“الذاكرة الرقمية”.. مقترح برلماني لتحويل الآثار المنهوبة إلى قضية رأي عام عالمي

تعود قضية الآثار المصرية المنهوبة إلى واجهة النقاش البرلماني من جديد، لكن هذه المرة عبر مقترح مختلف يعتمد على التكنولوجيا الحديثة والضغط الثقافي والإعلامي، بالتزامن مع افتتاح المتحف المصري الكبير باعتباره أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة في العالم.

فقد تقدمت النائبة أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، باقتراح برغبة يناقشه مجلس الشيوخ الثلاثاء المقبل، يدعو إلى إنشاء “معرض الذاكرة الرقمية للآثار المصرية المنهوبة”، بهدف توثيق القطع الأثرية الموجودة في المتاحف الأجنبية وتحويل ملف استعادتها إلى قضية إنسانية وثقافية حاضرة أمام ملايين الزوار.

متحف رقمي للقطع المنهوبة
وأكدت النائبة في المذكرة الإيضاحية المرفقة بالاقتراح أن آلاف القطع الأثرية المصرية لا تزال محتجزة داخل متاحف عالمية، رغم المطالبات المستمرة باستعادتها، مشيرة إلى أن التقديرات تتحدث عن وجود أكثر من 100 ألف قطعة أثرية مصرية في المتحف البريطاني، ونحو 50 ألف قطعة في متحف اللوفر، إضافة إلى عشرات الآلاف في المتاحف الألمانية.

ويتصدر ملف الاسترداد عدد من القطع الشهيرة، أبرزها حجر رشيد وتمثال نفرتيتي، اللذان تعتبرهما مصر من أهم الرموز الحضارية التي يجب أن تعود إلى موطنها الأصلي.

من الإهمال إلى الضغط الأخلاقي
واستندت المذكرة إلى وقائع حديثة أثارت الجدل بشأن سلامة حفظ الآثار المصرية بالخارج، من بينها تسرب مياه داخل قسم الآثار المصرية في متحف اللوفر خلال نوفمبر 2024، ما أدى إلى تضرر مئات الوثائق، إلى جانب واقعة سرقة مجوهرات تقدر قيمتها بأكثر من 100 مليون دولار.

وترى النائبة أن مثل هذه الحوادث تضعف الحجة التقليدية التي تستند إليها بعض المتاحف الأجنبية بشأن “قدرتها الأفضل” على حماية الآثار، مؤكدة أن الوقت حان لاستخدام أدوات جديدة تتجاوز المسار القانوني التقليدي.

هولوجرام وواقع معزز داخل المتحف الكبير
ويقترح المشروع إنشاء معرض رقمي داخل المتحف المصري الكبير يعتمد على تقنيات الهولوجرام والواقع المعزز والطباعة ثلاثية الأبعاد، بحيث يشاهد الزائر القطع الأصلية الموجودة في مصر، ثم يواجه فراغات أو عروضًا رقمية تمثل القطع المنهوبة بالخارج.

وتتضمن الفكرة وضع لافتات توضيحية تحمل عبارات مثل:” هذه القطعة محتجزة في متحف كذا”، مع عدادات زمنية توضح عدد الأيام التي قضتها خارج مصر، في محاولة لخلق ارتباط عاطفي لدى الزوار بالقضية.

كما يقترح المشروع تخصيص “قاعة انتظار” تضم فراغات متعمدة وإضاءة خافتة، في إشارة رمزية إلى القطع التي لم تعد بعد، بما يحول تجربة الزيارة إلى رسالة ثقافية وسياسية في آن واحد.

الاستفادة من التجربة اليونانية
واستشهدت المذكرة بتجربة متحف الأكروبوليس، الذي استخدم الفراغات والنسخ الجبسية للضغط من أجل استعادة رخام البارثينون من بريطانيا، معتبرة أن هذا النموذج نجح في تحويل القضية من نزاع قانوني إلى قضية أخلاقية عالمية.

كما أشارت إلى مبادرة اليونسكو الخاصة بالمتحف الافتراضي للقطع الثقافية المسروقة، باعتبارها نموذجًا يمكن البناء عليه في الحالة المصرية.

منصة شعبية للمطالبة بالاسترداد
ويتضمن المقترح إنشاء منصة إلكترونية مرتبطة بالمعرض تسمح للزوار بالتوقيع على عرائض للمطالبة بإعادة الآثار، مع إمكانية “تبني” قطعة أثرية محددة ومتابعة تطورات حملات استردادها.

وترى النائبة أن تحويل كل زائر إلى مشارك في حملة المطالبة سيخلق ضغطًا شعبيًا وإعلاميًا عالميًا يصعب تجاهله، خاصة مع إمكانية مشاركة المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعدة لغات.

واجب دستوري وثقافي
وشددت المذكرة على أن المادة 50 من الدستور المصري تعتبر الآثار ثروة وطنية، وأن الحفاظ عليها واستعادتها يمثل واجبًا دستوريًا، مؤكدة أن المشروع لا يهدف فقط إلى عرض التكنولوجيا الحديثة، بل إلى ترسيخ فكرة أن مصر “لن تنسى تراثها ولن تتوقف عن المطالبة به”.

وأضافت أن كل فراغ داخل المعرض سيكون بمثابة رسالة انتظار ووعد بالعودة، بينما يتحول كل زائر -مصريًا كان أو أجنبيًا – إلى شاهد على قضية استرداد التراث المصري المنهوب.