في الأسابيع الأخيرة عاد ملف الغاز الطبيعي إلى واجهة الأخبار من جديد، بيانات عن آبار جديدة، وإعلانات عن اكتشافات، وتصريحات متفائلة حول عودة النشاط الاستكشافي، حتى بدا وكأن الأزمة التي واجهتها مصر خلال العامين الماضيين أوشكت على الانتهاء، وكما يحدث في كل دورة مشابهة، انتقل النقاش سريعًا من الحديث عن العجز والاستيراد إلى الحديث عن الاكتشافات والفرص القادمة، وكأن المشكلة أصبحت وراءنا بالفعل.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، لأن المشكلة في قطاع الغاز ليست مشكلة جيولوجية أو نقصًا في الموارد، بل مشكلة زمن، فما يُعلن اليوم باعتباره اكتشافًا أو قرار استثمار لا يتحول إلى إنتاج فعلي في اليوم التالي، بل يحتاج إلى سنوات من التطوير والربط والتجهيز قبل أن يصل أول جزيء غاز إلى الشبكة القومية.
والأهم أن جزءًا كبيرًا مما يُتداول اليوم ليس اكتشافات جديدة بالمعنى الذي يتصوره الرأي العام، فالكثير من الحقول التي عادت إلى دائرة الاهتمام كانت معروفة بالفعل، وبعضها جرى اكتشافه أو تقييمه منذ سنوات، لكنها ظلت مؤجلة بسبب تراكم مستحقات الشركاء الأجانب أو تأخر قرارات الاستثمار أو ضعف الجدوى الاقتصادية في ظل الظروف السابقة.
ما حدث خلال الأشهر الأخيرة هو أن سداد جانب كبير من هذه المستحقات أعاد الثقة نسبيًا وأعاد بعض الحقول المؤجلة إلى طاولة التطوير، وهي خطوة مهمة وضرورية، لكنها لا تُعني أن الإنتاج الإضافي أصبح في متناول اليد، هنا تحديدًا تكمن الفجوة بين الخطاب العام والواقع الفني.
فعندما يقرأ المواطن خبرًا عن اكتشاف جديد، يفترض بصورة طبيعية أن الغاز سيبدأ في التدفق خلال أشهر قليلة، بينما يعرف العاملون في الصناعة أن الطريق بين الاكتشاف والإنتاج التجاري طريق طويل ومكلف، وحتى في الحالات التي تتوافر فيها تسهيلات إنتاج جاهزة وخطوط ربط قريبة، فإن إدخال كميات مؤثرة إلى الشبكة يحتاج سنوات لا أشهرًا.
ولهذا فإن الرهان على أن عامي 2026 أو 2027 سيشهدان انفراجة إنتاجية كبيرة يبدو أقرب إلى التفاؤل المفرط منه إلى التقدير الواقعي، فحتى أفضل السيناريوهات المتاحة حاليًا لا تشير إلى عودة سريعة إلى مستويات الإنتاج التي عرفتها مصر في ذروة عصر ظهر، بل تشير إلى هدف أكثر تواضعاً يتمثل في وقف التراجع الحالي وتثبيت الإنتاج عند مستويات تتراوح بين 3.8 و4 مليارات قدم مكعب يوميًا.
قد يبدو هذا الرقم مخيبًا للآمال للبعض، لكنه في الحقيقة يمثل أفضل ما يمكن تحقيقه في المدى المنظور إذا سارت الأمور بصورة جيدة، أما الحديث عن قفزات إنتاجية كبيرة خلال العام المقبل فهو يتجاهل طبيعة الصناعة نفسها ويتجاهل الفجوة الزمنية بين الاستثمار والعائد.
لكن تثبيت الإنتاج عند هذه المستويات لا يحل الأزمة، بل يمنع فقط تفاقمها، فالاستهلاك المحلي خلال أشهر الذروة الصيفية يقترب من 7.9 مليارات قدم مكعب يوميًا، وإذا استقر الإنتاج المحلي عند حدود 4 مليارات قدم مكعب يوميًا، فإن فجوة كبيرة ستظل قائمة.
جزء من هذه الفجوة يمكن تغطيته عبر واردات خطوط الأنابيب من دول الجوار، لكن جزءًا مهمًا سيظل معتمدًا على الغاز الطبيعي المسال المستورد أو على بدائل أكثر تكلفة مثل المازوت والسولار، وهنا تظهر الحقيقة الاقتصادية التي لا تحظى بنفس الاهتمام الذي تحظى به أخبار الاكتشافات.
فقرار عدم العودة إلى تخفيف الأحمال ليس قرارًا فنيًا فقط، بل قرار مالي واقتصادي بالغ الكلفة، فكل مليار قدم مكعب لا نستطيع إنتاجه محليًا يجب تعويضه من مصدر أعلى تكلفة، وكل شحنة غاز مسال تصل إلى الموانئ المصرية تنعكس بصورة مباشرة على فاتورة الاستيراد واحتياجات النقد الأجنبي وتكلفة إنتاج الكهرباء والصناعة.
ولهذا أتابع ملف الغاز منذ سنوات باعتباره أحد أهم الملفات الاقتصادية في مصر، لا مجرد ملف يخص وزارة البترول، فالحديث عن الكهرباء يبدأ من الغاز، والحديث عن الصناعة يبدأ من الغاز، وحتى تكلفة المعيشة التي يشعر بها المواطن ترتبط بصورة أو بأخرى بسعر الطاقة وتوافرها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية سداد مستحقات الشركاء الأجانب، نعم، كان هذا القرار ضروريًا وصحيحًا، وربما من أهم القرارات الاقتصادية التي اتخذت خلال الفترة الماضية. لكنه لا يجب أن يخلق توقعات غير واقعية لدى الرأي العام.
فنحن لم نشترِ زيادة إنتاجية فورية، بل اشترينا فرصة لاستعادة الاستثمار، ولم نحصل على غاز إضافي اليوم، بل فتحنا الباب أمام احتمال الحصول عليه بعد سنوات. والفارق بين الأمرين كبير للغاية.
ولهذا فإن الفترة الممتدة حتى نهاية 2027 ستظل فترة ضغوط مالية واقتصادية مرتفعة، ستظل الدولة مطالبة بتدبير احتياجاتها من الطاقة عبر مزيج مكلف من الواردات وخيارات التشغيل البديلة، وستظل فاتورة الطاقة تشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد، وسيكون النجاح الحقيقي خلال هذه المرحلة هو إدارة الأزمة ومنع تدهورها، وليس القضاء عليها بالكامل.
لكن ربما يكون الجانب الأكثر إزعاجًا في القصة كلها هو أن ما نواجهه اليوم ليس حادثًا مفاجئًا، فمن يتابع تاريخ قطاع الغاز المصري خلال العقدين الماضيين يلاحظ نمطاً متكرراً بصورة لافتة: سنوات من الوفرة تدفعنا للاعتقاد بأن المشكلة انتهت، ثم سنوات من العجز تدفعنا للتصرف وكأن ما حدث مفاجأة غير متوقعة، قبل أن نعود مجدداً إلى نقطة البداية.
فالدول لا تبني أمنها الطاقي على أمل اكتشاف جديد كل عدة سنوات، بل على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الهشاشة الهيكلية في منظومة الإمداد، والغاز سيظل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد المصري، لكن استمرار التعامل معه باعتباره الحل الوحيد لكل أزمة طاقة يجعل كل تراجع إنتاجي يتحول تلقائياً إلى أزمة اقتصادية واسعة النطاق، ولهذا فإن جزءاً من الدرس الذي تفرضه أزمة اليوم يتعلق أيضًا بأهمية تسريع كفاءة الاستهلاك والتوسع في الطاقة المتجددة وتنويع مزيج الطاقة، ليس باعتبارها بديلاً كاملاً للغاز، بل باعتبارها أدوات تعزز الأمن الطاقي على المدى الطويل.
وحتى يحدث ذلك ستظل مصر تنتقل من أزمة إلى انفراجة ومن انفراجة إلى أزمة، وسيبقى السؤال نفسه مطروحًا في كل مرة: كيف وصلنا إلى هنا مرة أخرى؟.





