
التنظيمات المتطرفة تستفيد من الانقسامات وضعف التنسيق الأمني في إفريقيا
الإرهاب يستغل ضعف التنمية وغياب الاستقرار والأمن وعدم قدرة الدولة على تقديم الخدمات وفرض سيطرتها
تشهد منطقة غرب إفريقيا موجة متصاعدة من الاضطرابات الأمنية، في ظل تطورات متلاحقة تعكس هشاشة المشهد الإقليمي واتساع نطاق العمليات المسلحة في أكثر من دولة، وخلال الأيام الماضية اغتيل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا، في عملية شارك فيها تنظيم القاعدة، فضلاً عن تصاعد الهجمات في شمال نيجيريا، وتكثيف العمليات ضد عناصر تنظيم داعش في مناطق الساحل، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها التهديدات الإرهابية مع الأزمات السياسية والانقسامات الداخلية.
وفي هذا السياق، أجرت “ليبرالي”، حوارًا مع أستاذ الدراسات الأمنية والاستراتيجية بجامعة “هيك” التشادية الدكتور حسن كلي ورتي، لطرح أبعاد التطورات الأمنية المتسارعة في غرب إفريقيا، وقراءة دلالات تصاعد العمليات المسلحة، ومدى ارتباطها بإعادة تموضع التنظيمات المتطرفة، وانعكاسات ذلك على مستقبل الاستقرار والأمن في القارة الإفريقية خلال المرحلة المقبلة.

إلي نص الحوار :
إلى أي مدي يمكن يوجد نشاط لتنظيمي داعش والقاعدة إلى مناطق جديدة في شرق ووسط إفريقيا خلال الفترة المقبلة؟
انتقال نشاط الجماعات الإرهابية داخل إفريقيا أمر وارد وطبيعي إلى حد كبير، خاصة أن أغلب الدول الإفريقية تعاني من ضعف السيطرة على حدودها، فهناك حدود واسعة ومفتوحة وفي كثير من الأحيان لا توجد نقاط عسكرية أو أمنية كافية لتأمين تلك المناطق، سواء من جانب الجيش أو الشرطة أو قوات الدرك، ما يجعل حركة الجماعات المسلحة بين الدول سهلة نسبيًا.
كما أن الطبيعة الجغرافية لبعض المناطق، خاصة الصحراوية والريفية، تمنح هذه التنظيمات مساحة اسعة للتحرك وإعادة التموضع كلما تعرضت لضغط أمني في منطقة معينة.

ما أبرز العوامل التي تجعل بعض المناطق الإفريقية أكثر عرضة لانتشار التنظيمات المتطرفة؟
الأمر لا يتعلق بوجود “بيئة حاضنة” بالمعني التقليدي، بقدر ما يرتبط بضعف التنمية وغياب الاستقرار والأمن، فكلما تراجعت قدرة الدولة على تقديم الخدمات وفرض سيطرتها، أصبحت هذه المناطق أكثر عرضة لا ختراق الجماعات الإرهابية.
كذلك فإن التداخل القبلي والاجتماعي بين الشعوب الإفريقية يسهل حركة هذه الجماعات، خاصة أن بعض القبائل تمتد عبر أكثر من دولة، كما تستغل التنظيمات الإرهابية المناطق التي تعاني من التهمش أو الظلم أو ضعف الحضور الحكومي، خصوصًا في الأطراف البعيدة عن العواصم ومراكز السلطة.
كيف تستفيد التنظيمات الإرهابية من الصراعات المحلية وضعف مؤسسات الدولة لتعزيز نفوذها؟
الجماعات الإرهابية تعتمد بشكل أساسي على استغلال الصراعات المحلية والانقسامات الداخلية داخل الدول الإفريقية، وما يحدث حاليًا في شمال مالي مثال واضح على ذلك، حيث توجد مواجهات معقدة بين الحكومة المركزية وبعض الحركات المسلحة والانفصالية، بالتزامن مع نشاط جماعات متشددة مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
هذه التنظيمات تستغل حالة الفوضي وضعف مؤسسات الدولة لتوسيع نفوذها والسيطرة على بعض المناطق، بل وأحيانًا إقامة تحالفات مؤقتة مع حركات انفصالية أو جماعات مسلحة لتحقيق أهداف مشتركة ضد الحكومات المركزية.

هل توجد مؤشرات ميدانية حاليًا على تحركات فعلية لعناصر متطرفة نحو مناطق جديدة داخل القارة؟
بالفعل، هناك مؤشرات واضحة على استمرار تحركات الجماعات المتطرفة في أكثر من منطقة، فعلى سبيل المثال، ما تزال منطقة بحيرة تشاد تشهد نشاطًا ملحوظًا للجماعات الإرهابية، خاصة في المناطق الحدودية المشتركة بين تشاد والكاميرون ونيجيريا والنيجر.
كذلك تُعد المنطقة الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينافاسو من أخطر بؤر الإرهاب حاليًا في غرب إفريقيا، مع استمرار تحركات العناصر المسلحة وتنفيذ عمليات متفرقة بشكل متواصل.
ما تأثير الحدود المفتوحة وضعف التنسيق الأمني بين الدول الإفريقية على تمدد الإرهاب؟
هذه تُعد من أكثر الإشكاليات التي تواجه القارة الإفريقية في ملف مكافحة الإرهاب، فضعف التنسيق الأمني بين الدول يسهل حركة الجماعات المسلحة عبر الحدود، كما يمنحها فرصة لإعادة التموضع والانتقال من دولة إلى أخرى.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض التنظيمات ترتبط بشبكات الجريمة المنظمة وتهريب السلاح والبشر، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني، خاصة في ظل غياب تعاون استخباراتي فعال ومستدام بين الحكومات الإفريقية.

كيف تقيم جهود الحكومات الإفريقية والمجتمع الدولي في مواجهة خطر الإرهاب داخل القارة؟
يمكن تقسيم هذا الملف إلى شقين، الأول يتعلق بالمجتمع الدولي، والذي لم يقدم حتى الآن دعمًا حقيقيًا وكافيًا للدول الإفريقية في مواجهة الإرهاب، رغم كثرة الدعوات والمطالبات بذلك، فالكثير من المبادرات الأمنية التي أُطلقت لم تحصل على التمويل أو الدعم اللوجستي المطلوب.
بينما الشق الثاني، فهو مرتبط بالحكومات الأفريقية نفسها، التي تواجه أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متراكمة، ما يجعل من الصعب عليها خوض مواجهة طويلة ومكلفة ضد الجماعات الإرهابية بمفردها.
ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل التنظيمات الإرهابية في إفريقيا خلال السنوات المقبلة؟
هناك عدة سنياريوهات مطروحة، السيناريو الأول يرتبط بقدرة الدول الإفريقية على توحيد جهودها أمنيًا وسياسيًا وفكريًا، والعمل على معالجة جذور الأزمة، سواء على المستوي الاقتصادي أو الاجتماعي أو الديني والثقافي، بما يسهم في الحد من انتشار الفكر المتطرف.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التعاون بين التنظيمات الإرهابية وبعض الحركات المسلحة أو الانفصالية داخل الدول الإفريقية، وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد الصراعات وإضعاف الحكومات المركزية.
في حين يبقى السيناريو الأكثر خطورة مرتبطًا بتحول بعض المناطق إلى ساحات صراع مفتوحة لفترات طويلة، خاصة في الدول التي تعاني من أزمات عرقية أو قبلية أو حدودية، ما يمنح الجماعات الإرهابية مساحة أكبر للبقاء والتمدد داخل القارة.






