نهاد شعبان

في مثل هذا اليوم، رحل سمير غانم، لكن الضحكة التي صنعها على مدار عقود طويلة لم ترحل أبدا، ظل حاضرا في ذاكرة المصريين والعرب باعتباره واحدا من أهم صناع الكوميديا في تاريخ الفن العربي، فنانا امتلك قدرة نادرة على انتزاع الابتسامة من القلوب مهما كانت مثقلة بالهموم، لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدوارا كوميدية، بل كان حالة خاصة، وروحا خفيفة صنعت لنفسها مكانا دائما في وجدان الناس، حتى ظهر وكأنه فرد من العائلة في كل بيت.
ولد سمير يوسف غانم في 15 يناير 1937 بمحافظة أسيوط، لأسرة مصرية بسيطة، وكان والده يعمل ضابط شرطة ويحلم بأن يسير ابنه على نفس الطريق، وبالفعل التحق بكلية الشرطة إرضاء لرغبة والده، لكنه لم يجد نفسه هناك، فرسب لعامين متتاليين قبل أن يتم فصله من الكلية، ربما بدا الأمر في ذلك الوقت تعثرا كبيرا في حياته، لكنه كان في الحقيقة بداية الطريق نحو عالم آخر أكثر نجاحا، عالم الفن الذي ظل يسكن قلبه منذ الصغر.
بعدها التحق بكلية الزراعة في جامعة الإسكندرية، وهناك بدأت ملامح الفنان الحقيقي في الظهور، حيث كانت الجامعة بالنسبة له مساحة لاكتشاف نفسه، ولم يكن مهتما بالدراسة بقدر اهتمامه بالمسرح والتمثيل وخفة الظل التي جعلته محط أنظار الجميع، وفي تلك السنوات، بدأت تتشكل شخصية سمير غانم الفنية، ذلك الشاب الذي يستطيع أن يحول أي تجمع عادي إلى لحظة ضحك جماعية، دون افتعال أو مبالغة.

من “إخوان غانم” إلى “ثلاثي أضواء المسرح”
حب التمثيل لم يكن مجرد هواية عابرة بالنسبة لسمير غانم، بل شغف حقيقي دفعه لتكوين فرقة صغيرة خلال دراسته الجامعية حملت اسم “إخوان غانم”، بمشاركة الفنان الراحل وحيد سيف وعادل نصيف، وقدموا من خلالها اسكتشات كوميدية لاقت نجاحا لافتا داخل الجامعة، وكان واضحا منذ البداية أن سمير يمتلك طاقة كوميدية مختلفة، تعتمد على العفوية وخفة الدم أكثر من الإيفيهات المصطنعة، لكن التحول الحقيقي في حياته جاء عندما تعرف على جورج سيدهم خلال “أسبوع شباب الجامعات”، ثم انضم إليهما لاحقا الضيف أحمد، ليولد واحد من أهم الفرق الكوميدية في تاريخ مصر، “ثلاثي أضواء المسرح”، فكانت الفرقة أشبه بثورة جديدة في عالم الكوميديا، فقدمت لونا مختلفا يعتمد على الاسكتشات السريعة والاستعراضات والأغاني الساخرة، ونجحت في الوصول إلى الجمهور بسرعة كبيرة.
اكتشفهم المخرج الراحل محمد سالم، وقدمهم للتليفزيون، لتبدأ الرحلة الحقيقية نحو النجومية، ومع مطلع الستينيات، أصبحت “ثلاثي أضواء المسرح” واحدة من أشهر الفرق الفنية في الوطن العربي، وقدمت أعمالا ما زالت حاضرة حتى اليوم في ذاكرة الجمهور، وكان سمير غانم داخل الفرقة بمثابة الطاقة المتفجرة، يملأ المسرح حركة وضحكا، ويصنع حالة خاصة لا يمكن تقليدها.

الضحك بعد الرحيل
في عام 1970، تلقى سمير غانم وجورج سيدهم صدمة قاسية بعد وفاة الضيف أحمد المفاجئة، بدا وكأن الفرقة فقدت أحد أعمدتها الرئيسية، لكن الثنائي حاول الاستمرار رغم الحزن الكبير، وقدما أعمالا مسرحية ناجحة مثل المتزوجون، وأهلا يا دكتور، وموسيقى في الحي الشرقي، وروميو وجولييت، ورغم النجاح الجماهيري، لم تعد الأمور كما كانت، خاصة بعد وفاة شقيق سمير غانم، الذي كان يدير حسابات الفرقة، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في حياة سمير الفنية.
وقرر سمير غانم أن يشق طريقه منفردا، وهي مغامرة لم تكن سهلة لفنان ارتبط اسمه طويلا بفريق ناجح، لكنه استطاع أن يثبت سريعا أنه نجم قادر على الوقوف وحده، وأن موهبته أكبر من أن تُحاصر داخل إطار جماعي، وبدأ يقدم أعماله الخاصة، واقتحم السينما بقوة، وشارك في أفلام عديدة مع كبار نجوم جيله مثل عادل إمام وفاروق الفيشاوي، مقدما كوميديا تعتمد على حضوره التلقائي وروحه المرحة.

“فطوطة”.. الشخصية التي هزمت اسم صاحبها
إذا كان سمير غانم قد صنع عشرات الشخصيات الناجحة، فإن “فطوطة” بقيت العلامة الأبرز في مشواره الفني، ففي أوائل الثمانينيات، قدم فوازير “فطوطة”، لتتحول الشخصية الصغيرة ذات البدلة الخضراء والصوت الطفولي إلى ظاهرة جماهيرية غير مسبوقة، حيث أحب الأطفال “فطوطة”، وحفظ الكبار جمله وحركاته، حتى أصبحت الشخصية أشهر من اسم سمير غانم نفسه.
ورغم هذا النجاح الكبير، شعر سمير غانم بالقلق من أن تحاصره الشخصية داخل قالب واحد، لذلك قرر التوقف عنها بعد ثلاث سنوات فقط، مفضلا التنوع وعدم تكرار نفسه، حيث كان يدرك أن الفنان الحقيقي لا يجب أن يتحول إلى نسخة ثابتة مهما بلغ نجاحها، ولهذا ظل طوال حياته يبحث عن الجديد، ويرفض الاستسلام لفكرة “المنطقة الآمنة”.
ولم يكن “فطوطة” الشخصية الوحيدة التي علقت في أذهان الجمهور، فقد قدم أيضًا “ميزو”، و”عبد السميع اللميع”، وغيرها من الشخصيات التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الشعبية المصرية، حيث كانت لديه قدرة استثنائية على خلق شخصية كاملة من طريقة كلام أو حركة بسيطة، لذلك ظل حضوره مختلفا عن أي فنان كوميدي أخر.

زواجه من صومالية ثم حب العُمر دلال عبد العزيز
في فترة مبكرة من مشواره الفني، وخلال ارتباطه بفرقة “ثلاثي أضواء المسرح”، لفتت فتاة صومالية أنظار سمير غانم، حيث كانت تتابع عروض الفرقة وتحرص على حضور حفلاتهم باستمرار، وأعجبت به بشدة، ومع توالي اللقاءات، نشأت بينهما علاقة انتهت بالزواج، بعد أن شجعتها والدته على الارتباط به، لكن هذا الزواج لم يستمر طويلا، حيث انتهى بعد نحو عام واحد فقط، ليعود سمير غانم من جديد إلى حياته الفنية ومسيرته مع الفرقة، قبل أن يبدأ لاحقا مرحلة جديدة أكثر استقرارا مع زواجه من الفنانة دلال عبد العزيز، والتي كانت قصة الحب الأهم في حياته، ونشأت خلال عرض مسرحية أهلا يا دكتور، حيث بدأت علاقة سمير غانم بالفنانة دلال عبد العزيز، التي أحبته بإصرار واضح، حتى إنها ظلت لفترة طويلة تطلب منه الزواج، وبالفعل تزوجا عام 1984، ليشكلا واحدة من أشهر وأنجح الزيجات الفنية.
لم تكن العلاقة بينهما مجرد زواج عادي، بل شراكة إنسانية وفنية كاملة، عاشا معا سنوات طويلة مليئة بالمودة والدعم، وأنجبا ابنتيهما دنيا سمير غانم وإيمي سمير غانم، اللتين واصلتا الطريق الفني لاحقا، وكان واضحا للجميع أن البيت الذي جمع سمير ودلال قائم على الحب الحقيقي وخفة الظل والدفء الأسري.

الرحيل الصعب
في سنواته الأخيرة، عانى سمير غانم من أزمات صحية عديدة، خاصة مشكلات الكلى وارتفاع نسبة الكرياتينين في الدم، لكنه ظل يقاوم المرض بروحه المعتادة، ثم جاءت إصابته بفيروس كورونا، لتدخل حالته الصحية مرحلة حرجة، بعدما أثر الفيروس بشكل كبير على الرئتين والكلى، واضطر إلى الخضوع لجلسات غسيل كلوي وأجهزة تنفس صناعي.
وفي 20 مايو 2021، رحل سمير غانم عن عمر ناهز 84 عامًا، ليتحول خبر وفاته إلى صدمة كبيرة في الشارع المصري والعربي، حيث شعر كثيرون وقتها أن الضحكة فقدت أحد أهم صناعها، وأن زمنا كاملا من البهجة يغادر الحياة، ولم يكن المشهد أكثر قسوة من رحيل زوجته دلال عبد العزيز بعده بأشهر قليلة، وكأن الحكاية التي جمعتهما لعقود طويلة لم تحتمل الفراق.







