
تعيش مالي هجمات عسكرية هى الأكبر والأعنف في العقد الأخير من عمر البلاد، فعلى دوي الرصاص والتفجيرات بالتزامن في كل من كيدال، جاو، سيفاري، ومناطق عديدة في باماكو، والتي نتج عنها اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، المقرب من روسيا، في عملية مشتركة بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، و”جبهة تحرير أزواد” ضد نظام بقيادة رئيس المجلس العسكري الحاكم الجنرال أسيمي جويتا.
وتشهد مالي منذ أكثر من عشر سنوات أزمة أمنية، لكن هجمات أمس تعد غير مسبوقة، على الأقل منذ تولي المجلس العسكري الحكم في عام 2020، وتهدف الهجمات في مالي إلى إنهاك السلطات، وخلق حالة من الإحباط بين المواطنين للاحتجاج ضد المجلس العسكري الحاكم، فيما راجت تقارير روسية وغربية عن وجود دعم للجماعات المسلحة في مالي من قبل أوكرانيا، في ظل حرب الظل بينها وبين روسيا.

روسيا والوجود في مالي
تواجه روسيا تساؤلات بشأن شراكاتها الدفاعية في دول منطقة الساحل، وذلك عقب تقارير تفيد بانسحاب القوات الروسية من مدينة كيدال شمال مالي، وأكد الفليق الأفريقي الروسي “مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة سابقًا” انسحابه من كيدال وفق قرار مشترك مع الحكومة المالية، ثم عاد يوم الأحد معلنًا إعادة سيطرته على المدينة الاستراتيجية مرة أخرى.
وعلى غرار علاقات النيجر وبوركينا فاسو، اتجهت مالي إلي قطع علاقاتها مع فرنسا والتوجه نحو التعزيز السياسي والعسكري مع روسيا، إلا أن مجموعة فاغنر التي بدأت القتال إلى جانب القوات المالية في 2021، أعلنت إنهاء مهمتها في 2025، ليحل محلها الفليق الأفريقي الخاضع لوزارة الدفاع الروسية، وزعمت قوات الفليق الأفريقي أن المقاتلين الذي شنوا الهجوم على على باماكو قد تلقوا تدريب على يد مرتزقة أوكرانيين وأوروبيين.
وتسعى روسيا إلى استخدام قوات فاغنر سابقًا والفليق الأفريقي حاليًا كأداة للتأثير على الحكومات الأفريقية، فالمقاتلين الروس يتواجودن في جمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، أما في النيجر وبوركينا فاسو فدور الفليق الأفريقي إشرافي أكثر.
وفقد الفليق الأفريقي مصداقيته بعد الانسحاب دون أدنى مقاومة من مدينة كيدال، ومحاولة عودته مرة أخرى، لذا فمن غير الواضح ما الموقع الذي سيحاول الروس حمايته، ما يعني أن روسيا ستواجه صعوبة في جذب عملاء جدد للفليق الأفريقي لأنهم لم يقوموا بعملهم المنوط بهم.

أوكرانيا ومحاولات ضرب النفوذ الروسي
دخلت أوكرانيا على الساحة رسميًا في العام 2024 من خلال أعلنها رسميًا عن الوقوف في صف الانفصاليين الطوارق وأعضاء جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم القاعدة في تنفيذ عملية شمال مالي، والتي أدت إلى مقتل العديد من الجنود الماليين ومسلحين من مجموعة فاجنر الروسية.
وصرح ممثل الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه يوسوف، إن المتمردين تلقوا المعلومات الاستخباراتية الضرورية التي مكنت من القيام بعملية ناجحة ضد من سماهم “مجرمي الحرب الروس”، ونشرت سفارة أوكرانيا في دكار مقطع فيديو يؤكد أن الطوارق حصلوا على صور وخرائط دقيقة لتحركات القوات الحكومية ومسلحي فاجنر عبر الأقمار الاصطناعية.
وعلى إثر تلك التصريحات أعلنت الحكومة الانتقالية في مالي قطع العلاقات الدبلوماسية فورًا مع أوكرانيا، معتبرة أن الأخيرة اختارت دعم الإرهاب بشكل متعمد، ودعت المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، ورأت أن هذا العدوان جزء من نمط أوسع لبعض الجهات الفاعلة التي تدعم الجماعات الإرهابية المسلحة والمتحالفة مع المتمردين، لأغراض الهيمنة والاستعمار الجديد.
ولا يمكن للدور الأوكراني أن يكون بهذا التأثير من دون سند أوروبي، وخاصة باريس التي تتقدم على صعيدين من خلال دعم كييف في مواجهة موسكو، ودعم كل طرف يمكن أن يتحدى النظام العسكري في مالي وحلفاءه الذين أطاحوا بالدور الفرنسي في مستعمراتها السابقة.

دبلوماسية الصمت الفرنسية والتداعيات الإقليمية
تبحث فرنسا التي انسحبت من مالي في العام 2022 عن موطئ قدم لها من خلال سقوط المجلس العسكري حاليًا، لكم ليس من خلال جماعات إسلامية، وقد انسحبت فرنسا من مالي على خلفية توترات بين باريس والمجلس العسكري، في خروج أنهي مهمتها بعد تواجد استمر لتسعة أعوام، ما جعل من صمت فرنسا حول الهجمات يبدو منطقياً نتيجة التوترات بين البلدين.
وقد أصدرت الخارجية الفرنسية بيان مقتضب تضمن “قلقًا وتضامنًا مع الماليين” ، حيث بدا أن الخطاب موجه للشعب المالي وليس للحكومة ما يركز على القطيعة السائدة على المستوى الرسمي.
وفي يناير الماضي أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الأجهزة الفرنسية تقوم بالتنسيق وتزويد الجيش الأوكراني بالمعلومات اللازمة لتخطيط الضربات والدفاع، مضيفًا أن فرنسا توفر المستوى الثاني من خدمات الاستخبارات بعد الولايات المتحدة.
وتمتد تداعيات ما يحدث في مالي إلى كامل المنطقة الأفريقية، خصوصًا جنوب ليبيا وتشاد وشرق أفريقيا من خلال حركة الشباب في الصومال، كما ستمتد إلى شمال أفريقيا ومنه إلى أوروبا في حركة موجات الهجرة.

تحالفات الضرورة وسياسة الاختناق البطئ
اعتمدت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة على إغلاق الطرق واستهداف القوافل ومحاصرة المدن وقطع وسائل الإمداد، حيث خطط التنظيم لإنهاك السلطة الحاكمة اقتصاديًا واجتماعيًا قبل الوصول إلى المرحلة العسكرية، ما يعد تطبيق لسياسة الاختناق البطئ.
وكما يبدو التنسيق أنه لافت للنظر، إلا أنه لم يكن ارتجاليًا ولا أيديولوجيًا، وإنما مر بمراحل متعددة، تقوم على عبور الحدود والارتباط بعدو مشترك وهو المجلس العسكري وروسيا، لذا فهو تحالف الضرورة، وهو ما يمكن رده إلى العام 2012، حيث سيطرت جماعة “أنصار الدين” -التي شكلت مع جماعات لاحقًا جماعة نصرة الإسلام والمسلمين- مع “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” -تمثل الطوارق وهي المكون الرئيسي ضمن جبهة تحرير أزواد- على أقاليم كبرى في شمالي مالي.
ويأتي التقارب بين الأطراف المختلفة أيديولوجيًا من منطلق عدم قدرة أحد الأطراف على الانتصار منفردًا، ما استلزم الحاجة إلى تحالف.
السرعة تحكم التحالفات والتفككات
تتحكم المصالح المتغيرة عملية التحالفات في مالي، فعندما تفكك اتفاق الجزائر في العام 2015، بين الحكومة المركزية في باماكو والانفصاليين الأزواد والتنظيمات المتشددة، ورحيل القوات الفرنسية بعدها، ساهمت تلك العوامل في منح الحركات الانفصالية والتنظيمات المتطرفة المجال لإعادة ترتيب صفوفها وتشكيل التحالفات رغم التناقضات الأيديولوجية، لذا فالتحالف القائم الآن لا يعكس سوى الحاجة الملحة له وليس تحالف استراتيجي قائم على مشروع سياسي أو رؤية موحدة.
كما أن الجماعات المسلحة تتحرك وفق أجندتها الخاصة، فكل منها يسعى إلى توسيع نطاق نفوذها وفرض واقعها في الميدان بالقوة خارج قوة الدولة، فالحركات الأزوادية توزع مجالات الأنشطة بين الوسط والجنوب، بينما تنشط جماعات في الشمال.

التحرك الجديد
جاء الهجوم الجديد في إطار استراتيجية عسكرية قامت على حصار المدن الكبرى وخطوط الإمداد والنقاط الرئيسية التى تصل منها المواد الأساسية والطاقة إلى العاصمة باماكو، من خلال الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، على المدن والتى كانت تبدو كأنها محصنة، ما يجعل هذه الهجمات بالغة الخطورة على مستوى التكتيك والنتائج والتفاعل القائم بين الجماعات.
كما يعد حجم الهجوم كتحول نوهي في مسار الصراع، لأنه ليس علمية روتينية أو ضربة محدودة، بل يندرج ضمن أكبر الهجمات التي شهدتها مالي منذ العام 2012، ما يعكس القدرة على التنفيذ في بيئة معقدة، كما أن الشخصيات البارزة التي سقطت في القتال تعزز فرضية أن الهجوم لم يكن عملية ضغط ميداني بل يهدف إلى إحداث تغيير ملموس في ميزان السيطرة على الأرض.
كما أن تغيير النمط من حرب الاستنزاف التى تعتمد على الضربات المتفرقة طويلة الأمد إلى حرب الاختراق الاستراتيجي، ما يؤدي إلى إرباك بنية الدولة وإضعاف قدرتها على التحكم في المجال الوطني.
تهديد باماكو
ما بين التهويل والتقليل يمكن القول أن العاصمة تواجه تهديدًا حقيقيًا، لكن هذا التهديد لا يرقي حاليًا إلى مستوى السقوط الفوري، بل يعني حجم المخاطر التي طالت مركز الدولة، فالهجوم على العاصمة باماكو يحمل دلالة أمنية ورمزية عميقة، فهو يكسر الصورة النمطية التقليدية التي تقضي باعتبار العاصمة منطقة محصنة آمنة، وهو ما يمس بهيبة الدولة، وكذلك حول قدرة الجماعات المسلحة على الوصول إلى قلب سيادة الدولة.
إلا أن المسار الأعمق يكمن في المسار الأعمق في التأكل التدريجي لقدرة الدولة على فرض سيطرتهاعلى ما خارج العاصمة، حيث تتوسع الجماعات المسلحة ويزداد نفوذها في الأطراف، وهو السيناريو الذي أثبت فعاليته، حيث أن الهجوم المباشر أفضل.
كما أن اغتيال وزير الدفاع يعد مسألة حرجة، لأن ذلك الرجل كان أكثر مهندسي النظام هدوءاً وأكثرهم استراتيجية، والذي تمكن من بناء جيش ليصبح الأقوى بعد نيجيريا في المنطقة بحسب موقع جلوبال فايرباور.
هل هذا يُعني استمرار التحالف بين الجماعات المسلحة؟
تعاني التحالفات بين الجماعات داخل مالي من تناقضات أيديولوجية، مع غياب مشروع سياسي قابل للتطبيق، ما يحد من قدرتها على الاستدامة كحركة، فالحركات الأزوادية تمتلك عمق محلي ذا بعد سياسي وجغرافي ما يمنحها القدرة على الاندماج ضمن مسارات التسوية إذ ما وجدت الشروط المناسبة لها.
لا يمكن قراءة المشهد في مالي كخيارات منفصلة، بل كمسارات محتملة وفق توازنات القوة على الأر، وهمو ما يضع عدة سيناريوهات منها:

استمرار التصعيد
يقوم هذا السيناريو على استمرارية التصعيد، أي بقاء الوضع على ما هو عليه مع غياب تسوية سياسية شاملة، ما يُعني هجمات متكررة مع تزايد الوتيرة، والتوسع التدريجي في رقعة السيطرة من قبل الجماعات المسلحة، والحركات الأزوادية، مع الاقتراب النسبي من محيط العاصمة بهدف إستدامة الضغط واستنزاف الدولة، وليس السيطرة المباشرة.
سيناريو التقسيم
هو السيناريو الأخطر، حيث تتشكل خريطة النفوذ من خلال التوزيع الجغرافي للقوة، حيث يخضع الشمال للحركات الأزوادية، بينما تسيطر الجماعات المسلحة على الوسط، وفي الجنوب تسيطر مؤسسات الدولة، وقد يكون ذلك السيناريو غير رسمي إلا أنه سيفرض نفسه واقعياً ما سيؤدي إلى التفكك التدريجي للدولة.
سيناريو إعادة الدولة
هو سيناريو إعادة الضبط من خلال تشابك المصالح بين القوى الإقليمية والدولية في منطقة الساحل، حيث قد يأتي تدخل من قبل القوي الخارجية أما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالدعم العسكري أو الاستخبارات، وإعادة ترتيب التحالفات القائمة، في سعى نحو احتواء الانفلات ومنع انهيار الدولة عبر المسار السياسي تحت ضغط دولي.
المسار السياسي
هو السيناريو الأكثر تعقيدًا واستدامةً، والذي يعتمد على اتفاقية الجزائر كإطار مرجعي للتسوية، والعمل على دمج الحركات الأزوادية مقابل عزل الجماعات الإرهابية وتجريدها من أي غطاء سياسي، وهو مسار يتطلب تكاتف كافة أطراف الدولة بجانب ضمانات حقيقية من القوى الإقليمية والدولية.
إن ما يحدث في مالي يثبت أن القرار المستقل والموقف السيادي لا يتحققان من دون قوة حقيقية تحميهما من أحلام التوسع وفرض الأجندات، كما يثبت أن الدول والحكومات التي تندد بالإرهاب وتزعم محاربته لا ترى مانعًا من التحالف معه وتمكينه من المال والسلاح والتقنيات الحديثة طالما أن أهدافها لا تتقاطع مع أهدافه.





