
كيف أعادت الحرب السودانية تشكيل الحسابات الإستراتيجية على الحدود المشتركة بين مصر وليبيا والسودان؟
لم يعد جبل العوينات مجرد منطقة بعيدة في أقصى الجنوب، بل تحول مع تصاعد الحرب إلى نقطة تثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة المكان في أكثر المناطق حساسية قرب المثلث الحدودي بين دول السودان، ليبيا ومصر، فالموقع الجغرافي، والابتعاد عن الكتل السكانية، وقربه من مسارات صحراوية مفتوحة، منح المنطقة أهمية استراتيجية واتساع نطاق المعارك غربًا وجنوبًا في السودان، ومع تتابع الأحداث سيطر الجيش السوداني على المنطقة ليفرض حالة من الإستقرار .
خلفية الأحداث جاءت منذ شهر أبريل عام 2023 إذ تحولت منطقة العوينات بالسودان إلى ساحة معركة بين الجيش السوداني، والدعم السريع قبل أن يُعلن الأخير سيطرته على المنطقة، ثم يعود مرة أخرى خاسرًا لمقراته في الجنوب، جاء ذلك وسط مخاوف من استغلال المنطقة لتهريب البشر من السودان وعبر ليبيا إلى أوروبا بالإضافة إلى تهريب الوقود والأسلحة والمعادن النفيسة، وفق تقديرات وتحليلات أمنية وتقارير صادرة عن مراكز متابعة الصراعات وحركة التهريب في منطقة الساحل والصحراء.
و في 11 يناير للعام الحالي، نشر الجيش السوداني عبر منصاته استعادة أجزاء من الحدود السودانية، بما في ذلك معبر العوينات الحدودي بالإضافة إلى “المثلث الحدودي” وقاعدة الشفرليت العسكرية الواقعة في أقصي الحدود الشمالية الغربية للسودان.
تشكل منطقة جبل العوينات والممتدة على مساحة 1900 كيلو متر أهمية كبيرة في الحدود المتصلة في الجنوب مع ليبيا ومصر والسودان، فمن الناحية التاريخية، هي تجمع بين عددا من القبائل المتصاهرة بين ليبيا والسودان، أما من الناحية الجغرافية فهي تحتوي على المعادن الثرية وسلاسل جبال وعرة وخزانات المياه الجوفية.
يشير خبراء أمنيون إلى أن سيطرة الجيش السوداني على جبل العوينات نقطة تحول مهمة في ميزان القوى في الصحراء الغربية والشمالية، وتؤدي إلى شلل إمدادات الدعم السريع وتحد من قدرته في تمويل مناطق أخرى مما يقلل من احتمالية التدخلات الغير مباشرة عبر المنافذ الحدودية والسيطرة على الموارد الاقتصادية وإجباره على المفاوضات خصوصا في أرض كردفان والخرطوم ودارفور.

يقول اللواء د. سمير فرج الخبير العسكري والإستراتيجي، المنطقة محفوفة بالمخاطر لأنها تضم 3 دول مجاورة “مصر ،ليبيا، السودان،” وبالتالي هي منطقة حدودية مثل أي منطقة حدود يتم بها إجراءات تأمينية وتتنوع مابين دوريات جوية وبرية بمختلف الوسائل والإجراءات التأمينية، ولكن لحساسية تلك المنطقة يتم زيادة التأمين بها خاصة لخطورة الوضع واستغلال المنطقة للتهريب لدول أخرى.
الجدير بالذكر أن التحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية تقلل من اتساع رقعة الصراع وتحد من استمرار الحرب، في ظل أزمة إنسانية متفاقمة يعيشها السودان، حيث أن الحرب أدت إلى مزيد من الانقسام والتعقيد في المشهد الداخلي السوداني، ولكن مع إستعادة الجيش السوداني للمنطقة وفرض السيطرة الأمنية على عدد من الولايات والمحاور الاستراتيجية، بالتزامن مع إعلان لقادة من الدعم السريع إنشقاقهم عنها والانضمام لصفوف الجيش، أسهم في تهدئة نسبية للأوضاع ومحاولات لفرض قدر من الاستقرار في بعض المناطق.







