
عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الصين ليواجه قرارات مصيرية بشأن إيران، وذلك بعد فشل المحادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في تحقيق أي تقدم ملموس في إعادة فتح مضيق هرمز، أو إنهاء الجمود بشأن البرنامج النووي الإيراني، حيث وضع كبار مساعديه خططًا للعودة إلى الضربات العسكرية إذا قرر “ترامب” محاولة كسر الجمود بمزيد من القنابل.
ومع تعثر المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب، هدد الرئيس دونالد ترامب، إيران بضرورة التحرك، وإلا ستواجه عواقب وخيمة، ونشر “ترامب” على منصة “تروث سوشيال” منشورًا، قال فيه:” بالنسبة لإيران الوقت ينفذ، وعليها أن تتحرك بسرعة، وإلا فلن يبقى منها شئ، الوقت عامل حاسم”، ولم يوضح “ترامب” طبيعة هذه العواقب، ولا ما يتوقعه من إيران لتجنبها، وجاءت هذه الرسالة قبل ساعات من أن يُجري “ترامب” محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.
كان “ترامب” قد حذر في وقت سابق من أن الهدنة على وشك الانهيار بعد رفضه مطالب طهران، واصفًا إياها بأنها غير مقبولة بتاتًا، بينما أصر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على أن هذه الشروط مسئولة وسخية.

تهديدات لا تنتهي
تشهد المفاوضات بين واشنطن وطهران توترًا شديدًا لإنهاء الحرب منذ التوصل لوقف إطلاق النار الهش في أوائل أبريل الماضي، وتواصل واشنطن حصارها للموانئ الإيرانية، بينما أغلقت طهران مضيق هرمز منذ بداية النزاع.
لكن هذا التهديد لم يكن الأول من نوعه الذي يهدد به “ترامب” طهران بعبارات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي، فقبل التوصل لوقف إطلاق النار في أبريل، حذر “ترامب” من أن حضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا، ما لم تستلم إيران للمطالب الأمريكية.
كما سبق أن هدد بضرب البنية التحتية المدنية الإيرانية بما في ذلك محطات توليد الطاقة والجسور، وهو ما يعد جريمة حرب، وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد العالمي والأمريكي، ما تسبب في ارتفاع أسعار النفط عالميًا وارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، حيث بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4.51 دولار للجالون يوم الأحد الماضي، وفقًا لجمعية السيارات الأمريكية “AAA”.

الشد والجذب
تطالب الولايات المتحدة إيران بالتخلي عن برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز، ووفقًا لوكالة أنباء تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، تضمنت هذه الشروط إنهاءً فوريًا للحرب على جميع الجبهات، في إشارة إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية على حزب الله المدعوم من إيران في لبنان، ووقف الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وضمانات بعدم شن أي هجمات أخرى على إيران، وتضمنت مطالبة بتعويضات عن أضرار الحرب، والتأكيد على السيادة الإيرانية على مضيق هرمز.
وأفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية شبه الرسمية أمس الأحد، بأن واشنطن وضعت خمسة شروط ردًا على اقتراح طهران، وتضمنت هذه الشروط مطالبة إيران بالإبقاء على موقع نووي واحد فقط قيد التشغيل، ونقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة.
وألمح “ترامب” الجمعة الماضي، إلى أنه سيقبل بتعليق إيران لبرنامجها النووي لمدة عشرين عامًا، وهي نقطة خلاف رئيسية بين البلدين، فيما بدا تأكيدًا على تحول في الموقف بعيدًا عن المطالبة بإنهاء البرنامج بشكل كامل.

استعدادات لاستئناف الحرب
تُجري الولايات المتحدة وإسرائيل استعدادات مكثفة هي الأكبر منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لاحتمال استئناف الهجمات على إيران في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، وهدد “ترامب” قبل مغادرته إلى الصين، إما أن يتوصلوا إلى اتفاق أو سيُبادوا، لذا، بطريقة أو بأخرى، سننتصر.
وفي حال قرر “ترامب” استئناف الضربات العسكرية، فإن الخيارات تشمل شن غارات جوية أكثر شراسة على أهداف عسكرية وبنية تحتية إيرانية، كما أن هناك خيارًا آخر يتمثل في نشر قوات العمليات الخاصة على الأرض لملاحقة المواد النووية المدفونة في أعماق الأرض.
يأتي ذلك تزامنًا مع وصول عدة مئات من قوات العمليات الخاصة إلى الشرق الأوسط في مارس الماضي، في مهمة تهدف إلى منح الرئيس “ترامب” هذا الخيار، ويمكن استخدامهم في مهمة تستهدف اليورانيوم عالي التخصيب في موقع أصفهان النووي الإيراني، لكن مثل هذه العملية ستتطلب أيضًا آلافاً من قوات الدعم، التي من المرجح أن تُشكّل طوقًا أمنيًا، وقد تجر إلى قتال مع القوات الإيرانية، ينطوي هذا الخيار على مخاطر جسيمة لوقوع خسائر بشرية.
من المرجح أن يستأنف أي هجوم جديد على إيران القتال من حيث توقف قبل أن تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى وقف إطلاق النار في اللحظات الأخيرة في 7 أبريل، ومن المتوقع أن ترتبط الهجمات بعمليات الحرس الثوري، إلا أن قوانين الحرب تحظر التدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية كوسيلة لإخضاع أي حكومة.
استغلت الولايات المتحدة فترة توقف القصف التي استمرت شهرًا لإعادة تسليح سفنها الحربية وطائراتها الهجومية في المنطقة، وصرح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، أمام لجنة فرعية للدفاع في مجلس الشيوخ هذا الأسبوع بأن المسئولين العسكريين يحتفظون بمجموعة من الخيارات لقادتنا المدنيين، وسيواصلون الاحتفاظ بها، وامتنع عن الكشف عن ماهية هذه الخيارات المحتملة.

الوضع على الأرض
أحسن الجيش الأمريكي استهداف المواقع التي حددها لنفسه، بما في ذلك مواقع إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية، ومستودعات ذخيرة الحرس الثوري، وغيرها من مواقع البنية التحتية العسكرية، إلا أن إيران استعادت الوصول إلى معظم مواقع صواريخها، ومنصات الإطلاق، والمنشآت تحت الأرض، وفقًا لوكالات الاستخبارات الأمريكية.
كما استعادت إيران الوصول العملياتي إلى 30 من أصل 33 موقعًا للصواريخ تحتفظ بها على طول مضيق هرمز، الأمر الذي قد يهدد السفن الحربية الأمريكية وناقلات النفط العابرة لهذا الممر المائي الضيق، حسبما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز هذا الأسبوع.

إسرائيل تترقب
أعربت إسرائيل عن قلقها من احتمال إبرام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتفاقًا مع إيران قبل معالجة بعض القضايا الرئيسية التي دفعت البلدين إلى شن الحرب في المقام الأول، فأي اتفاقاً يبقي برنامج طهران النووي سليمًا جزئيًا، ويتجاهل قضايا مثل الصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء الإقليميين، سيؤدي إلى اعتبار إسرائيل الحرب غير مكتملة.
يكمن القلق الرئيسي لإسرائيل في أن يمل “ترامب” من المفاوضات ويبرم أي اتفاق بتنازلات في اللحظات الأخيرة، وأي اتفاق جزئي لا يعالج بعض القدرات الرئيسية لإيران، ويخفف الضغط الاقتصادي عليها، قد يساهم في استقرار النظام ويوفر له سيولة نقدية.
تسلط هذه المخاوف الضوء على الفجوة بين “ترامب” الذي يبدو مُترددًا في استئناف الحرب، و”نتنياهو” الذي يخشى أن تنتهي دون تحقيق جميع أهدافها الأولية.

تضييق الأهداف
في بداية الحرب، حددت واشنطن أهدافها في تدمير برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، إنهاء دعم طهران لوكلائها الإقليميين، وإغلاق منشآتها النووية، وبعد شهرين من بدأ العمليات العسكرية، وتركزت المفاوضات على وقف تخصيب اليورانيوم وإعادة فتح مضيق هرمز.
وحددت تل أبيب أهدافها في خمس شروط لاتفاق مقبول، وهي إزالة جميع اليورانيوم المخصب، وتفكيك قدرات التخصيب، والتصدي للصواريخ الباليستية، وتفكيك شبكة إيران الإقليمية بالوكالة، وإجراء عمليات تفتيش نووية صارمة، ثم تحول الهدف ليصبح الأهم هو إزالة المواد المخصبة من إيران وتفكيك قدرات إيران على التخصيب، دون أي إشارة إلى الصواريخ الباليستية أو دعم الوكلاء، مثل حزب الله في لبنان أو حماس في غزة.
بينما تصر إيران على أن يقتصر الاتفاق المبدئي على تخفيف العقوبات وإعادة فتح المضيق، مع تأجيل الملف النووي إلى مراحل لاحقة.
يدرك “ترامب” وفريقه خطورة الوضع القائم، حيث يتم المحاولة للتوفيق بين السعى للخروج بانتصار في إيران ، وبين ضيق الوقت السياسي المتاح للخروج من ذلك المأزق، لذا لن يستمر الوضع طويلاً، سيتم فتح المضيق بأى وسيلة، إذ لابد من فتحه.





