الجانب الخفي من قمة “ترامب”و”شي”.. مخاطر وصول تقنيات الذكاء الاصطناعي لرموز إطلاق الأسلحة النووية


في الوقت الذي يتم التركيز فيه على المفات السياسية والاقتصادية لزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للصين-سواء الحرب مع إيران أو مضيق هرمز، ووضع جزيرة تايوان، بالإضافة للملف التجاري، والرسوم الجمركية- إلا أن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية عن الملفات السابقة، تتعلق بالذكاء الاصطناعي، والتي تتصدر مباحثات “ترامب” ونظيره الصيني شي جين بينج، خلال لقائهما المرتقب في بكين، والأمر لا يتعلق بتطوير تقنيات الذكاء وسط مخاوف أمريكية وربما صينية من إمكانية انتقال تكنولوجيا الذكاء الصناعي لأفراد أو جماعات  تتمكن من السيطرة على أسرار نووية وأكواد استخدامها.

وتوصف القمة التي ستجمع الرئيس “ترامب” خلال زيارته لبكين مع الرئيس “شي” بأنها اللقاء الأهم بين قادة أمريكا الصين منذ لقاء ريتشارد نيكسون، وماو تسي تونغ في بكين عام ١٩٧٢، وقد ساهمت تلك القمة في تخفيف حدة العداء الصيني الأمريكي الذي دام عقودًا، وأرست تحالفًا ضمنيًا بين الولايات المتحدة والصين ضد الاتحاد السوفيتي قبل تفككه.

وتعد نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة أقوى أسلحة الأمن السيبراني والاختراق التي تم ابتكارها على الإطلاق، والتي تتضاعف قدراتها كل أربعة شهور، فببساطة، لا يمكن تجاهل الذكاء الاصطناعي، وتشهد إدارة “ترامب” انقسامًا حادًا حول خطة منح وكالات الاستخبارات الأمريكية دورًا أكبر في تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي.

وسط ترقب الشركات الأمريكية لطرح منافسين صينيين نماذج بقدرات مماثلة لنموذج “ميثوس”، يعد ميثوس أكثر فعالية من البشر في تحديد الثغرات الأمنية في البرمجيات، مما أثار مخاوف واسعة النطاق من إمكانية استخدامه حتى من قبل قراصنة غير متمرسين لشن هجمات معقدة على شبكة الطاقة والبنوك والوكالات الحكومية، من شركة “أنثروبيك” ونماذج أخرى متقدمة للذكاء الاصطناعي.

وتُعد نماذج المصادر المفتوحة الصينية أكثر خطورة من تلك المطورة في الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال يُظهر تقييم حديث للمخاطر التي خضع لها النموذج الصيني “Kimi K2.5” أنه لا يرفض طلبات تصنيع الأسلحة البيولوجية بنفس موثوقية النماذج الأمريكية.

وتشير التقارير الأولية إلى اعتزام الولايات المتحدة والصين التفكير في إقامة حوار حول سلامة الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من سعي الصين واستعدادها إلى إجراء هذا الحوار، إلا أن السؤال الحقيقي يكمن حول ما إذا كانت الصين على استعداد لتقديم التزامات دولية قوية بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي والالتزام بها؟.

إن جلوس الولايات المتحدة والصين على طاولة المفاوضات بشأن التكنولوجيا، يُعني تعزيز فرص الصين للوصول إلى تلك التكنولوجيا ولحاقها بالولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في الشرائح والعتاد “hardware” والنماذج الحدودية “frontier models”، ويمكن حساب الصين بأنها متأخرة بفارق ثمانية شهور عن الولايات المتحدة.

تتشارك كل من الصين والولايات المتحدة في المصلحة المشتركة، وهي منع نشر نماذج الذكاء الاصطناعي ذات القدرات الخطيرة، فإذا استخدمت جهة غير حكومية نموذج للذكاء الاصطناعي لتطوير سلاح بيولوجي، فهذا من شأنه أن يشكل مخاطر كارثية على الصين والولايات المتحدة، والذي سيتطلب منهم التعاون والتصدي على المدى البعيد.

تختلف أولويات كلاً من الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، فالصين مدفوعة بمحاولات تجاوز فارق التخلف عن الولايات المتحدة، بينما الولايات المتحدة مدفوعة بمخاطر الجهات الغير حكومية التي تستخدم نماذج خطيرة، وفي المستقبل القريب إذا استطاعت الصين إغلاق الفجوة في العمليات العسكرية والاستخبارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فستتحول إلى أكبر تهديد يواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها، وذلك في ظل التنافس المحموم بين الشركات الذكاء الاصطناعي الصينية والأمريكية على حصة أكبر في السوق العالمي.

 حوارات سابقة
يعد حوار أمريكا والصين، بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي ليس الأول، ففي عام 2024، حيث أرسلت الحكومة الأمريكية خبراء تقنيين حددوا مجالات الخطر المشتركة، بينما أرسلت الحكومة الصينية دبلوماسيين انتقدوا القيود الأمريكية على صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي، ولطالما صرحت الصين ممثلة في شركاتها وحكومتها أن العائق الأكبر أمام تطويرها للذكاء الاصطناعي هو القيود الأمريكية على الصادرات من الرقائق.

وتنظر الصين إلى القيود التي فعلتها الولايات المتحدة تجاها على أنها تدابير جوهرية للحد من سباق التسلح مع الولايات المتحدة، ولطالما نظرت الصين إلى الحد من التسلح بتشكك، ويصف كبار الاستراتيجيين في جيش التحرير الشعبي الصيني بأن الحد من التسلح هو صراع تلجأ إليه القوى الكبرى لحماية تفوقها العسكري، ولطالما ضربوا مثال الاتحاد السوفيتي بأن مفاوضاته للحد من التسلح أضعفت من قدراته الاستراتيجية أمام الولايات المتحدة.

وينبع تشكك الصين من أنها لم تكن جزء من أزمة الصواريخ الكوبية، فالطالما لم تسفر المفاوضات النووية الأمريكية الروسية عن أي نتائج ملموسة حتى وقوع أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1963، والتي على آثرها وقع البلدان اتفاقية الخط الساحن ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية، وهما أول اتفاقيتين لإنشاء أنظمة اتصالات في حالات الأزمات والحد من الأنشطة الخطرة.

لذا إذا ما توافرت القدرة لدي الصين في اللحاق بالولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وعدم خشيتها من رد فعل الولايات المتحدة في حالة عدم امتثالها، فإن التوصل إلى اتفاق صيني ـ أمريكي فعال بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي يبقي أمر مستحيل، لذا يأتي سؤال ماذا على الولايات المتحدة فعله للتوصل إلى اتفاق فعال بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي مع الصين؟

على الولايات المتحدة تغيير الظروف الهيكلية التي تفسر عدم رغبة الحكومة الصينية التفاوض والتي منها:

أن تستجيب الولايات المتحدة وتخفف من ضوابط التصدير إلى الصين فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، والسماح للصين باللحاق بالولايات المتحدة في المجال، وهو الذي من شأنه أن يُلزم الصين بأى اتفاق والامتناع عن استخدام قدراتها المطورة في مجال الذكاء الاصطناعي لتقويض الأمن القومي الأمريكي، أما الطريقة الثانية تقوم الولايات المتحدة بتوسيع الفجوة بينها وبين الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز نفوذها من خلال تشديد ضوابط التصدير، والذي من شأنه أن يؤخر الصين عن ركب اللحاق بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والتي ستمتد من ثمانية أشهر إلى ربما ثمانية عشر شهرًا أو أربعة وعشرون شهرًا، وهو مدة طويلة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي.

والطريقة الثالثة أن تنتظر الولايات المتحدة سيناريو “البجعة السوداء”، أي حدث مماثل لأزمة الصواريخ الكوبية مرتبط بالذكاء الاصطناعي، يجبر الحكومة الصينية على إعطاء الأولوية للأمن العالمي المتعلق بأمن الذكاء الاصطناعي على حساب تطوير قدراتها الخاصة في المجال.

الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي
يشير تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد لعام 2026 إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تتصدر استثمارات الذكاء الاصطناعي الخاصة، بقيمة 285.9 مليار دولار أمريكي في عام 2025، متقدمة بفارق كبير على استثمارات الصين البالغة 12.4 مليار دولار أمريكي، إلا أن التقرير يُشير أيضًا إلى انخفاض عدد باحثي ومطوري الذكاء الاصطناعي الذين ينتقلون إلى الولايات المتحدة بنسبة 89% منذ عام 2017، بما في ذلك انخفاض بنسبة 80% خلال العام الماضي.

يشير تقرير جامعة ستانفورد إلى أن الفجوة في أداء النماذج بين الولايات المتحدة والصين قد تقلصت بشكل ملحوظ، تبادلت النماذج الأمريكية والصينية الصدارة عدة مرات منذ أوائل عام 2025، وقد عادل نموذج DeepSeek-R1 لفترة وجيزة أفضل نموذج أمريكي في فبراير 2025، وبحلول مارس 2026، لم يتجاوز فارق التفوق الأمريكي 2.7%.

ويشير التقرير نفسه إلى تفوق الصين في حجم المنشورات، والاستشهادات، وبراءات الاختراع، وتركيب الروبوتات الصناعية، على الرغم من أن الولايات المتحدة تنتج نماذج متطورة أكثر وبراءات اختراع ذات تأثير أكبر، فإذا قررت بكين أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم السياسة الصناعية أو الأمن القومي أو الاستقرار الاجتماعي، فإنها تمتلك الأدوات اللازمة لإجبار الشركات على الامتثال.

في النهاية يمكن لشخصان في كهف مهجور مع حاسوب محمول وإمكانية الوصول إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، ومحطة ستارلينك مهاجمة البنية التحتية الحيوية لأي مجتمع بداية مناختراق الخدمات الصحية أو العثور على رموز إطلاق الأسلحة النووية.

ومع التطور المهول لأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقوم بها كلا القوتين، فإذا فشلت القوتان الرائدتان في مجال الذكاء الاصطناعي في التنافس وفقًا للقواعد، فستتحمل القوى الأصغر العواقب.