كيس “فول ورغيفين” يفضحان أزمة التغذية المدرسية في مصر

صورة مخلقة بالذكاء الاصطناعي


لم تكن واقعة “كيس الفول” التي ارتبطت باسم الطالبة رقية مجرد حادثة عابرة داخل أسوار مدرسة، بل تحولت إلى جرس إنذار أعاد فتح ملف التغذية المدرسية في مصر بكل ما يحمله من تساؤلات مؤجلة. فبين وجبة يُفترض أن تحمي صحة الطلاب، وواقع يثير القلق حول جودتها وسلامتها، تكشف الأزمة عن خلل أعمق يتجاوز واقعة فردية إلى إشكالية منظومة كاملة.

القضية لم تتوقف عند حدود الواقعة نفسها، بل أثارت نقاشًا واسعًا حول معايير إعداد وتوزيع الوجبات، وآليات الرقابة عليها، ومدى كفاءة الجهات المسؤولة عن تنفيذ هذا البرنامج الحيوي، ومع تكرار شكاوى أولياء الأمور في فترات مختلفة، تبدو الحادثة كجزء من سياق أوسع يعكس تحديات مستمرة تواجه واحدة من أهم أدوات الدعم التعليمي والصحي في المدارس.

ومن هنا، تطرح أزمة “كيس الفول” سؤالًا أكثر عمقًا: هل المشكلة في جودة وجبة بعينها، أم في غياب رؤية متكاملة لإدارة منظومة التغذية المدرسية؟ هذا ما تحاول الدراسة الإجابة عنه، من خلال قراءة شاملة لواقع هذه المنظومة، وتحليل أوجه القصور فيها، وصولًا إلى ملامح الإصلاح الممكن.

شبهات فساد وإهدار مال عام
النائب أحمد بلال البرلسي، تقدم بطلب إحاطة إلى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ومحمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بشأن ما وصفه بـ “شبهات فساد وإهدار مال عام في منظومة التغذية المدرسية”.

وجاء طلب الإحاطة على خلفية واقعة الطالبة رقية بعد تعرضها لموقف محرج بعد أن طُلب منها إظهار طعامها أمام زميلاتها، والذي كان عبارة عن رغيفين وكيس فول؛ ما أثار حالة من الجدل حول كفاءة منظومة التغذية المدرسية.

وأوضح النائب أن الواقعة لا يمكن التعامل معها كحادث فردي، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بمدى وصول الوجبات المدرسية إلى مستحقيها، رغم إعلان الحكومة تخصيص نحو 7 مليارات جنيه سنويًا لتوفير ما يقرب من 660 مليون وجبة يستفيد منها حوالي 19.5 مليون طالب.

وتساءل البرلسي عن أسباب لجوء بعض الطلاب إلى إحضار طعامهم من المنزل، في ظل وجود برنامج للتغذية المدرسية، مشيرًا إلى أن العديد من أولياء الأمور لا يلمسون أثرًا فعليًا لهذه المنظومة داخل المدارس.

وأكد أن الهدف من التغذية المدرسية هو دعم صحة الطلاب وتخفيف الأعباء عن الأسر، إلى جانب تقليل معدلات التسرب وتحسين مستوى التحصيل الدراسي، مطالبًا بفتح تحقيق شامل في كفاءة المنظومة وآليات توزيع الوجبات.

بلال اعتبر في تصريحاته لـ”ليبرالي” أن مايحدث في ملف التغذية فساد لأن هذه الخصصات المالية تعتبر جزء من الموازنة العامة للدولة، وتعجب النائب من عدم تجاوب الحكومة وتجاهلها لطلبة قائلا “محدش تواصل معايا من وزارة التربية والتعليم ولا رد على طلب الاحاطة”.

تعزيز الشراكة للتغذية المدرسية
في فبراير الماضي التقى  محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، السيدة رواد حلبي، الممثلة المقيمة ومدير مكتب برنامج الأغذية العالمي في مصر، والوفد المرافق لها، وذلك لمناقشة سبل تعزيز التعاون وتوسيع نطاق الشراكة في مجال برامج التغذية المدرسية، ودعم الجهود الرامية إلى تحسين جودة العملية التعليمية، خاصة في المناطق الأكثر احتياجًا.

اجتماع وزير التربية والتعليم والتعليم الفني مع السيدة رواد حلبي

وكشف بيان رسمي صادر عن الوزارة أن عبد اللطيف أكد أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا بالغًا ببرامج التغذية المدرسية باعتبارها أحد المحاور الأساسية لتحسين البنية الصحية للطلاب، وتعزيز تحصيلهم الدراسي، والحد من التسرب من التعليم، مشيرًا إلى أن الوزارة تسعى إلى إتاحة وجبة مدرسية لكل طالب، وقد تم دراسة هذا التوجه بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي في إطار العمل تحت مظلة التنمية البشرية، حيث جرى إطلاق مبادرة بالتعاون مع بنك الطعام المصري لدراسة آليات التنفيذ، خاصة في المناطق الأكثر احتياجًا بما يسهم في دعم الأسر اقتصاديًا إلى جانب خدمة العملية التعليمية.

وأشار الوزير إلى النموذج الذي تم تنفيذه بمحافظة الفيوم، من إتاحة وجبات مدرسية للطلاب بالتعاون مع بنك الطعام المصري، مؤكدًا أن التجربة حققت نجاحًا ملحوظًا وكان لها أثر إيجابي مباشر على انتظام الطلاب في الحضور، مشيرا إلى حرص الوزارة على تعميم التجربة في مختلف محافظات الجمهورية وفقا لآليات وممارسات محددة، ومشددًا على أن توفير وجبة مدرسية يعد أحد الحلول الجوهرية للحد من التسرب من التعليم.

وأوضح أن الوزارة تسعى إلى توسيع نطاق التعاون مع منظمات المجتمع المدني، إلى جانب جذب القطاع الخاص للمشاركة في دعم منظومة التغذية المدرسية، مؤكدًا أهمية الاستفادة من خبرات برنامج الأغذية العالمي في هذا المجال، لا سيما في ما يتعلق بالدور الإشرافي بالتعاون مع الوزارة، ونقل التجارب الدولية الناجحة، خاصة في نماذج المطابخ المركزية التي تم تطبيقها في دول مماثلة.

كما أكد الوزير على أهمية التعاون المشترك في إعداد خطة شاملة تتضمن الجوانب التشغيلية واللوجستية المرتبطة كشفت دراسة حديثة بعنوان «منظومة التغذية المدرسية في مصر» عن أهمية هذا القطاع الحيوي في دعم العملية التعليمية وتحسين صحة الطلاب، في مقابل مجموعة من التحديات الهيكلية والتنظيمية التي تحد من فاعليته، وتمنع تحقيق أقصى استفادة منه.

ازدواجية نظام التغذية في مصر
أكدت دراسة صادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمركز الوزراء أن برامج التغذية المدرسية تمثل أحد أهم أدوات الدعم الاجتماعي، حيث تسهم في: زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس، تحسين نسب الحضور والانتظام، رفع مستوى التحصيل الدراسي، خاصة بين الفتيات وتقديم دعم غير مباشر للأسر الفقيرة.

كما تلعب دورًا صحيًا مهمًا من خلال مكافحة سوء التغذية، وتوفير عناصر غذائية أساسية مثل الحديد والفيتامينات، ما ينعكس إيجابيًا على نمو الأطفال وقدرتهم على التعلم.

رصدت الدراسة الصادرة عام 2014 وجود نظامين منفصلين للتغذية المدرسية في مصر: نظام تابع لوزارة التربية والتعليم، نظام تابع للأزهر الشريف، ويعتمد كل نظام على فلسفة مختلفة في التطبيق، حيث يركز التعليم العام على الاستهداف الجغرافي للمناطق الأكثر احتياجًا، بينما يتبنى الأزهر سياسة التغطية الشاملة لجميع طلابه.

وترى الدراسة أن هذا الانفصال يعكس غياب التنسيق المؤسسي، ويؤدي إلى تفاوت في الاستفادة، فضلًا عن عدم وجود إطار موحد يحكم المنظومة.

تحديات رئيسية تواجه التطبيق
حددت الدراسة عددًا من المشكلات التي تعوق فاعلية برامج التغذية المدرسية في مصر، من أبرزها: غياب استراتيجية قومية واضحة، ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، عدم وجود تشريع شامل ينظم المنظومة، تفاوت جودة الوجبات المقدمة، ضعف نظم الرقابة والمتابعة ومحدودية التكامل مع قطاعات مثل الصحة والزراعة، وأكدت أن هذه التحديات تؤدي إلى انخفاض كفاءة البرامج، رغم أهميتها الكبيرة.

أظهرت الدراسة أن برامج التغذية في مصر تركز بشكل أكبر على المناطق الفقيرة، لكنها تعاني من تفاوت في مستوى التنفيذ بين المحافظات، ضعف الاستفادة من الموارد المحلية، محدودية مشاركة القطاع الخاص، وغياب التنسيق الكامل بين الجهات المنفذة.

قدمت الدراسة مجموعة من التوصيات لتطوير برامج التغذية المدرسية، أبرزها: وضع استراتيجية قومية موحدة بأهداف واضحة، إصدار تشريع منظم للمنظومة، تحقيق التكامل بين التعليم والأزهر، تحسين جودة الوجبات وفق معايير غذائية، تفعيل نظم الرقابة والتقييم، توسيع نطاق التغطية ليشمل جميع الطلاب، وتعزيز التعاون بين وزارات التعليم والصحة والزراعة.

خلصت الدراسة إلى أن التغذية المدرسية في مصر تمثل أداة فعالة لدعم التعليم والصحة، لكنها تعاني من تحديات تنظيمية وتشريعية تعوق تحقيق أهدافها. وأكدت أن تطوير هذه المنظومة يتطلب تدخلًا شاملاً يعيد تنظيمها وفق رؤية موحدة، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة للطلاب، وتحويلها إلى ركيزة أساسية في بناء الإنسان المصري.