هل تعود مقديشو إلى مربع الفوضى؟

تشهد الصومال واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية منذ سنوات، بعدما تحولت الخلافات حول مستقبل النظام السياسي وآليات الانتقال الديموقراطي إلى أزمة مفتوحة تهدد بإعادة إنتاج الانقسامات القديمة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، وتضع العاصمة مقديشو أمام اختبار صعب في ظل تحديات أمنية واقتصادية متراكمة.
الأزمة الحالية انفجرت على خلفية التعديلات الدستورية التي دفعت بها إدارة الرئيس حسن شيخ محمود، والتي تضمنت إعادة صياغة عدد من القواعد المنظمة للحياة السياسية والانتخابات.
ورغم أن الرئيس كان قد أكد في مناسبات سابقة عدم تطبيق هذه التعديلات خلال ولايته الحالية، فإنه عاد لاحقًا ليعلن استمراره في الحكم حتي عام 2027، وهو ما اعتبرته قوى المعارضة تجاوزًا للتوافقات السياسية التي قامت عليها الدولة الفيدرالية خلال العقدين الماضيين.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الخلاف لم يعد مجرد نزاع حول موعد الانتخابات أو شكل النظام الانتخابي، بل أصبح صراعًا أعمق يتعلق بمفهوم الشرعية السياسية وطبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم الفيدرالية، وهو ما يفسر حدة التصعيد الذي شهدته مقديشو خلال الأسابيع الماضية.
ففي الوقت الذي يروج فيه الرئيس حسن شيخ محمود لمشروع “شخص واحد ..صوت واحد”، باعتباره خطوة تاريخية نحو التحول الديمقراطى، ترى قوى المعارضة أن الظروف الأمنية والمؤسسية لا تسمح بتنفيذ انتخابات عامة مباشرة على مستوى البلاد في الفترة الحالية، خاصة مع استمرار سيطرة حركة الشباب على مساحات واسعة من الأراضي الصومالية، وعجز الدولة عن فرض نفوذها الكامل خارج المراكز الحضرية الرئيسية.
وتعتبر المعارضة أن الدعوة إلى انتخابات مباشرة تتجاوز الإصلاح الديمقراطي، إذ تمنح السلطة الحالية فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يضمن استمرار نفوذها، في حين يرى أنصار الحكومة أن المعارضين يخشون فقدان الامتيازات التي وفرها النظام الانتخابي القائم على المحاصصة العشائرية والتوافقات بين النخب التقليدية.

وتكتسب الأزمة أبعادًا أكثر خطورة مع دخول الوفيات الفيدرالية على خط المواجهة، فقد أعلنت كل من حوبالاند وبونتلاند رفضها للتعديلات الدستورية الجديدة، واعتبرت أن الحكومة المركزية تتجه نحو تقويض أسس النظام الفيدرالي الذي تم التوافق عليه بعد سنوات من الصراعات والحروب الأهلية.
وتنظر بونتلاند وجوبالاند إلى خطوات مقديشو باعتبارها محاولة لإعادة تركيز السلطة في يد الحكومة المركزية على حساب الأقاليم، وهو ما يهدد بإشعال موجة جديدة من الصراعات السياسية وربما الأمنية، خصوصًا أن هاتين الدولتين تمتلكان هياكل أمنية وإدارية مستقلة نسبيًا عن الحكومة الفيدرالية.
وتبرز المخاوف بشكل أكبر مع وجود سوابق تاريخية للصدام بين الأطراف السياسية الصومالية، ففي عام 2021 كادت الخلافات حول الانتخابات أن تدفع البلاد إلى مواجهات مسلحة داخل العاصمة، بعدما انتشرت قوات موالية لأطراف سياسية مختلفة في شوارع مقديشو، واليوم تتكرر المؤشرات ذاتها مع تصاعد الخطاب السياسي وعودة لغة التخوين والتشكيك في الشرعية.
على المستوي الأمني؛ تأتي الأزمة في توقيت شديد الحساسية فرغم النجاحات التي حققتها الحكومة خلال الأعوام الأخيرة في تقليص نشاط حركة الشباب المتطرفة داخل مقديشو، فإن الحركة لا تزال تمتلك قدرات قتالية واستخباراتية كبيرة تمكنها من استغلال أي فراغ سياسي أو انقسام داخلي.
وتشير تقديرات عديدة إلى أن استمرار الصراع بين الحكومة والمعارضة قد يوفر فرصة ذهبية لحركة الشباب لإعادة ترتيب صفوفها وتوسيع نفوذها في بعض المناطق، مستفيدة من انشغال النخب السياسية بمعارك السلطة بدلاً من التركيز على الحرب ضد التنظيم.
اقتصاديًا؛ تبدو التداعيات أكثر تعقيدًا، فالصومال يعتمد بصورة كبيرة على المساعدات الدولية والمنح الخارجية لتمويل مؤسسات الدولة، بينما تواجه الجهات المانحة ضغوطًا متزايدة لإعادة تقييم برامج الدعم في ظل حالة الانقسام السياسي الراهنة، كما أن تراجع الاستقرار يهدد الاستثمارات الناشئة التي بدأت تتدفق إلى العاصمة خلال السنوات الأخيرة.
وفي البعد الإقليمي، تراقب دول القرن الأفريقي والخليج تطورات الأزمة بقلق متزايد، نظرًا للأهمية الجيوسياسية التي تمثلها الصومال عند مدخل البحر الأحمر والمحيط الهندي، كما أن أي تدهور أمني أو سياسي قد ينعكس مباشرة على ملفات مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة البحرية والتوازنات الإقليمية.
أما المتغير الأكثر حساسية فيتمثل في تنامي النزعات الانفصالية داخل بعض الأقاليم، خاصة في ظل التحركات الدبلوماسية التي تشهدها أرض الصومال “صوماليلاند”، والتي تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي مستفيدة من الانقسامات الداخلية في الدولة الأم.
وفي المحصلة، تبدو الصومال اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تنجح القوى السياسية في التوصل إلى صيغة توافقية تعيد بناء الثقة بين الحكومة والمعارضة والأقاليم، وإما أن تدخل البلاد مرحلة جديدة من الاستقطاب قد تعيد إنتاج أزمات الماضي وتبدد المكاسب الأمنية والاقتصادية التي تحققت بشق الأنفس خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام القيادة السياسية الصومالية هو إثبات أن مشروع بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على الغلبة السياسية، وإنما على التوافق الوطني الذي يضمن مشاركة جميع المكونات في رسم مستقبل البلاد، بعيدًا عن منطق الإقصاء والصراع على السلطة الذي رافق التجربة الصومالية لعقود طويلة.







