أسعدني أن يخرج النقاش حول قانون تنظيم جهاز “مستقبل مصر” من حدود البرلمان إلى المجال العام، متحولاً من خلاف حول بعض المواد إلى حوار أوسع بشأن طبيعة الدولة ودورها، وقد كان مقال الأستاذ وائل توفيق، أمين العمل الجماهيري بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وما سبقه في كلمة الدكتور مصطفى كامل السيد في ندوة الحزب، فرصة لإدراك أننا، رغم اختلاف منطلقاتنا، نقترب من السؤال نفسه: كيف تكون للدولة قدرة حقيقية على الفعل، من دون أن تتحول إلى سلطة يصعب إخضاعها للمساءلة؟.
يقدم “توفيق” حجة متماسكة تبدأ من التمييز بين ملكية الدولة والملكية العامة بالمعنى الاجتماعي، فكون الأصل مسجلًا باسم الدولة لا يعني أن المجتمع أصبح مالكًا فعليًا له، ما لم توجد آليات تتيح مراقبة العوائد ومساءلة القائمين عليه، وهذه نقطة لا أختلف معها.
غير أن إشكاليتي معها تبدأ عند النتيجة؛ فطرحه أقرب لاعتبار سؤال الملكية هو السؤال المؤسس، بينما أرى أن الملكية، على أهميتها، لا تفسر وحدها لماذا تنجح مؤسسة في دولة وتفشل في أخرى.
ينطلق هو من تقليد تأثر بماركس، حيث تحتل علاقات الملكية موقعًا مركزيًا: من يملك وسائل الإنتاج، ومن يسيطر على الفائض؟، أما مدخل ورقة حزب العدل فأقرب إلى المدرسة المؤسسية التي يمثل جوزيف ستيغليتز، أحد أبرز أصواتها، وهي لا تنكر أثر الملكية، لكنها تضيف: كيف تُصمم المؤسسات التي تدير هذه الملكية، وكيف توزع الحوافز والمعلومات، وما القواعد التي تمنع تضارب المصالح؟، وأيضا متماسة مع طرح دوغلاس نورث الذي يركز على جودة هذه القواعد المنظمة.
لا أظن أن اختلافي مع الأستاذ وائل هو اختلاف على أهمية سؤال الملكية، بل على كفايته، فإذا كان ماركس قد علّمنا أن الملكية تصنع السلطة، فإن المدرسة المؤسسية أضافت أن السلطة، بعد أن تتشكل، لا تعمل في فراغ، وإنما داخل مؤسسات وقواعد تحدد كيف تُمارس، ولصالح من، وكيف تُحاسب.
وربما هنا يكمن جوهر اختلافنا، فالأستاذ وائل يتعامل مع الحوكمة باعتبارها نتيجة لسؤال الملكية، بينما أتعامل معها باعتبارها المتغير الذي يحدد، في الواقع العملي، ما إذا كانت الملكية العامة ستعمل لصالح المجتمع أم ستتحول إلى امتياز مغلق، ولهذا لم يكن انشغالنا كهيئة برلمانية داخل مجلس النواب بتغيير هوية المالك، بل بتغيير قواعد اللعبة التي تحكم هذا المالك.
لماذا ستيغليتز ونورث تحديدًا؟
أختارهما لأن عمل الاثنين وُضع أصلا في مواجهة افتراض أن الأسواق أو المؤسسات العامة تصل من تلقاء نفسها إلى الكفاءة دون قواعد تحكمها، فستيغليتز، الذي نال نوبل عن نظريته في عدم تماثل المعلومات، أثبت أن الأسواق تفشل بنيويًا حين تغيب قواعد تنظم من يعرف ماذا؛ وفي نقده لخصخصة روسيا بعد التسعينيات، حذّر من أن نقل الأصول دون مؤسسات رقابة وإفصاح لا ينتج سوقًا حرة بل رأسمالية محاسيب تتحصن من المنافسة.
والمفارقة أن هذا النقد ضد الخصخصة يمنحنا الدرس الأهم: المتغير الحاسم ليس “من يملك؟” بل “هل توجد مؤسسات تمنع أي مالك من تحويل ملكيته إلى امتياز مغلق؟”، وأيضا في كتابه مع بروس غرينوالد عن “بناء مجتمع التعلّم”، يبرر ستيغليتز أيضًا دورًا تنمويًا نشطًا للدولة كذراع “مستقبل مصر”، بشرط أن يولّد كفاءة تنتشر في الاقتصاد لا ريعًا محتكرًا.
أما دوغلاس نورث فمنحنا التعريف الأدق للمؤسسات بوصفها “قواعد اللعبة” التي تنظم التفاعل البشري وتقلل عدم اليقين، ولاحظ أن دولتين قد تمتلكان نفس نوع الشركات العامة، ثم تصلان إلى نتائج مختلفة جذريًا، لا بسبب الملكية، بل بسبب جودة هذه القواعد.
من يدفع الثمن؟
هذا يقودني لأهم سؤال طرحه الأستاذ وائل: من يدفع ثمن هذا النموذج؟ إجابته أن العمال والفلاحين وأصحاب الدخل المحدود يتحملون كلفة تراجع الدولة لصالح كيانات استثنائية، ولا أختلف معه في تحديد الضحية، بل في تحديد السبب.
فالثمن، من منظور ستيغليتزي، لا يُدفع لأن الدولة أنشأت ذراعًا استثمارية، بل يُدفع حين تغيب عنها أدوات القياس التي تكشف متى تتحول من أداة تمكين إلى أداة استخلاص ريع، فحين يغيب تسعير شفاف لخدمات “منصة التمكين”، يتحول الفارق بين التكلفة الفعلية والسعر المفروض إلى عبء يتحمله المنتج الصغير؛ وحين يختلط الدور الاستراتيجي بالاستثماري دون مراجعة مستقلة، يصبح ممكنًا تبرير قرار يضر بصغار الفلاحين باسم “الاستدامة المالية” دون أن يعرف أحد إن كان ضرورة موضوعية أم مجرد نقل عبء.
بعبارة أخرى: الفلاح وعامل المصنع لا يدفعان الثمن لوجود جهاز استثماري، بل لأن هذا الجهاز غير مطالب – في غياب الفصل الوظيفي والإفصاح الدوري – بأن يُظهر من استفاد ومن تحمل الكلفة في كل قرار. فالمساءلة ليست نقيض حماية الفئات الأضعف، بل الشرط الذي يجعل هذه الحماية قابلة للتحقق بدل أن تبقى نية حسنة لا يمكن التأكد منها.
ومع الدكتور مصطفى كامل السيد أيضًا
لا يكتمل الرد دون التوقف عند حجة الدكتور مصطفى كامل السيد الأكثر حدة في الندوة، والتي وصفت الجهاز بأنه “سلطة فوق الحكومة” لأنه يكلّف نحو ست وزارات بتنفيذ مشروعاته دون حق اعتراض، وفي هذا التشخيص أتفق معه تمامًا، خاصة وأن غياب حق الاعتراض هو بالضبط فجوة المساءلة التي أتحدث عنها.
لكنني أختلف معه في نقطتين، الأولى أنه استدل بإشادة الرئيس بتعاون الوزارات مع الجهاز على “عدم جدوى الجهاز “،وهذا قفز منطقي لا يصمد، فالتعاون قد يكون دليل نجاح تنسيقي بقدر ما قد يكون تكرارًا وظيفيًا، ولا يُحسم ذلك من خطاب سياسي بمعزل عن مؤشرات أداء منشورة.
والثانية أنه أقرّ، كمتخصص، بأنه “ليس لديه ما يثبت نجاح عمل الجهاز”، وأتفق معه في الواقعة، لكنني أستخلص نتيجة معاكسة، إذ أن غياب الدليل ليس دليل فشل، بل دليل غياب أدوات القياس نفسها، كما أن حجته، حين تُدفع إلى نهايتها المنطقية، لا تنتهي إلى “ألغوا الجهاز”، بل إلى “ابنوا نظام القياس الذي يسمح لنا أصلًا بأن نعرف”.

من وصف التوتر إلى ميكانيكا التوتر
وثمة نقطة أراها غائبة عن مقال الأستاذ وائل، وكذا عن حديث الدكتور مصطفى كامل نفسه، رغم حضورها القوي في كل ما قدمه حزب العدل داخل اللجنة والجلسة العامة، فالأستاذ وائل يقول: هذا مركز سلطة جديد، والدكتور مصطفى كامل يقول: هذا سلطة فوق الحكومة، وكلا التوصيفين صحيح، لكن كليهما يكتفي بتسمية التوتر لا بدخول ميكانيكيته.
أما ما قدمه حزب العدل فكان سؤالًا من طبيعة مختلفة، فإذا كان هذا هو المسار الذي اختارته الدولة فعلًا – وسيمضي بصرف النظر عن رفضنا أو قبولنا -، فما الحوكمة التي تمنعه من التحول إلى مركز سلطة غير خاضع للمساءلة؟ وهذا انتقال من الوصف إلى التصميم.. من القول إن ثمة تركزًا للسلطة، إلى تحديد موقعه داخل بنية القانون (المادة العاشرة)، وآلية منعه (الفصل الوظيفي)، وكيفية معرفة وقوعه رغم الضمانات (مؤشرات الأداء والإفصاح الدوري).
ولعل هذا يفسر أيضًا لماذا بدت معظم تعديلات حزب العدل، لمن ينظر إليها منفصلة، وكأنها تتناول موضوعات متباعدة؛ من الضرائب، إلى الخزانة العامة، إلى الرقابة، إلى الصناديق، إلى مناطق التنمية، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى تطبيقات عملية لفكرة واحدة هي الحوكمة.
فلم يكن هدفنا تعديل مواد متفرقة، بل إعادة رسم الحدود بين الوظائف المختلفة داخل الجهاز، بحيث لا يصبح النجاح في وظيفة مبررًا لإخفاء الإخفاق في أخرى، ولا تتحول مرونة الإدارة إلى غموض في المساءلة.
أين تظهر هذه الأسئلة في النص: المادة العاشرة
المادة العاشرة التي قد تبدو مادة تنظيمية تحدد اختصاصات مجلس الإدارة، لكنها أهم مواد القانون، لأنها تمنح المجلس المساحة التي سيُبنى من خلالها التصميم المؤسسي للجهاز كله؛ إذا أُحسن استخدامها تتيح فصلًا وظيفيًا قويًا، وإذا طُبقت بصورة فضفاضة تكرس تداخل الأدوار في مركز واحد.
وإذا كانت المؤسسات، عند نورث، هي “قواعد اللعبة”، فإن المادة العاشرة كانت بالنسبة إلينا محاولة لكتابة قواعد اللعبة داخل هذا الجهاز، وعليه فلم يكن تحفظنا عليها نابعًا من رفض الصلاحيات الواسعة، فالمؤسسة الفعّالة تحتاج مرونة، بل من التساؤل عما إذا كانت هذه الصلاحيات ستُستخدم لفصل واضح بين الدور الاستراتيجي والاستثماري والتشغيلي – وهي أدوار لا تُقاس بمعيار واحد وقد تتعارض أهدافها.
واللافت أن كل التعديلات التي تقدمنا بها أثناء مناقشة القانون – وقد نُفِّذ أغلبها، من إلغاء جزء كبير من الاستثناءات، إلى إخضاع أنشطة للضرائب، إلى ضبط العلاقة بالخزانة العامة، إلى إلغاء الحد الأقصى – كانت في جوهرها تعديلات حوكمة لا تعديلات صلاحيات.
لكن المادة العاشرة نص عام لا يُفعَّل نفسه بنفسه؛ فهي تمنح مجلس الإدارة سلطة وضع اللوائح، وهذا يعني أن الفصل الوظيفي لن يتحقق من نص القانون وحده، بل يحتاج لوائح تنفيذية فعلية عند التطبيق، ولهذا قدمنا، إلى جانب التعديلات، ورقة تأسيسية أُرفقت بمضبطة الجلسة الختامية تحدد كيفية تفعيل هذه المادة عمليًا: تقسيم الجهاز إلى وحدة استراتيجية ووحدة استثمار/محفظة ووحدة منصة وتشغيل، بمؤشرات أداء لحياد المنافسة وتغطية التكلفة والعائد على المحفظة، على غرار حوكمة الصناديق السيادية الدولية.
لا أزعم أن التعديلات التي قدمناها كانت كافية لإزالة كل المخاطر، لكن الفارق أن موقفنا لم يكتف بتسمية الخطر، بل حاول تحديد موقعه داخل بنية القانون وتقديم مسار للتعامل معه.
سؤال أوسع: العقد الاجتماعي
ويقودنا هذا إلى سؤال العقد الاجتماعي المصري نفسه: ماذا نريد من الدولة بالضبط؟ منذ 1952 تغير دورها مرات عديدة – من المالكة المخططة، إلى الانفتاح والخصخصة، ثم عودة واسعة كفاعل اقتصادي مباشر – دون نقاش صريح يعيد تعريف العقد الذي يربط الدولة بالمواطن.
ولهذا نحن منشغلون في حزب العدل بقراءة معمقة لهذا العقد ككل، فقبل أن نسأل هل تتوسع الدولة أكثر مما ينبغي، علينا أن نتفق أولا على ما ينبغي أن تقوم به أصلا.
فالخلاف بيني وبين الأستاذ وائل ليس بين من يدافع عن الدولة ومن يعارضها، ولا بين اشتراكي وليبرالي، بل خلاف في ترتيب الأسئلة، إذ يبدأ هو من الملكية بوصفها مصدر السلطة، وأبدأ أنا من التصميم المؤسسي بوصفه ما يحدد كيف تُمارس، وليس خلافًا بين سؤال صحيح وآخر خاطئ؛ فالسؤالان ضروريان معًا.
قد يكون المكسب الحقيقي لهذا النقاش أنه نقلنا من الاختيار السهل بين التأييد والرفض إلى أسئلة أصعب: من يملك، ومن يحكم، وكيف يُحاسب، ومن يدفع الثمن حين نخطئ الإجابة؟ وقد نختلف في التشخيص أو في المسار، لكنني لا أظن أننا اختلفنا في وجود الخطر نفسه، فاختلفنا في وظيفة السياسة بعده: هل تتوقف عند وصف التوترات، أم تدخل إلى ميكانيكيتها وتحولها إلى قواعد حوكمة وتصميم مؤسسي أفضل؟.
ولذلك لا أعتبر أن نقاش «مستقبل مصر» انتهى بإقرار القانون، بل أراه بدأ هناك، فالقوانين تصنع المؤسسات، لكن المؤسسات تعيد تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع، وإذا كنا جادين في البحث عن دولة أكثر كفاءة وعدالة، فلن يكفي أن نسأل: من يملك؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: من يحكم؟ وكيف يُحاسب؟ وما هي قواعد اللعبة التي تمنع السلطة، أيًا كان مالكها، من أن تتحول إلى امتياز مغلق؟.





