
ـ وكيل صحة النواب: 120 ألف طبيب مصري يعملون بالخارج والتأمين الصحي الشامل قد يفاقم أزمة نقص الأطباء
ـ نحتاج إلى 80 كلية طب لمواجهة العجز .. الاعتداء على الطبيب يجب أن يُعامل كجناية
ـ ميزانية الصحة تتضاعفت لكن 50% منها تذهب للمرتبات
في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية المصرية تحديات متزايدة، تتصدر أزمة هجرة الأطباء ونقص الكوادر الطبية المشهد، بالتزامن مع توسع الدولة في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، وتصاعد الجدل حول أوضاع المستشفيات والتعليم الطبي وحماية الأطباء داخل بيئة العمل.
التقت “ليبرالي” مع وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب النائب مجدي مرشد، والذي فتح فيه ملفات شائكة تتعلق بأزمة هجرة الأطباء، ومستقبل كليات الطب، وأوضاع المستشفيات الريفية، وقانون المسئولية الطبية، ورؤيته لإعادة بناء الثقة في الطبيب والدواء المصري، إلى جانب تقييمه لدور البرلمان في دعم المنظومة الصحية ومواجهة أزماتها المزمنة، وإلى نص الحوار:
واقع الأطباء وأزمة الهجرة
تشير نقابة الأطباء إلى أن نحو 50% من الأطباء المصريين يهاجرون خارج البلاد، كطبيب قبل أن تكون برلمانيًا كيف تقرأ هذه الأزمة؟
بلا أدنى شك، نحن أمام أزمة نقص أطباء واضحة المعالم في مصر، فمن إجمالي نحو 260 ألف طبيب مسجل لدى النقابة، لا يوجد على أرض الواقع ويعمل فعليا داخل البلاد سوى نحو 120 ألف طبيب، منهم ما بين 60 و70 ألفًا في القطاع الحكومي، ونحو 20 ألفًا في المعاش، والبقية في العمل الحر أو القطاع الخاص، وفي المقابل، لا يقل عدد الأطباء المصريين المقيمين والعاملين في الخارج عن 120 ألف طبيب، ومما يُقلق أن ظاهرة رفض التكليف تتصاعد بشكل لافت، حيث لا تقل أعداد الرافضين للتكليف في كل دفعة عن أربعة إلى خمسة آلاف طبيب، وهو رقم يستوجب الوقوف عنده ومعالجة أسبابه الجذرية.
هل ترى في هذا النزيف خطرًا فقط أم يمكن استثمار هذه الطاقة البشرية الطبية الكبيرة؟
الأمر يحتمل النظرتين معًا، وهذا ما أود توضيحه، صحيح أن النقص الراهن يمثّل خطرًا حقيقيًا، لا سيما أنه سيتفاقم مستقبلا مع التوسع التدريجي في منظومة التأمين الصحي الشامل لمحافظات كبيرة، فحين تنضم محافظة بحجم المنيا إلى هذه المنظومة، سيتجه كثير من الأطباء تلقائيًا نحو العمل في هيئة الرعاية الصحية التي تقدم رواتب تتراوح بين 14 و25 ألف جنيه، مقارنةً بسبعة إلى عشرة آلاف جنيه في وزارة الصحة، مما سيُفاقم حدة النقص في المحافظات المجاورة. ولعل أوضح مثال على ذلك ما حدث مع بورسعيد والإسماعيلية، حين استقطبتا أعدادًا كبيرة من الأطباء والممرضين والفنيين من الشرقية والمنصورة والدقهلية بفعل عامل الرواتب، غير أنني أرى في الوقت ذاته أن هذه الكثافة البشرية الطبية المصرية ثروة حقيقية ينبغي توظيفها بدلاً من النظر إليها باعتبارها عبئًا أو خسارة.
وما الحل الذي تقترحه في هذا الشأن؟
الحل يقوم على ركيزتين أساسيتين لا غنى عن إحداهما، أولهما التوسع المدروس في كليات الطب، وثانيهما تنظيم تصدير الكوادر الطبية عبر آلية مؤسسية منظمة، فمصر تمتلك اليوم ما بين 56 و59 كلية طب، بين حكومية وخاصة وأهلية وأزهرية، في حين يقتضي المعدل العالمي المتعارف عليه وجود كلية طب لكل مليون ونصف إلى مليوني نسمة، وهو ما يُعني أن مصر تحتاج نظريًا إلى ما بين 60 و80 كلية طب، والمطلوب أن تكون هذه الكليات صغيرة الحجم نسبيًا، تُخرّج بين 250 و300 طبيب سنويا كل منها، بحيث يصل إجمالي الخريجين إلى نحو 20 إلى 25 ألف طبيب في السنة. وإذا استبقينا 15 إلى 20 ألفا منهم للعمل في الداخل، أمكننا تنظيم هجرة الخمسة آلاف المتبقين عبر آلية مؤسسية، بدلا من تركهم يبحثون عن فرصهم بمفردهم عبر الوساطات والمعارف.
النموذج الكوبي وتصدير الكوادر الطبية
ذكرتَ آلية تنظيم تصدير الأطباء فهل ثمة نموذج ناجح يمكن الاستلهام منه؟
نعم، وأنا أعتبر كوبا مصدر إلهام حقيقي في هذا المجال، رغم أنها دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ففي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، حين فُرض على كوبا حصار أمريكي شديد شمل قطع النفط عنها، وقف فيدل كاسترو في خطاب تاريخي شهير وأعلن أنه لن يرد على أمريكا بالأسلحة والصواريخ، بل سيغزو العالم بالأطباء والممرضين والعلماء الذين سيُنيرون كل بقاع الأرض المظلمة ويحملون الصحة إلى شعوبها، ولم يكن ذلك مجرد خطاب، بل ترجم إلى سياسة دولة متكاملة ومستدامة، واليوم تُخرج كوبا نحو 13 إلى 14 ألف طبيب سنويا، وتُصدر فائض احتياجاتها إلى دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا وسواها، وتُعد المصدر الأول في العالم للكوادر الطبية في مجال طب الأسنان تحديدًا، بل إنها في إحدى المراحل حين واجهت عقبة نقص النفط، أبرمت اتفاقية شهيرة مع فنزويلا والجزائر عُرفت بـ’النفط مقابل الأطباء’، فكانت ترسل الأطباء وتحصل في المقابل على كميات النفط التي تحتاجها.

الأمر لا يحتاج في المقام الأول إلى تشريع جديد، بل يحتاج إلى إرادة سياسية وآلية تنفيذية. ما اتصوره هو تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارات القوى العاملة والصحة والهجرة والخارجية والتعاون الدولي، تتولى رسم سياسة واضحة وتنفيذها على أرض الواقع، عمل هذه اللجنة هو التواصل مع الدول التي تعاني نقصاً في الكوادر الطبية، والتفاوض معها على العقود، ثم الإعلان داخليا عن الفرص المتاحة.
فبدلا من أن يبحث الطبيب الراغب في السفر عن فرصة عمل من خلال معارفه أو وسطاء، تتولى الدولة جلب هذه الفرص وعرضها عليه، مثلا: تُصدر الوزارات إعلانا بأن دولة مغربية أو ليبية أو جزائرية تطلب 50 طبيبا في تخصص معين براتب محدد، ومن يرغب يتقدم، وتُعقد الاتفاقية، وتحصل الدولة المصرية على نسبة مقررة من رواتب هؤلاء الأطباء في المقابل، وميزة الطبيب المصري الكبرى أنه يتحدث العربية، وهو ما يجعله مرغوباً بصفة خاصة في دول شمال أفريقيا كليبيا والمغرب والجزائر وتونس، التي تعاني بدورها من نقص ملحوظ في نسب الأطباء.
التعليم الطبي وإشكالية المستشفى الجامعي
يطرح دائمًا اشتراط توافر مستشفى جامعي لكل كلية طب جديدة باعتباره ضرورة علمية، لماذا تعترض على هذا الاشتراط؟
لأن هذا الاشتراط لا يستند إلى منطق علمي سليم حين يُطبَّق بصرامة مطلقة، فطالب الطب في أي مكان في العالم، لا يدخل قاعات العمليات المعقدة كزراعة القلب أو الكلى أو جراحات الأعصاب الدقيقة، ولا يُتوقع منه ذلك أصلاً، ما يحتاجه فعلا هو التعرف على الحالات السريرية الواضحة الأعراض، أن يضع سماعته على صدر مريض يعاني من عيب خلقي في القلب فيميز الصوت المميز له، أو يجس كبدا منتفخا ليتعرف على درجة الانتفاخ، أو يرى أعراض الاستسقاء ماثلة أمامه.
هذه الأمور يمكن تعليمها في أي مستشفى حكومي جيد، دون الحاجة لمستشفى جامعي يُكلّف مليارات الجنيهات لبنائه وتجهيزه والدليل العملي على ذلك ما تفعله إسبانيا التي عملت فيها سبع سنوات، فهي تمتلك 47 كلية طب لـ49 مليون نسمة، وتتدرب هذه الكليات في 80 مستشفى حكوميا تابعا لوزارة الصحة، لا في مستشفيات جامعية مستقلة، المستشفى الجامعي الحقيقي هو المستشفى الذي تشتغل فيه الجامعة، أيا كانت ملكيته.

وهل ثمة تجربة مصرية مشابهة جرى تطبيقها؟
نعم، وهذا بالضبط ما حاولنا تطبيقه في فاقوس عام 2019، حين أُنشئت كلية الطب هناك وأُشهرت وعملت واستقبلت طلابها وأخرجت دفعتها الأولى، الكلية تتعاقد مع مستشفى فاقوس العام ومستشفى الطوارئ الذي يضم 250 سريرًا، وهو عدد كافٍ تماما لتدريب 300 طالب. لكن للأسف، انبعثت أزمة مفتعلة بحجة غياب مستشفى جامعي رسمي، وبات يُهدَّد بوقف التنسيق لهذه الكلية، بمعنى إجهاضها بعد أن أثبتت نجاحها، وهو ما أعدّه قراراً غير مبرر ومُضرّاً بمسيرة التعليم الطبي والتنمية الصحية في الريف المصري.
هل نحن نبالغ في تشييد منشآت فخمة على حساب جودة الخدمة الفعلية؟
للأسف نعم، وهذه إشكالية متجذرة في طريقة تفكيرنا، كثيراً ما نصرف الأموال على البهرجة والمبنى الفارهة بواجهاته الزجاجية وبواباته الإلكترونية، في حين أن ما يحتاجه المريض الفعلي هو مستشفى بسيط نظيف محترم يضبط مكافحة العدوى بصرامة، ويضم طبيبا متاحا وممرضا ملتزما بجانب سرير المريض. الممرض المرابط بجانب سريره أهم من ألف لافتة لامعة على واجهة المبنى. والإشكالية ذاتها تنطبق على توزيع الكوادر، فنجد في بعض المناطق عشرة صيادلة ولا يعمل فعلياً منهم غير اثنين، بينما تخلو مناطق أخرى من أي صيدلي على الإطلاق.
حماية الأطباء وقانون المسؤولية الطبية
الاعتداءات على الأطباء داخل المستشفيات باتت ظاهرة مزعجة، ما الأسباب الحقيقية وراء ذلك برأيك؟
المسألة ذات جذور متشعبة ولا يمكن اختزالها في سبب واحد، أولها سبب ثقافي موروث يُرسخ في الأذهان أن الطبيب قادر على كل شيء، ومن ثم فهو ملزم بالشفاء وبمنع الموت، وهذا محال! فالطب علم باحتمالاته ومضاعفاته، ولا يوجد طبيب في أي مكان في العالم يملك ضمان الشفاء التام،
والسبب الثاني بنيوي هيكلي، وهو أن الطبيب يقف خط الدفاع الأول أمام المريض في أشد لحظاته ضعفا وتألما وعصبية، فإذا لاحظ المريض أن الطبيب يشرب ماءً أو ينظر إلى ساعته أو يرد على مكالمة، انتابه شعور بالإهمال والغضب، وهنا تحدث الاشتباكات. وفي هذا السياق هناك أطباءشباب، في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم، يعملون في ظروف ضغط بالغ الشدة؛ قد يمضي أحدهم يومين دون نوم، يتولى نوبة 12 ساعة ثم يُكمل دون راحة، وهو ما أفضى في الفترة الأخيرة إلى حالات وفاة لأطباء شباب في أثناء عملهم. وكل ذلك ناجم عن نقص عددي حاد يجعل كل طبيب يحمل أعباء زملائه.
وما الحل التشريعي الذي يمكن أن يُسهم في حماية الأطباء؟
قدمت في البرلمان السابق عام 2017 مشروع قانون يُغلظ العقوبة على الاعتداء على المنشآت الطبية والكوادر الصحية، ويُصنف الاعتداء على طبيب أو ممرض أو أي فرد من الفريق الطبي باعتباره اعتداءً على المنشأة ذاتها، وبالتالي يُعامل جنائيا لا جنحةً، هذا المشروع لم يرَ النور وقتها، وأعتزم إعادة تقديمه، كما أرى أن غياب الرادع المالي الكافي يُشجّع على الاعتداء؛ ففي المملكة العربية السعودية مثلاً، باتت غرامة الاعتداء على الطاقم الطبي تبلغ مليون إلى مليوني ريال، وهذا رادع حقيقي يجعل الشخص يُفكّر ألف مرة قبل أن يرفع يده. بينما حين تكون العقوبة غرامة مالية زهيدة، لا يُبالي كثيرون بها. إن الاعتداء على الطبيب ليس اعتداءً على شخصه فحسب، بل هو اعتداء على المنظومة الصحية برمتها وعلى الدولة.
وماذا عن قانون المسؤولية الطبية الذي صدر مؤخراً؟ هل أسهم في الموازنة بين حقوق المريض والطبيب؟
قانون المسؤولية الطبية خطوة إيجابية مهمة في الاتجاه الصحيح، وقد صدرت لائحته التنفيذية وبدأت اللجنة العليا المنبثقة عنه أعمالها وتتلقى الشكاوى. ميزته الكبرى أنه يُميز بدقة بين الخطأ الطبي الجسيم الموجب للمساءلة، وبين المضاعفات الطبية الواردة والمعترف بها علميًا، فالخطأ الجسيم هو أن يعمل الطبيب في تخصص لا شهادة له فيه، أو في منشأة غير مرخصة، أو أن يُقدم على إجراء مخالف تماماً للأصول العلمية المتعارف عليها، أو أن يعمل تحت تأثير مخدر أو كحول، أو أن يرتكب إهمالاً جسيماً بيناً، أما ما يحدث في الطب عادةً من مضاعفات تحدث في إنجلترا والهند وكل دول العالم، فلا ينبغي أن يُعامل معاملة الخطأ الجسيم، وقبل صدور هذا القانون، كانت وسائل الإعلام كثيرًا ما تصف أي وفاة مؤسفة بأنها ‘خطأ طبي قبل أي تحقيق، مما أذكى الغضب الشعبي وزعزع الثقة في الطبيب المصري ظلما.
الخدمة الصحية في الريف والبنية التحتية

ما حجم الأزمة الصحية في الريف المصري تحديداً وما الأسباب التاريخية التي أفضت إليها؟
الريف المصري يُعاني إهمالاً صحيا ممتدا، رغم وجود بنية تحتية كان يمكن الاستفادة منها. فمصر تمتلك 4300 وحدة صحية في الريف، فضلاً عن 1000 وحدة في الحضر، إلى جانب نحو 700 مستشفى منتشر في مختلف أرجاء الجمهورية، وكانت ثمة مستشفيات قروية أُسست في الفترة بين 1961 و1967 بهدف تقريب الخدمة الصحية من المواطن، حيث كان الفلاح مضطراً قبل ذلك إلى ركوب القطار والسفر لساعات إلى القاهرة أو الإسكندرية أو أسيوط أو طنطا لتلقي العلاج وكانت هذه المستشفيات القروية تُجري عمليات بسيطة من زوائد وولادات وإزالة لوز وخدمات أسنان، وكان فيها أسِرّة للمبيت. ثم تراجعت تدريجياً مع نقص الأطباء وعوامل الإهمال المتراكمة.
وما الذي زاد الأمر تعقيدا على مر السنين؟
جاء قرار وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي عام 2007 ليُلغي الطابع العلاجي لهذه الوحدات ويُحوّلها إلى مراكز لخدمات الرعاية والطفولة والأمومة، فأصبحت مقتصرة على تسجيل المواليد وإصدار شهادات الوفاة وأعمال الإحصاء، دون تقديم أي خدمة علاجية.
وما زلنا حتى هذه اللحظة لا نقدم خدمة علاجية في معظم الوحدات الصحية الريفية. وهكذا يُضطر المريض الريفي إلى قطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى أقرب مركز طبي، في ظل بُعد المسافات وشُح وسائل النقل وسوء الطرق في بعض المناطق. أضف إلى ذلك ما تمر به 517 مستشفى تكاملياً أُسّست بين عامَي 1997 و2002، صُممت لتكون أكبر من الوحدة الصحية وأصغر من المستشفى المركزي وتُقدم خدمات بالأشعة والعناية المركزة والعمليات البسيطة، فلم يُشغل منها سوى نحو 170 مستشفى، والبقية إما متردية الحال أو أصبحت خرابات.
فما الحل الذي تراه ناجعاً لإنهاء معاناة الريف الصحية؟
الحل يتضمن حزمة متكاملة. أولاً إعادة تفعيل دور الوحدات الصحية والمستشفيات القروية والتكاملية الموجودة أصلاً لتُصبح مراكز علاجية حقيقية، وليس مجرد مكاتب تسجيل بيانات، ثانيا توسيع كليات الطب في الريف وليس في المدن الكبرى فحسب، إذ إن القاهرة لديها ما يكفيها من الكليات الطبية. ثالثاً: ربط هذه الكليات بالمستشفيات الحكومية القائمة لترفع مستواها وتُحسن جودتها بدلاً من بناء مستشفيات جامعية جديدة باهظة التكلفة، رابعاً معالجة مشكلة سوء توزيع الكوادر الطبية، إذ يتكدس الأطباء في المدن ويرفضون التوجه للريف، مما يجعل بعض المناطق تعاني من شُح حاد بينما تشهد مناطق أخرى تخمة في الكوادر. هذا التوزيع العشوائي يُفسد الاستفادة من الميزانية المرصودة للصحة، حتى وإن تضاعفت أرقامها.
الموازنة والأداء المالي للمنظومة الصحية
كيف تقيّم الميزانية المرصودة للصحة في الموازنة الجديدة؟ وهل اقتربنا من النسبة الدستورية المقررة؟
ارتفعت موازنة الصحة من 246 مليار جنيه في موازنة 2025-2026 إلى نحو 415 مليار جنيه في الموازنة الجديدة، وهو ارتفاع شبه مضاعف لا يمكن إنكاره، غير أن التحدي الحقيقي ليس في الأرقام بل في كيفية صرف هذه الأموال. فما يقلقني أن نحو 40 إلى 50 % من هذه الميزانية يذهب إلى بند المرتبات، وهي مرتبات مع الأسف لا تتوافق في كثير من الحالات مع الإنتاجية والأداء الفعلي. وهناك مفارقة لافتة؛ فبينما كل شيء في الدولة تضاعف ثلاث مرات، تضاعفت موازنة الصحة مرتين فقط، وهو ما يعني أن النسبة النسبية لم ترتفع كما ينبغي. أما النسبة الدستورية البالغة 3% من الناتج المحلي الإجمالي، فنحن نتجه نحوها تصاعدياً لكننا لم نبلغها بعد، ويبقى الأهم في نظري ليس بلوغ الرقم بل حُسن الاستثمار.
يلاحَظ أن كثيرا من المرضى يُحجمون عن الدواء المصري ويُفضّلون المستورد كيف تُعالج هذا الأمر؟
هذه إشكالية ثقة في المقام الأول وليست إشكالية جودة. فالحقيقة العلمية الثابتة هي أن المادة الخام للأدوية تُصنع وتُصدر من مصدرين رئيسيين فحسب في العالم كله، الهند والصين. وسواء اشترت فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا أو إنجلترا أو مصر، فالجميع يستورد من هذين المصدرين ذاتهما. الفارق الوحيد هو أن المواطن في تلك الدول يثق في دوائه المحلي بينما يشك مواطننا في دوائه. وللثقة أثر علاجي موثق علمياً؛ فالمريض الذي لا يثق في دوائه لن يتحسن بالقدر الذي يستحقه، بصرف النظر عن مدى كفاءة الدواء من الناحية الصيدلانية. هيئة الدواء المصرية تؤدي دوراً رقابياً مهماً في تسجيل الأدوية ومتابعة جودتها، والدواء المصري يوثق به تماماً. ما نحتاجه هو حملات توعية ممنهجة وشخصيات مؤثرة تُعيد الثقة إلى المنتج الوطني الصحي.
ما الإجراءات التشريعية التي يمكن أن يُقدّمها مجلس النواب لدعم المنظومة الصحية وحماية الكوادر الطبية؟
على صعيد التشريع، اعتزم إعادة تقديم مشروع القانون الخاص بتغليظ عقوبة الاعتداء على المنشآت والفرق الطبية واعتبارها جناية. فضلاً عن ذلك، يستوجب الأمر متابعة تطبيق قانون المسؤولية الطبية والتأكد من فاعلية اللجنة العليا المُنشأة بموجبه. وعلى صعيد التشريع التعليمي، يمكن للبرلمان أن يُسهم في إزالة العقبات البيروقراطية التي تعترض إنشاء كليات طب جديدة ربط نشاطها بالمستشفيات الحكومية القائمة. غير أن ما يعنيني أكثر من التشريع هو متابعة التنفيذ والمحاسبة على الأداء، لأن تجربتنا تُثبت أن لدينا قوانين جيدة كثيرة يعوزها التطبيق الفعلي. والبرلمان في هذا الإطار يملك أدوات الرقابة والمتابعة والمساءلة، وهي أدوات لا تقل أهمية عن التشريع ذاته.
كيف ترى أزمة العدادات الكودية والتصالح؟
أزمة العدادات الكودية يمكن حلها بسهولة إذا انتهت أزمة التصالح. العدادات الكودية تُركب حاليا لكل من لم يُوفق أوضاعه أو لم ينته من إجراءات التصالح، سواء كان في مناطق عشوائية أو حتى في عمارات بمناطق جيدة بها مخالفات بسيطة جدا مثل بروز عدة سنتيمترات أو تعديلات محدودة.
هل ترى أن المشكلة في القانون نفسه أم في التنفيذ؟
القوانين في كثير من الأحيان تكون جيدة، لكن الأزمة تظهر في التنفيذ، خاصة على مستوى الموظفين الصغار والإجراءات اليومية. أحيانا يكون لدى المواطن رغبة في التحايل أو الالتفاف حول القانون، وفي المقابل يكون هناك تشدد أو تعقيد زائد من بعض الموظفين، فتحدث الصدامات.لذلك دائما ما تظهر الحاجة إلى مراجعة الأثر التشريعي للقوانين، ومعرفة ما إذا كانت تحتاج إلى تعديل تنفيذي أو تشريعي بعد التطبيق العملي.
وهل تتوقع تعديلات جديدة على قانون التصالح؟
من الوارد أن يشهد القانون بعض التعديلات أو التوافق على نقاط لم تكن محسومة بشكل كامل، خاصة بعد ظهور مشكلات التطبيق على أرض الواقع. هناك ملفات أصبحت شبه جاهزة للحسم، لكن التنفيذ يحتاج إلى مرونة وسرعة أكبر.
وكيف ترى أهمية قانون الإدارة المحلية بالنسبة للنواب؟
المحليات تمثل المدرسة الحقيقية لإعداد النواب، النائب الذي مر بتجربة العمل المحلي يكون أكثر قدرة على فهم مشكلات المواطنين والتعامل مع تفاصيل البنية التحتية والخدمات اليومية.
العمل في المحليات يجعل النائب أكثر دراية بمشكلات الشوارع والمرافق والبناء والخدمات، ولذلك يخرج أكثر جاهزية للعمل البرلماني. ولهذا فإن إجراء انتخابات المحليات وتفعيل دورها سيخفف كثيرا من الأعباء الخدمية عن أعضاء مجلس النواب، ويعيد توزيع الأدوار بشكل أفضل بين العمل الرقابي والخدمي والتشريعي.
.





