
اللقاء خطوة هامة نحو كسر الجمود السياسي رغم عدم وصول توافق وطني شامل مع استمرار الصراع
في لحظة سياسية شديدة التعقيد، اجتمعت قوى سودانية مختلفة التوجهات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحت رعاية الآلية الخماسية الدولية، في محاولة جديدة لإحياء مسار سياسي قادر على وقف الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وبينما رأت بعض القوى في المشاورات فرصة لبناء أرضية مشتركة للسلام، اعتبرتها أطراف أخرى ساحة جديدة للصراع حول الشرعية السياسية ومستقبل الدولة السودانية.
وشهدت الاجتماعات التي انعقدت على مدار يومي 3 و5 يونيو 2026 حراكًا غير مسبوق بين قوى مدنية وسياسية طالما وقفت على ضفاف متعارضة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، الأمر الذي دفع مراقبين إلى وصف اللقاءات بأنها اختبار حقيقي لقدرة السودانيين على إنتاج تسوية سياسية من داخل الانقسامات العميقة التي مزقت البلاد.
في مقدمة المشاركين برز تحالف “صمود”، إلى جانب الكتلة الديمقراطية، وحزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، والمؤتمر الشعبي، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، إضافة إلى شخصيات مدنية وتسوية وشبابية، وبعد يومين من المشاورات المكثفة، أعلنت هذه القوى التوصل إلى رؤية مشتركة تحدد الخطوط العريضة لتدشين عملية سياسية سودانية عبر لجنة تحضيرية تمهد لحوار شامل يهدف إلى إنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة.
الدعوة لوقف الحرب
وأكد البيان المشترك للقوى المشاركة أن الحرب يجب أن تتوقف فورًا، وأن أي عملية سياسية ناجحة ينبغي أن تعالج الكارثة الإنسانية، وتفتح المجال العام، وتؤسس لمصالحة وطنية وعدالة انتقالية ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وصولاً إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
غير أن هذا التوافق لم يكن كاملاً أو نهائيًا، إذ حرص تحالف صمود على وضع شروط واضحة لمشاركته في المسار السياسي.
ومن جانبه أوضح جعفر حسن عثمان، المتحدث الرسمي باسم التجمع الاتحادي، أن استمرار مشاركة التحالف مرهون بالتزام جميع الأطراف بما تم الاتفاق عليه مسبقًا بين القوى الرافضة للحرب والقوى الداعمة لبورتسودان والقوى الداعمة لنيالاً.
وحذر حسن، من أن أي تعديل في التفاهمات السابقة سيدفع التحالف إلى مقاطعة الاجتماعات، مؤكداً أن احترام الاتفاقات يمثل شرطاً أساسياً لبناء الثقة وإنجاح أي عملية سياسية.
وفي المقابل، ظهر تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، المقرب من قوات الدعم السريع، باعتباره أحد أكثر الأطراف تمسكًا بإعادة صياغة النظام السياسي السوداني بصورة جذرية، فقد أكد مستشار مليشيات قائد قوات الدعم السريع، الباشا محمد الباشا طبيق، أن مشاركة التحالف في اجتماعات أديس أبابا جاءت برؤية موحدة تستهدف إطلاق عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية، وليس مجرد إيقاف الحرب.
ووجه “طبيق” انتقادات حادة إلى ما وصفه بـ”معسكر بورتسودان”، معتبراً أنه يعاني انقسامات داخلية وتحالفات مصلحية تفتقر إلى مشروع وطني متماسك، كما دعا المجتمع الدولي إلى التعامل مع القوى التي تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً وقادراً على بناء دولة مدنية ديمقراطية.
أما نصر الدين عبد الباري، عضو الهيئة القيادية في تحالف “تأسيس”، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحدث عن مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية بالكامل، بما يشمل تأسيس جيش جديد وجهاز أمن واستخبارات وشرطة جديدة، في رؤية تعكس حجم التغيير الذي يسعى إليه التحالف.
بدوره، أكد الناطق الرسمي باسم التحالف أحمد تقد لسان أن تأسيس يمتلك حكومة ومؤسسات قائمة بالفعل، معتبرًا أن الحديث عن تشكيل لجنة الحوار السياسي قبل معالجة الملفين الأمني والإنساني يعد سابقًا لأوانه، مشددًا على أن الاتحاد الأفريقي هو المنبر الأنسب للحوار السوداني الشامل، نافياً وجود أي اتصالات مع الجيش السوداني.
نقاط الخلاف
وتتمثل أبرز نقاط الخلاف بين تأسيس وخصومه في موقفه الرافض تمامًا لأي مشاركة للحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني أو ما يعتبره واجهات سياسية لهما في أي عملية سياسية مستقبلية، وقد بلغ هذا الموقف ذروته بإعلان التحالف رفض الجلوس مع الكتلة الديمقراطية خلال اجتماعات أديس أبابا، متهماً إياها بأنها واجهة للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني.

في الجهة المقابلة، جاءت مواقف الكتلة الديمقراطية بقيادة مني أركو مناوي، لتؤكد اتجاهًا محتلفًا تمامًا. فقد شدد على أن الحوار يجب أن يكون سودانيًا خالصًا، ويجري داخل السودان، معتبرًا أن دور المجتمع الدولي يجب أن يقتصر على التيسير والدعم دون التدخل في تحديد مخرجات العملية السياسية.
ورفضت الكتلة الديمقراطية أي تسوية تمنح قوات الدعم السريع أو تحالف “تأسيس” مكاسب سياسية تتجاوز مقتضيات العدالة والمحاسبة، مؤكدة أن السلام لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة، كما اعتبرت أن الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
وأبدت الكتلة رفضًا واضحًا لأي محاولات لتشكيل حكومات موازية أو فرض ترتيبات سياسية من خارج السودان، معتبرة أن الشرعية السياسية يجب أن تستمد من الإرادة الشعبية لا من المؤتمرات الخارجية أو الدعم الدولي.
وفي خضم هذا الجدل السياسي. برز الصوت النسوي ممثلاً في ابتسام الشيخ، الأمين العام لتحالف النساء القومي ورئيسة منبر نساء لأجل السلام والعدالة، التي قدمت واحدة من أكثر المداخلات تأثيراً خلال اجتماعات الخماسية، فقد تحدثت عن المعاناة اليومية التي تعيشها النساء السودانيات نتيجة الحرب، مشيرة إلى أن النساء يتعرضن للعنف المباشر ويتحملن في الوقت نفسه أعباء إعالة الأسر ورعاية النازحين والأيتام.
وطالبت ابتسام الشيخ، المجتمع الدولي بالعمل أولاً على وقف تدفق السلاح والتمويل إلى أطراف الحرب قبل الحديث عن أي عملية سياسية، كما شددت على ضرورة تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 50% في جميع مراحل عملية السلام، مؤكدة تمسك المجتمع المدني بوحدة السودان ومؤسسات الدولة الوطنية وفي مقدمتها القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة سيادية يجب أن تبقى بعيدة عن الاستقطاب السياسي.
أما الآلية الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي والإيجاد وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، فقد وصفت مشاورات أديس أبابا بأنها “صعبة لكنها مثمرة”، وأكدت في بيانها الختامي أن المشاورات أظهرت استعداد بعض القوى السودانية المختلفة للعمل معاً وصياغة وثائق مشتركة، ما يمثل خطوة أولية نحو تأسيس لجنة تحضيرية لحوار سوداني شامل.
وفي رسالة تحمل دلالات سياسية مهمة، شددت الآلية على رفض أي محاولات لإنشاء هياكل حكم موازية أو ترتيبات من شأنها زيادة تفتيت الدولة السودانية، مؤكدة تمسكها بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
وفي المحصلة، كشفت اجتماعات أديس أبابا أن هناك توافقاً متزايداً بين عدد من القوى المدنية حول ضرورة إنهاء الحرب، لكن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة بشأن طبيعة الدولة المقبلة، ومستقبل المؤسسة العسكرية، ومصير الحركة الإسلامية، وحدود مشاركة قوات الدعم السريع في أي تسوية سياسية.

وبينما ترى بعض الأطراف أن الأولوية هي وقف الحرب والانطلاق نحو حوار شامل، تصر أطراف أخرى على حسم ملفات العدالة والشرعية وبنية الدولة قبل أي ترتيبات سياسية.
لذلك تبدو مشاورات أديس أبابا خطوة مهمة نحو كسر الجمود السياسي، لكنها لا تزال بعيدة عن إنتاج توافق وطني شامل، في ظل استمرار الصراع على تعريف الشرعية ومَن يملك حق رسم ملامح السودان بعد الحرب.








