيعية فرضتها ظروفي وقناعاتي”.
وتضيف أن اللائحة الداخلية لمجلس النواب كانت عادلة إلى حد كبير، إذ منحتني كامل حقوقي، ومكّنتني من التوفيق بين دوري البرلماني ودوري كأم دون الحاجة إلى استثناءات خاصة، ولم أجد فيها ما يعيق حضوري أو مشاركتي، بل على العكس، وفّرت لي إطارًا داعمًا ساعدني على أداء مهامي بكفاءة.
مرحلة استثنائية
وتختتم حديثها: أستطيع القول إن تلك المرحلة كانت من أعظم فترات حياتي، جمعت فيها بين النجاح المهني والرضا الشخصي، واستطعت خلالها أن أؤدي دوري النيابي، وفي الوقت ذاته أربي طفلتي تربية أعتز بها، وأنا ممتنة لهذه التجربة التي شكّلت جزءًا مهمًا من مسيرتي.







