لفت انتباهي تصريح رئيس الوزراء الأخير بشأن أزمة التأمينات الاجتماعية عندما اختزل الأزمة في نحو 45 ألف حالة فقط، لم يكن ما أثار انتباهي الرقم نفسه، ولا حتى دقته من عدمها، بل المنهج الذي يقف خلفه، فهذه ليست المرة الأولى التي يُعاد فيها تعريف المشكلة من خلال حجمها بدلاً من أسبابها، ولا المرة الأولى التي يصبح فيها النقاش حول ما إذا كانت الأزمة كبيرة أم صغيرة بدلاً من السؤال الأهم: لماذا وقعت أصلاً؟ وكيف وصلت الدولة إلى هذه النقطة؟ ولماذا لم تتحقق الوعود التي قُدمت بشأنها؟.
ولأنني لا أرى أزمة التأمينات بمعزل عن غيرها من الملفات، فقد وجدت نفسي أعود إلى سلسلة من الوقائع المتشابهة التي مرت بها الحكومة خلال العامين الماضيين، والتي يكاد يجمعها خيط واحد: الميل إلى تقديم صورة أكثر اطمئنانًا من الواقع، ثم العودة لاحقاً للاعتراف المتدرج بأن الواقع كان أكثر تعقيداً مما قيل.
في صيف 2024، وخلال تصاعد النقاش حول أزمة الطاقة، طُرحت أمام الرأي العام رواية رسمية مفادها أن إنتاج الغاز الطبيعي سيعود إلى مستوياته السابقة بحلول صيف 2025، لم يكن ذلك مجرد أمل أو أمنية، بل تقديراً حكومياً استندت إليه تصريحات ومواقف عديدة. لكن صيف 2025 جاء ورحل، ولم يعد الإنتاج إلى مستوياته السابقة، بل واصل التراجع، واضطرت الدولة إلى التوسع في استيراد الغاز المسال وإبرام ترتيبات أكثر كلفة لتغطية احتياجات السوق المحلية.
وبالمنطق نفسه جاءت قصة سفن التغويز، فخلال شهور طويلة مالت التصريحات إلى التقليل من أهمية التأخيرات أو آثارها المالية والتشغيلية، بينما كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف، ومع مرور الوقت بدأت الأرقام تظهر، وظهرت تكاليف إضافية وتأخرت جداول التشغيل المعلنة، واتضح أن ما قُدم باعتباره تفاصيل فنية محدودة أصبح عبئاً اقتصادياً حقيقياً تتحمله الدولة، والمفارقة أن النقاش لم يعد يدور حول وجود المشكلة من عدمه، بل حول تكلفة المشكلة التي سبق إنكارها.
وفي ملف الدين العام سمعنا أهدافًا طموحة ومسارات هبوط معلنة وتوقعات متفائلة، لكن النقاش ظل يدور حول الأرقام المستهدفة أكثر مما يدور حول السياسات المطلوبة لتحقيقها ورغم ظهور السردية الوطنية كأطار تفسيري واضح لهذا الطموح الا ان السردية ذاتها توارت في غموض. وكأن إعلان الهدف أصبح ضرورة للاستهلاك الاعلامي يشكل بديلاً عن شرح الطريق المؤدي إليه.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يتكرر الأمر في أزمة التأمينات الاجتماعية، فقبل أسابيع قليلة فقط تم إبلاغ مجلس النواب رسميًا بأن التراكمات القائمة سيتم الانتهاء منها خلال شهر واحد، وأن الأزمة في طريقها للحل، ثم انتهى الشهر ولم تنته الأزمة، وبعدها بدأ الحديث عن أسابيع إضافية، ثم عن شهرين آخرين حتى تصل المنظومة إلى حالة الاستقرار المطلوبة، وبينما كان من المنتظر أن ينشغل الجميع بتفسير أسباب التعثر وتأخر الحل، فوجئنا بأن النقاش انتقل إلى مساحة مختلفة تماماً، وهي أن عدد المتضررين لا يتجاوز 45 ألف حالة.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة، فالدولة لا تقيس الأزمات بعدد المتضررين منها، كما لا تقيس الحقوق بعدد أصحابها، المواطن الذي تعطل معاشه أو تأخرت تسويته أو توقفت مصلحته لا يصبح أقل استحقاقاً للانتباه لأن هناك ملايين غيره لم يتضرروا، كما أن البرلمان الذي تلقى تعهدًا رسميًا لا يفترض أن ينشغل بعدد الملفات المتأخرة بقدر ما ينشغل بسبب عدم تحقق التعهد نفسه.
وما يزيد من خطورة المشهد أن الهيئة نفسها اضطرت إلى اللجوء إلى إجراءات استثنائية تخص المقاولين والموردين نتيجة عدم استقرار المنظومة، ثم اتضح لاحقاً أن حتى هذه المعالجات الاستثنائية لم تنه المشكلة بصورة كاملة، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت الحلول الاستثنائية نفسها لم تنجح في تحقيق الغرض منها، فكيف يمكن إقناع الناس بأن جوهر الأزمة محدود أو أن أثرها أقل مما يبدو؟.
في عام 2021 واجه رئيس الوزراء الهولندي Mark Rutte أزمة سياسية كبرى عُرفت بفضيحة إعانات رعاية الأطفال، لم يكن جوهر القضية عدد المتضررين، بل الثقة بين المواطن والدولة، لم ينشغل بإثبات أن الأغلبية لم تتضرر، بل كان السؤال المركزي: كيف أخطأت الدولة في حق مواطنيها؟ وكيف يمكن استعادة الثقة التي تضررت نتيجة هذا الخطأ؟، وعلى خلفية الواقعة استقالت الحكومة معتذرة عن هذا الخطأ الفادح وتعريض حياة الأسر للضرر.
وهنا أصل إلى ما أعتقد أنه جوهر المسألة في مصر اليوم، فالمشكلة ليست في الغاز وحده، ولا في سفن التغويز، ولا في التأمينات، ولا حتى في الدين العام. المشكلة في أسلوب إدارة أصبح يميل إلى تبسيط المشكلات إلى الحد الذي يفقدها معناها الحقيقي، والأخطر من ذلك أن هذا الأسلوب لا يقتصر أثره على إدارة الأزمات الحالية، بل يهدد قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات كبرى تحتاج بالأساس إلى الثقة العامة والمصارحة الكاملة.
خذ على سبيل المثال مشروع التحول إلى الدعم النقدي، وهو في تقديري أحد أهم مشروعات الإصلاح الاجتماعي المطروحة حاليًا، الفكرة في جوهرها سليمة، ولها مبررات اقتصادية واجتماعية قوية، لكن نجاحها لن يتوقف على سلامة الفكرة وحدها، وإنما على طريقة إدارتها، فعندما يصبح الخطاب الرسمي مشغولاً بنفي المشكلات أو التقليل من المخاوف أو التعامل مع كل نقد باعتباره تشكيكًا أو تهويلاً، فإن الدولة تخسر أهم عنصر تحتاجه لإنجاح أي إصلاح كبير: الثقة.
الإصلاحات الكبرى لا تُدار بمنطق “الأمور تحت السيطرة”، ولا بمنطق التقاط الصورة المثالية للحظة الراهنة، وإنما بإدارة دقيقة للتفاصيل، والاعتراف المبكر بالمخاطر، والاستعداد لمناقشة الأسئلة الصعبة قبل أن تفرضها الأحداث.
وفي كتاب “رؤية مثل الدولة” يشرح چيمس سكوت كيف تميل الدولة الحديثة إلى تبسيط الواقع حتى يصبح قابلاً للإدارة والفهم، تبدأ العملية بخريطة أو إحصائية أو مؤشر إداري، وهي أدوات ضرورية ومشروعة، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى بديل عن الواقع نفسه، عندها لا تعود الدولة ترى ما يحتاج فعلاً إلى إصلاح، بل ترى ما تسمح أدواتها برؤيته
فقط.
تتحول الأزمات إلى أرقام، والأرقام إلى مؤشرات أداء، ومؤشرات الأداء إلى خطاب سياسي، والخطر هنا ليس في التبسيط ذاته، بل في الخلط بين النموذج والواقع، فعندما تقتنع الدولة بأن إدارة الانطباع تساوي حل المشكلة، تبدأ الأزمة الحقيقية، لأن الواقع لا ينتظر المؤتمرات الصحفية ولا البيانات التوضيحية، بل يستمر في التآكل بصمت تحت الأرقام الجميلة، إلى أن تصبح تكلفة الاعتراف بالحقيقة أقل كثيرًا من تكلفة الاستمرار في تجاهلها.





